آخر تحديث:14:03(بيروت)
الإثنين 13/04/2020
share

سينما الوباء (1): من آكلي لحوم البشر إلى الزومبي

محمد صبحي | الإثنين 13/04/2020
شارك المقال :
  • سينما الوباء (1): من آكلي لحوم البشر إلى الزومبي
    لقطة من فيلم 'حرب الزومبي العالمية
  • لقطة من فيلم "عدوى"
    لقطة من فيلم "عدوى"
  • لقطة من فيلم "ريزدينت إيفيل - فاينال شابتر"
    لقطة من فيلم "ريزدينت إيفيل - فاينال شابتر"
  • لقطة من فيلم "ليلة الموتى الأحياء"
    لقطة من فيلم "ليلة الموتى الأحياء"
في السينما، لا نتعامل مع معلومات فحسب، ولا نستقبل سردياتها بسلبية، بل نُواجه بشكل مباشر وفوري بصور ومشهديات تحرِّك شيئاً داخلنا. الفيلم، أي فيلم، تجربة قبل أن يكون موضوعاً للتفكير. هذا يعني كل شيء ولا شيء. يعتمد تفاعلنا مع الفيلم على تأثيره، وهو شيء غامض بقدر فاعليته المحسوسة.


لغز التأثير
سكن مفهوم التأثير نظرية الفيلم منذ بدايتها. لكن منذ ظهور ما سُمّي "الانعطاف التأثيري" (affective turn) في الدراسات الثقافية المتعلّقة بالتنظير الاجتماعي، على الأقل في المجال الأكاديمي؛ لا يمكن للمرء الاستغناء عنه في أي حديث ذي صلة. كذلك في النقاش السياسي، ازداد الاهتمام بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة بديناميات التأثير التي تجمع المجتمع معاً أو تفرّقه. على هذا الأساس، يبدو مصطلح مثل "الشعبوية اليمينية" مفيداً، لفهم ما هو موجود حالياً (في لبنان مثلما في المجر أو في أميركا) من تقبّل - ورغبة - الكثيرين لسياسات فاشية جديدة يرون فيها سبلاً معقولة للنجاة وتدوير العجلة. في كتابه المهم "من كاليغاري إلى هتلر: تاريخ سيكولوجي للسينما الألمانية"، كتب الناقد الألماني سيغفريد كراكور عن "تفاهة البرجوازية " في زمن جمهورية فايمار: "استسلامهم للنازيين كان مبنياً على ترسيخات عاطفية أكثر من تقييمهم للوضع الحقيقي".

تمثّل السينما مجالاً مثالياً لبحث الأبعاد التأثيرية للمنتجات الثقافية، في تشكيل إدراكنا للعالم، ومساءلته، وتحفيزه، عبر التفكّر في تأثير الفيلم وانعكاسه في اليومي، أو العكس. أليس هذا هو وعد السينما؟ استحضار العواطف العظيمة والاستثنائية، وشحذ الحواس لمستوى آخر في الواقع العادي. والوصول أبعد من مشاعر الشفقة والحزن والسعادة السينمائية العظيمة، لتأسيس بيت للالتباسات العاطفية والديكورات العاطفية، لتنفيسها، لجعلها قابلة للتجربة أو حتى التعرُّف عليها في المقام الأول. في كتابها "تأثيرات عادية"، تقدّم الأنثروبولوجية الأميركية كاثلين ستيوارات واحدة من أجمل المحاولات لفهم كيف تخلق التأثيرات اليومية العادية موضوعات قادرة على التأثير والتأثّر، وكيف تربطنا خبراتنا الأكثر حميمية بالعالم الخارجي على نحو لا فكاك منه.

إن ما يهزّ الناس ويحرّكهم، بأي طريقة، له علاقة كبيرة بفرضياتهم وعزوهم للأسباب، التي يخضعون لها بطرق مختلفة كثيرة. بذلك المعنى، تسائل القصص الوبائية الجيّدة هيكلنا الاجتماعي بأكمله. يعمل الوباء بطريقة تشبه الحياة نفسها: غير مفهوم أو موجّه، وعلى نطاق واسع بحجم كل موئل صالح للعيش. الروابط الاجتماعية، عاطفية كانت أم عقلانية، يدركها عطب مستجد، يصيّرها بمرور الوقت مشروعاً ناجحاً لانعدام التواصل. وهذا بالضبط السبب في تحصُّل الوباء على مكانته في الثقافة الشعبية كلغز وأسطورة: خطرٌ شبحي وإسقاط موضوعي في نفس الوقت. تماماً مثل كثير من أوبئة اجتماعية وسياسية نتعايش معها طوال الوقت، دون قدرها على دفعها أو نفيها.


باعتباره خطراً غير مرئي، يمثّل الفيروس تحدّياً ومنطلق إبداع محتمل لوسيط سلاحه الأقوى وربما الوحيد هو الصورة (الرؤية). عندما تلتقي السينما بالفيروس، يتعلّق الأمر، إلى حد كبير، بجلب ما لا يمكن تمثيله إلى الواجهة. إنها مهمة يائسة بقدر إبداعيتها، حيث تتهرَّب الأسباب عن سُبل كشفها، بينما تكون الأعراض أكثر وضوحاً، والحالات المصابة تتزايد بوتيرة متصاعدة كعلامة استفهام كبيرة. في السينما، كان الفيروس دائماً فيروساً قاتلاً. لمقاربته، اعتمدت السينما طريقاً شبه ثابت، عبر إظهار تأثيراته وتداعياته والدراما التي يصنعها في حياة البشر: من أين يأتي؟ وماذا يفعل؟ وكيف تتعامل الناس في وجوده كمصدر تهديد؟

فودو مُعلمَن
ليس من المستغرب أن تظهر أكثر الأعراض وضوحاً في سينما الرعب. وحش السينما الفيروسية بامتياز هو أفلام الموتى الأحياء (الزومبي). على الأقل في شكلها الحديث. "ليلة الموتى الأحياء" (1968، جورج إيه. روميرو)، وهو فيلم لم تُذكر فيه كلمة "فيروس" ولا مرة، لكن كتلة السائرين بطوله من آكلي لحوم البشر هي نتاج مشكلة وبائية؛ كان فيلماً مؤسساً – من ناحية الأسلوب – لنوع فيلم الوباء بأكمله. في أقدم مظاهر أسطورة الزومبي، لا تزال تظهر تلك المخلوقات المحكومة بطقوس تشبه الفودو (Voodoo)، وقد يشير هذا السلوك أيضاً إلى استمرارية دلالات تاريخية في ما وراء مُركَّب الزومبي نفسه. بعبارة أخرى، ربما يكون الفيروس - الذي يُفهم هنا ليس كبنية عضوية مُعدية، ولكن كعنصر في الخيال الثقافي - هو في الواقع نوع من الفودو المُعلْمَن: شرٌّ غير متجذّر في البشر وليس، أو على الأقل ليس مصدره، في الطبيعة، ولكن في قوة أعلى لم تعد موجودة الآن في السماء، بل في ما وراء عتبة الإدراك.


هناك عدد قليل نسبياً من الأفلام "الواقعية" حول الكوارث الفيروسية في المجتمعات الحديثة. حقيقة يمكن تفهُّهما في ضوء ما شهدناه في الأسابيع الأخيرة: اندلاع الفيروس في منطقة بعيدة من العالم، ثم فترة كمون يرافقها عدم يقين متزايد، يعقبها ذلك التحوّل البطيء إلى الفوضى، مع انتشار الفيروس جغرافياً وتنوّع ضحاياه. هذه كلها أشياء من الصعب ترجمتها في الفيلم. في هذه المرحلة، يشكل الفيروس تحدياً كبيراً بالنسبة إلى مؤشرات الإحصاء العشوائي الهادفة لتحديد نمط احتمالي معيّن يمكن تحليله إحصائياً والعمل وفقاً لتنبؤاته غير الدقيقة بالضرورة. أو يحدث شيء مختلف، كأن يصبح المؤشر إياه تحدياً للأشخاص الواجب توعيتهم بأنه حتى المخاطر الشخصية الصغيرة يمكن أن يكون لها نتائج قاتلة على المجتمع ككل. السيناريوهان اختبرناهما بالفعل في الأسابيع القليلة الماضية، ولم تثمر تلك الخبرة سوى في زيادة التشكك واتساع مساحة اللايقين.

بالنسبة إلى السينما، أنماط التفكير هذه تجريدية أكثر من اللازم، فتتجاوزها، ولا تظهر في شاشتها إلا - بعمومية وفي مرحلة لاحقة - عندما تُعلن حالة الطوارئ ويلزم اتخاذ إجراءات. "عدوى" (2011، ستيفن سودربيرغ) مثال على السينما التدخُّلية، بقصته الساعية لمتابعة جهود مكافحة انتشار فيروس قاتل. كذلك يذهب الفيلم الماليزي "المسرِّبون" (2018، هيرمان ياو) في اتجاه مماثل، وإن كان أكثر تخميناً. خطوة أخرى أبعد، وسنجد أنفسنا نعود مرة أخرى إلى مؤشرات الإحصاء العشوائي وزومبي فيلم "حرب الزومبي العالمية" (2013، مارك فورستر).

راديكالية أكثر
من ناحية سياسية، يمكن النظر إلى الفيروس كشيء راديكالي، بمساواته الناس جميعها في قدرته على الوصول إليهم والفتك بهم. "الفيروس لا يعرف الأخلاق" (1986، روزا فون براونهايم)، أحد الأفلام الرئيسية عن أزمة الإيدز، يفعِّل راديكاليته باعتماد الكوميديا السوداء إطاراً لحكايته في مهاجمته الشائعات المحيطة بالفيروس بطريقة ساخرة. في الواقع، وعلى ضوء انتشار فيروس نقص المناعة البشرية في جميع أنحاء العالم، يمكن للمرء فهم كيف أن محاولات المجتمع والسينما السائدين لإبقاء الخطر بعيداً، عن طريق ربطه وحصره بمجموعات هامشية مثل المثليين ومدمني المخدرات، لم تأت بشيء نافع. في مجال السينما الفيروسية، تحتل أفلام الإيدز مكانة خاصة. ربما بسبب العواقب الاجتماعية والثقافية الهائلة للكارثة، فإنها تميل إلى أخذ قالب السيرة الذاتية والميلودراما أكثر من تقديم نفسها كأفلام رعب أو كارثة. النموذج المضاد لهذا النهج يمكن العثور عليه في "رعشات" (1975، ديفيد كروننبرغ"، وهو فيلم وبائي يعاكس الفخّ الأخلاقي لسينما الإيدز بالغرق في خيالات وعربدة جنسية صريحة.


مع ذلك، فإن الفيروس يخدم السينما ليس فقط كمصدر خام لموضوعاتها، لكن أيضاً كأداة سردية، إن لم يكن كمبدأ سردي. أفلام الخيال العلمي - على وجه الخصوص - لم تتوان عن تكرار استغلال فكرة الكارثة الوبائية لبناء عوالمها. تستند سلاسل فيلمية كاملة، مثل أفلام "ذي تيرمناتور" و"ريزدنت إيفيل"، على هذه الفكرة: يعمل الفيروس كمحفِّز وأحياناً كخالق سردي، إذ يقوم، في نقطة معينة من الحكاية الخيالية، بمحو طبيعية الحياة والعالم، ويسمح بإنشاء عالم آخر جديد، يعمل وفقاً لقوانين عوالم تلك السلاسل الفيلمية. هنا، يتغير الفيروس من عامل مُدمِّر إلى عامل مُنتِج.

تحدّيات جديدة 
وأخيراً، نود الإشارة إلى تصاعد مفهوم الفيروس كمجاز، خاصة في السنوات العشر إلى الخمس عشرة الماضية. فقد أثبتت الرقمنة، تحديداً، كفاءتها كأرض خصبة لهذا الغرض. ومع ذلك، تواجه السينما تحدّياً مزدوجاً، خاصة في التعامل مع الفيروسات الإلكترونية على أجهزة الكومبيوتر والهواتف الذكية. فإذا كانت عملية التشغيل العادي لجهاز كومبيوتر حديث، من الصعب تمثيلها من خلال التصوّر السينمائي التقليدي، فكيف يمكن بيان اضطراب/خطر غير مرئي لهذه العملية و"اظهاره" سينمائياً؟ 


أيضاً، تهدّد مقاطع الفيديو المنتشرة على نطاق واسع في شبكة الإنترنت، بجعل السينما أداة زائدة أو غير ضرورية في أحسن الأحوال. فهي (الفيديوهات) أثبتت أنها أكثر رشاقة وقابلية للوصول من أسلافها الفيلمية المثقلة بقواعدها ورأس مالها التاريخي. ففي حين تقوم مقاطع الفيديو بـ"سمبلة" (أي أخذ عيّنات) تاريخ الفيلم، في أشكال مُخفَّفة ومرحة، ترسو، في المقابل، محاولات السينما للاستفادة من جماليات "يوتيوب" - مع بعض الاستثناءات (خاصة فيلم "أنفريندد" (2014، ليو غابريادزي)) - على نتائج مضجرة تعوزها البراعة.

من ناحية أخرى، هذه ليست سوى لمحة سريعة حول العلاقة بين الفيروس والسينما. من حيث المبدأ، يمكننا افتراض أن الصور السينمائية تصبح هي نفسها فيروسات، تفتح مساحة صغيرة للتفكير أو حتى التأمل الذاتي. الكارثة الفيروسية هي دائماً، كما تخبرنا الأفلام، بداية جديدة. في الوقت الحالي تغلق دور السينما أبوابها. ولكن ربما بعد كورونا، ستضرب ساعة السينما مرة أخرى في مرحلة ما. حتى تحين تلك الساعة، سنتتبع تاريخ الأفلام الوبائية في تسلسل فضفاض، لا يقتصر على أفلام الوباء وسيناريوهات الكارثة، بل أيضاً يلتقط صور وتجارب سينمائية عكست في اقتراحاتها الفنية وقصصها الروائية ملامح الأوقات غير الطبيعية التي نختبرها الآن.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها