آخر تحديث:14:42(بيروت)
الإثنين 09/03/2020
share

مبحث الأثداء لتحرير الأجساد

روجيه عوطة | الإثنين 09/03/2020
شارك المقال :
مبحث الأثداء لتحرير الأجساد الأثداء ممنوعة على النساء، وهذا المنع يستوي على شكل محدد، وهو التنميط
تستمر كاميه فروادفو-ميتوريه في تأسيس وجهتها، التي تحددها بكونها "نسوية فينومينولوجية"، بحيث تقوم بتناول أجساد النساء، منطلقةً منها بوصفها أرجاء انعتاقية. فها هي، وبعد كتابها الشهير "جسد النساء: معركة الحميمي"(2018)، نشرت، منذ أيام، كتابها الجديد "أثداء.. مبحث تحريري" (دار أناموزا)، والذي يدور حول الثدي. إذ ترمي الكاتبة إلى الوقوف على موقعه في هذه الأجساد، وعلى موقع هذه الأجساد، بالإستناد إليه، في الاجتماع الحديث، ولهذا، يرتكز هذا الوقوف على شهادات نساء، عن صلتهن بأثدائهن، بالإضافة إلى صور لهن. وبين الشهادة والصورة، وفيهما بالتحديد، تأتي تعليقات فروادفو-ميتوريه، وتصويباتها.

قد يصح تلخيص الطرح الأساس للمبحث، وبالإنطلاق من صوره قبل شهاداته، أن الأثداء ممنوعة على النساء، وهذا المنع يستوي على شكل محدد، وهو التنميط. إذ على الأثداء أن تكون، وباختصار، ناهدة، وإن لم تكن كذلك، تعرضت للرذل بالتوازي مع تعريض صاحباتها للأمر ذاته. فهناك ما يمكن تسميته "نمط إنهادي"، الأثداء فيه بارزة، مملوءة، مضغوطة إلخ. وفي حال لم تتلاءم معه، يصير حسبانها أثداء، بعيد المنال، فتبقى أثداء ناقصة، أو غير نامية كفاية، ولا بد من إصلاحها. هذا ما يترك -طبعاً- أثره في سير النساء، وفي علاقاتهن مع أجسادهن، بحيث أنهن، وفي حين مرورهن في مرحلة من المراحل الجسمانية المحورية، أي التثدي -كما تصفه فرواددفو-ميتورييه، وكما في كتابها "جسد النساء" أيضاً، بالـ"عقدة فينومينولوجية"- يرتطمن بالنمط الإنهادي، الذي لا يمكن تحقيقه، وبالتالي، فإن تكلمهن عن تلك العقدة، يسحقه إجبارهن بذلك النمط.


على هذا النحو، غالباً ما يصير عيش النساء للتثدي، وكما تؤكد الشهادة تلو الأخرى، عيشاً مقروناً بالكتمان. فرغم أنهن، وفي هذه المرحلة-العقدة، ينتقلن كبنات إلى طور جسماني مختلف، غير أنهن مكرهات على "انتظار" أن تكون أثداؤهن نهوداً. هذا الانتظار يختزل كل انتقالهن، وإن كانت له علامة، أو غرض، فهو حمالة الصدر، التي لا بد أن يرتدينها، وهذا، لرفع الأثداء، وفي الوقت نفسه، لقطع جزء منها، بمعنى كتمانه أيضاً. فمن الممكن القول، ومن دون أن يكون هذا استنتاج فروادفو-ميتورييه، أن هذا الغرض الأزيائي هو بمثابة توقيع على اختزال الانتقال بالانتظار، أو حلول الانتظار مكان التكلم عن الانتقال: يشير إلى أن النساء يلتزمن بالنمط الإنهادي، وبالتزامهن هذا، تُبتَر من أثدائهن نتوئاتها، أو أوجها، أي الحَلَمات. إذ تجد الكاتبة أن رؤوس الأثداء هذه، تتعرض للكتم، لأنها هي نفسها رؤوس اللذة، وروؤس الإدرار.

في هذا المطاف، تعاين فرواددفو-ميتورييه منعاً ثانياً بحق الأثداء، وهو لا يستقر على النمط الإنهادي، الذي يلزمها بأن تكون نهوداً، إنما على غيره، وهو الإرضاعي، الذي يلزمها بأن تكون أبزازاً، يعني أن تدر حليباً. فإن لم تمتلك النساء أثداء مدرارة، لا يمكن عدهن أمهات محتملات. أو بالأحرى يكن أمهات، لكن فاقدات لسمة رئيسية، وهي الإرضاع، يعني يكن أمهات غير مكتملات. بالطبع، هناك علاقة بين النمطين الإنهادي والإرضاعي، بحيث ثمة إعتقاد ينم عنهما، بكون الأول شرطاً للثاني، كما أن الثاني ينهي الأول. وهذا، ما له علاقة، من ناحية، بالحجم: الثدي الكبير قد يكون مدراراً أكثر من غيره. كما له علاقة بمعتقد راسخ عن النساء، وهو أن تحولن إلى أمهات يفقدهن أنوثتهن بما هي مجرد موضوع لجذب النظر الذكري: الثدي، وعندما يصير مدراراً، لا يعود ناهداً.

هكذا، تتمعير أثداء النساء على نمطين متداخلين، الإنهاد والإرضاع. لتكون، مرةً، نهوداً. ومرةً، أبزازاً. مرةً، تُرفع بحمالة الصدر. ومرةً، تُستر بها. وفي الحالتين، تقتطع من إظهارها الحلمات، مفاتيح اللذة والإدرار. لكن هذه المعيرة تتعدى النمطين، إلى ثالث، وهو يتعلق بهامشية الأثداء في ممارسة الجنس، بحيث أنها أقل قيمة "لذيّة"، اذا صح التعبير، مقارنة مع غيرها من الأعضاء. فمع أنه الغرة من الأجساد، لكنه، سرعان ما يصير لاحقاً، وفي المضاجعة، من مهملاتها.

على أن فروادفو-ميتوريه، وفي حين إبانتها معيرة الأثداء بالأنماط الثلاثة، تحاول تحريرها، أو تعمد إلى ذلك، وهذا، في سياق تحرير النساء لأجسادهن، استردادها، الاستحواذ عليها من الاجتماع وسلطاته المتنوعة.

أول هذا التحرير هو تقديم الأثداء بعيداً من نمطيها الانهادي والارضاعي، على مختلف أشكالها، وحكاياتها، كما تقديمها بعيداً من نمطها الجنسي، الذي يهمشها. فتشير فروادفو-ميتوريه إلى أن مثليات الجنس، وفي تجريبهن الجنسي، يضعن الأثداء من جديد على مساواة مع غيرها من الأعضاء في أثناء اكتشافهن لأجسادهن. فأجساد النساء لهن، وما لأي معيرة أن تفصلهن عن عضو من أعضائها، أو تفصلها بكاملها عنهن. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"

مقالات أخرى للكاتب