آخر تحديث:14:56(بيروت)
الإثنين 09/03/2020
share

جورج بتاي.. والفن الدنيوي إن هزم المقدّس

علاء رشيدي | الإثنين 09/03/2020
شارك المقال :
جورج بتاي.. والفن الدنيوي إن هزم المقدّس تأثر بنيتشه حين قال: "أنا لست مرتبطاً لا بالمكان، ولا بالساعات التي تمر"
لا يقدّم عنوان كتاب "الأدب والشيوعية"(*) لجورج بتاي، أياً من الموضوعات المهمة التي يعالجها الكتاب مثل: سيادة الإنسان والله، الأخلاق والدين، الفن المقدس، الفن المؤسساتي، والفن الدنيوي.  

إن الفكرة الأبرز التي يقدمها جورج بتاي في هذا الكتاب مستمدة من تأويلاته لكتابات وحياة نيتشه، وهي فكرة سيادة الإنسان، أو بالأدق استعادة سيادته من الله ومن المقدّس. يؤكد أندريه جيد، أن نيتشه كان يغار من المسيح، ويرى بتاي أن هذه الغيرة موضوعها هو الله. إن سعي نيتشه كان من أجل استعادة سيادة الإنسان من المقدس ومن الأنظمة، التي روضت الإنسان في نظام الخضوع العام، ومنها الشيوعية برأي بتاي، الشيوعية التي تتوقع من الفرد الرضوخ الأعمى للعقيدة، الإخلاص حتى الموت والتخلي عن الإرادة الفردية.
برأي بتاي عارض الشيوعيون ما بدا لهم سيادياً، لكن بالنسبة لنيشته، سيكون العالم المحروم مما أطلقت عليه اسم سيادة، عالماً لا يغتفر. لم يقبل نيتشه عالماً يكون فيه الإنسان وسيلة وليس غاية في كل مشروع عام. لذلك يعتقد بتاي أن هناك موقفين أساسيين يقابلهما الفكر، وهما: الشيوعية التي تحجم كل إنسان إلى مصاف الموضوع Objet، وموقف نيتشه الذي يحرر الذات من الحدود التي أقامها، في وجهها الماضي وموضوعية الحاضر.

عبودية اللغة
يكشف نيتشه العديد من المؤثرات التي ترسم عبودية الإنسان، وواحدة من أخطرها هي اللغة التي تمثل الفكر: "ليس هناك في هذا العالم أي نوع من التفكير يفلت من العبودية، من اللغة الجاهزة، اللغة التي تسند القيمة إلى ما هو مقدس فقط". بالنسبة لنيتشه الخير هو السيد، والله قد مات (قتلته عبودتيه)، الإنسان إذاً حر أخلاقياً. لكن الإنسان أيضاً هو فكر، أي لغة، ولا يمكنه أن يكون سيداً إلا بفكر سيادي. لكن، بما أن السيادة البدائية، أي سيادة الآلهة والملوك تراجيدية، لذا فإن الفكر السيادي هو في نهاية المطاف التراجيديا اللامحدودة.

يعتقد بتاي أن فلسفة نيتشه هي الوحيدة التي تنزعنا من العبودية الداخلية للغة الفلسفية، الوحيدة التي تعيد في النهاية سيادة العقل الحر: "كان نيتشه يبحث عن الفكر السيادي الذي عانى من حمله بشكل لا يوصف"، بالتالي كان نيتشه على وعي بأن النضال من أجل سيادة الإنسان يعني المصير المأسوي المستمر، فكتب نيتشه: "أنا لست إنساناً، وليس في ما يؤسس لدين، أنا لا أرغب أن يكون لي مريدون مخلصون، اعتقد بأني كافر لحد عدم الإيمان بنفسي، لا أريد أن أصبح قديساً، وأفضل التعامل معي بإعتباري كركوز".
وفي موضع آخر كتب نيشته في السياق ذاته:
"لا أحد له الحق بالتجرؤ
على مساءلتي
أين هو وطني.
انا لست مرتبطاً 
لا بالمكان، ولا بالساعات التي تمر".

أنطمة تمحو سيادية الإنسان
إذا كان بتاي يرى في الدِّين والأنظمة الحاكمة، تلك البُنى الفكرية التي تمحو سيادية الإنسان، فإنه يرى في الفن الحامل التاريخي للسيادية، وهي ليست سيادية الملوك أو سيادية الحكام، بل هي ما يطلق عليها بتاي اسم السيادية الذاتية. فالفن قادر على الدوام أن يحمل الفردية بمجملها، وهو قادر على إثبات وجودها والدفاع عنها من دون الوقوع في مطب التعميمات.

عند النظر إلى التاريخ، يميز لنا بتاي ثلاثة أنواع من الفن، أو ثلاثة أدوار للفن في مراحل حضارية مختلفة: الفن المقدس، الفن المؤسساتي، الفن الدنيوي.

يخدم الفن المقدس سلم القيم التي تُبقي المقدس في مركز الفكر والحضارة، وكذلك الفن الذي يخدم الأسياد الذين لم يكونوا بحاجة إلى العمل فراحوا عبر الفن يبحثون عن تجارب تلحقهم بشيء آخر غير أنفسهم. فالأسياد بلا تأثير الفن ما كان في مقدورهم إيصال فخامة ذواتهم. لأن أبهة الملك لا يصنعها سوى الظاهر، والظاهر هو ميدان المعماريين والرسامين، الموسيقيين، والكتاب الذين يحيطون به. وهنا يكون الفن بعيداً من التعبير عن ذاتية الفنان، ليكون في خدمة التعبير عن ذاتية الغير، وبالتحديد ذاتية الحكام.

كذلك الفن المؤسساتي، يوضح لنا بتاي أنه في المجتمع السوفياتي، يكون الكاتب والفنان في خدمة النظام، أي في خدمة القياديين الذين هم ليسوا بأسياد، إلا بتخليهم عن السيادة. والمجتمع السوفياتي لم يعترف إلا بفن وأدب الماضي، ومعروفة أحكام القيمة التي أصدرتها أنظمة مثل النظام السوفياتي والنظام النازي على ما لا يروق لها من القيم الفنية: الفن العدو الشعب، والفن المنحط،..

لكن، حتى في نظام المقدس أو نظام المؤسساتي، بقي ما ميز الفنان، برأي بتاي، وهو الإستقامة، التي هي التواضع برأيه، وهي التي ميزت الفنان عبر التاريخ، وسمحت بولادة فن يعارض المقدس والمؤسساتي، وهو ما يطلق عليه بتاي اسم الفن الدنيوي: "بالقدر الذي كان فيه العالم المقدس، يميل نحو الإنحطاط، ويحصل المجتمع الدنيوي على أهمية أكبر، بالقدر ذاته اكتسب الأدب والفن ظاهرياً أشكالاً دنيوية".

يتحدد المقدس والدنيوي عبر قطيعة حصرية، ناتجة عن التعارض الحاسم بينهما. فبينما يستقي الفن المقدس فضيلته، من التكرار، حيث الإنفعالات تتكرر من دون أي تنوعات، ولا يتحقق الإنهاك إلا بعد وقت طويل، يتمتع الفن الدنيوي بقوة تجدده، وبثراء تنوعه. وبالتالي يربط بتاي بين الفن والإستقامة، ويجعل من الفن الأصيل، الباحث للتعبير عن سيادة الإنسان، التي تتحقق عبر انتصار الأخلاق على الدين، بحسب ما استمده من كتابات نيتشه أيضاً.
 
(*) صدر عن دار سطور. ترجمة: حسين عجة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها