آخر تحديث:12:57(بيروت)
السبت 18/04/2020
share

"حُلم" أرتور شينتسلر.. قبل أن يصبح فيلم ستانلي كوبريك

وجدي الكومي | السبت 18/04/2020
شارك المقال :
"حُلم" أرتور شينتسلر.. قبل أن يصبح فيلم ستانلي كوبريك حوّل كوبريك رواية فيينا العشرينات إلى Eyes Wide Shut عن نيويورك التسعينات
الخيانة والذنب... الرغبة في خرق المحظور، واستكشاف مغامرات أخرى بعيدة من الملل الزوجي، واستقراء النفس البشرية التواقة للعبث، كلها أفكار تراود زوجين، هما "فريدولين" و"ألبرتينه"، بعد عودتهما من حفلة تنكرية. يتكاشفان بوقائع قديمة، واقعة تعرضت فيها "ألبرتينه" لإغراء رجل، حاول مراودتها عن نفسها، مقابل واقعة أخرى يحكيها "فريدولين" لزوجته.

تلك المكاشفة المتبادلة، والرغبات في الاعتراف، تفتح باباً، في نوفيلا محدودة الصفحات، هي نوفيلا "حُلم" للروائي النمسوي أرتور شنيتسلر...

قارئ "حلم" سينجذب إلى سحر خاص في العمل، سحر النميمة العائلية، المبطن بقوة ساحرة أخرى، قوة ضمنها شنيتسلر الطبيب النفسي الذي عمل في قسم الأمراض النفسية والعصبية في مستشفى فيينا العام، نهاية القرن التاسع عشر، وتتمثل تلك القوة في خلق عالمين متوازيين.. عالم الحقيقة الذي تجري فيه الأحداث بين "فريدولين" و"ألبرتينه"، وعالم "الحلم" الذي يغلف به "أرتور" أحداث الرواية باستخدام مفاتيح سحرية يفتح القارئ بها هذا العالم. وأوّل هذه المفاتيح، العزف على النفس الإنسانية التواقة للعبث. فالزوج "فريدولين"، ما أن يستمع إلى اعتراف زوجته له بمطاردة شخص ما لها في ليلة من الليالي، حتى يستعمر روحه شغف الرغبة، ويستعمره غروره حينما تغويه ابنة أحد مرضاه – مستشار القصر الملكي- التي تصارحه بحبها له، ورغبتها فيه.

يغادر "فريدولين" إلى العمل ممتلئاً بطاقة تدفعه دفعاً إلى العبث، وتدفع قارئ الرواية إلى استكشاف وصف رشيق للغاية وبارع، لأرتور شنيتسلر، لشوارع النمسا في عشرينيات القرن العشرين، المغطاة بقليل من الثلج. أجواء بارعة يدخلنا فيها شنيتسلر بجُمل وعبارات تنتمي لكتابة شديدة الحداثة، تنطبق على الوصف الذي ناله بأنه "رائد من رواد الحداثة الفييناوية". مثل هذه العبارات التي يصف بها فيينا في المساء قائلاً: "كانت الثلوج في الشوارع قد ذابت، وإلى اليمين واليسار كُومت أكوام صغيرة من الثلوج ذات لون أبيض متسخ. اهتز الفتيل الغازي في المصابيح، ومن كنيسة قريبة دقت الساعة الحادية عشرة".

يخوض "فريدولين" مغامرات أشبه بالحلم، رغبة منه في أن يشفى من الجرح الذي سببه له اعتراف "ألبرتينه" بأنها تعرضت لغواية رجل ما، فيتعرف على "ميتسي" العاهرة التي تصطحبه إلى بيتها، ثم يغادره من دون أن يمسها. يذهب إلى المقهى، فيقابل صديقه عازف البيانو الذي يعزف في حفلات سرية يقصدها مقنعون في أزياء كهنة ورهبان، ونساء عاريات. يتعلق بشغف وينجح في إقناع صديقه عازف البيانو بأن يصحبه إلى هذه الحفلة السرية.. يذهب "فريدولين" فعلاً إلى الحفلة، ومن هنا، يدخل قارئ العمل في حلم.

لا شيء مؤكداً في ما يصادفه القارئ بمجرد وصوله إلى هذا الموضع من العمل، إذ يجد نفسه إزاء حبكة بوليسية بعدما كان ماضياً في حبكة مثيرة عن نميمة زوجية، تتحول إلى ليلة درامية يعيشها الزوج، يغلفها الروائي النمسوي بأجواء حساسة. ويقودنا عبر فضول "فريدولين" ورغبته، إلى كشف سر السيدة المقنعة التي، تتصدى لإنقاذه من العقاب على تسلله غير المشروع إلى الحفلة، فنمضي في القراءة، من أجل استكشاف ما سيحدث.

اللافت في هذا النص القصير، هو غوصه في الإرث النفسي القديم جداً عند الرجال، الإرث النفسي الذي تشكله الهواجس، هواجس كل رجل عن المرأة، وعن الحياة السرية التي تخترعها المخيلة للنساء. فبطل الرواية "فريدولين" يسأل نفسه عقب مغادرته الحفلة السرية: "أمن الممكن أن تكون كل تلك النساء شيئاً آخر سوى عاهرات؟ عاهرات بلا شك".

شنيتسلر يبدأ مبكراً الحفر في الإرث النفسي هذا عند الرجال، حينما يجعل بطله "فريدولين" يخدع زوجته، مبرراً لها في أول الرواية ميله تجاه امرأة أخرى: في كل كائن، صدقيني حتى وإن بدا قولي مستهلكاً، في كل كائن اعتقدت أنني أحبه، كنت لا أبحث إلا عنك".

وهكذا حينما يعود "فريدولين" من مغامرته الليلية في البيت السري، يفاجأ بزوجته النائمة تبتسم وتضحك في نومها، ثم تستيقظ لتقص عليه حلماً، يماثل تقريبا أحداث ما وقع في البيت. ينام الزوج مؤرقا بما قصّته زوجته، شاعراً بشكوكه وقد تضاعفت آلاف المرات، متألماً من إحساس الغدر والخيانة. يهرب إلى النوم، عله يجد فيه ملاذاً من الألم والنسيان، وتندفع أحداث الرواية إلى منطقة أكثر تشويقاً، إذ يبحث الزوج عن الحقيقة، ويكاد يكون امتلك اليقين من خيانة زوجته. ربما هي التي قدمت جسدها للرجال في الحفلة لتنقذه، خصوصاً أنها حكت شيئاً مماثلاً زارها في المنام. يعود إلى البيت في الصباح التالي، محاولاً فض اللثام عن المرأة التي أنقذته من الرجال، إلا أنه يتلقى تحذيراً بعدم الاقتراب، تحذير يطالبه بالرحيل والتوقف عن إجراء التحريات.
تمضي الحبكة في طريقها المثير، طريق يحاول خلاله القارئ الربط بين فرضية الزوج بأن زوجته "ألبرتينه" شاركت في الحفلة، وفي الوقت نفسه، لا يمنح شنيتسلر هذا القارئ فرصة للإفلات من طيات الحكاية، إذ يخبره نية الزوج تنفيذ خطة انتقامية من الزوجة، حينما يقرر أن يعود إلى ابنة مستشار القصر الملكي. إنها اللعبة النفسية نفسها التي يمارسها الرجل المجروح.. يفكر في الخيانة كرد سريع وعملي على ما تصوَّره من خيانة زوجته، لكنه يفشل في المضي قدماً مع ابنة المستشار، فيغادر، ويتيه في الشوارع. وفي مشهد يمكن أن نصفه بأنه لُب هذه النوفيلا، يفكر "فريدولين" في الاختفاء، يهجر حياته المنظمة، كشخص يعود من الأحلام.. يعود منها لكنه لا يكون بوسعه أبداً أن يتذكرها، فلا يبقى له منها سوى حالة نفسية مبهمة، أو دوار غامض، ويظل يسأل نفسه: هل عايش ذلك فعلاً، أم أنه مجرد حلم؟

نوفيلا أرتور شنيتسلر عمل قصير عن الحياة السرية، التي يعيشها الإنسان محاولاً المضي فيها، جنباً إلى جنب حياته الحقيقية المعلنة. يقول المؤلف على لسان الزوجة في الحوار النهائي بينها وبين زوجها: "حقيقة ليلة، بل حقيقة حياة إنسان بأكملها، لا تعني في الوقت ذاته حقيقته الداخلية". فيجيبها "فريدولين": وليس ثمة حلم هو حلم تماماً".
تحولت "حلم" إلى فيلم Eyes wide shut أو "عيون مغلقة على إتساعها" لستانلي كوبريك، وأرتور شنيتسلر بدأ نجمه في الظهور عندما نشر نصوصاً أدبية اهتم فيها بالحالة النفسية لأبطاله، التي عكست المجتمع الفييناوي آنذاك، وكان واحداً من أهم منتقدي الإمبراطورية النمسوية المجرية، ومُنعت أعماله في فترة النازيين، ومن أهمها "الدائرة" و"شهوة متأخرة" و"احتضار" و"الآنسة إلزه".
*صدرت الرواية في النمسا العام 1925 وترجمها حديثاً سمير جريس، الى العربية، وصدرت عن دار الكرمة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها