آخر تحديث:11:27(بيروت)
الأحد 08/03/2020
share

"نمط غير شائع" لتوم هانكس..هوس السينمائي بالآلة الكاتبة

أسامة فاروق | الأحد 08/03/2020
شارك المقال :
"نمط غير شائع" لتوم هانكس..هوس السينمائي بالآلة الكاتبة كتب هانكس 17 فيلماً أميركياً قصيراً في 400 صفحة
لنتجاوز الأسباب ونبحث في ما بين أيدينا فعلا. فقط لمن لا يعرف؛ أصدر توم هانكس مجموعة قصصية!  للأسف فشلتُ في التعامل مع الكتاب بعيداً عن شخصية كاتبه، بحثتُ عنه بين السطور كما بحث عنه كل من قرأه، ولم يكن العثور عليه صعباً على أي حال. فإذا لم تتخيله بطلاً لقصصه أو سارداً لها كما أراد، بالتأكيد ستجد ما يتقاطع مع مشاهد صورها فعلاً في أفلامه، أو حتى مع سيرته المعروفة لملايين المتابعين.


في "نمط غير شائع"*، كتب هانكس 17 فيلماً أميركياً قصيراً في 400 صفحة تقريباً من القطع المتوسط، مشاهد هوليوودية بنهاية سعيدة، نراه فيها مثلاً يمرر مع أصدقائه آنا ومداش وستيف وونغ، أياماً أميركية مرحة، احتفالا بحصول مداش القادم من الصحراء على الجنسية الأميركية، أو بتفوق وونغ القادم من فج عميق آخر في لعبة البولينغ، أو كيف يلهث خلف آنا الصديقة الحسناء في جولات لا تنتهى على المتاجر والصالات الرياضية، وسباقات الجري حول المنزل، أو نرى الأربعة في مهمة أخرى للطيران في الفضاء منطلقين من حديقة منزل أحدهم.


كل الثيمات الهوليوودية حاضرة؛ الحب، الحرب، الحرية، الخيانة، البطل الأميركي، الدراما والأكشن في أميركا بلد الفرص التي تفتح ذراعيها للجميع: فيرجيل المحارب القديم، الذي فقد قدمه في حرب أميركية ما، هانئاً الآن بين أسرته في عيد الميلاد منتظراً مكالمة رفيق السلاح القديم. روري ثوربي الممثل الذي يشمله الحظ بدور البطولة أمام النجمة الحسناء فيحظى بجولات مجانية حول العالم لإعادة الإجابة على الأسئلة المكررة التي تدور في الغالب حول الممثلة الحسناء نفسها. كان كيرك الذي حظي بهدية عيد ميلاد لا تنسى، شاهداً على الخيانة الزوجية التي تعرضت لها والدته من والده. شاري مونك المطلقة التي تبحث عن حياة جديدة في حي جديد، فتنتهي قصتها بالوقوع في غرام أول رجل كرهته في الحي. هناك أيضا الخيال العلمي والسفر عبر الزمن، تحديداً يوم 8 يونيو 1939 من خلال الكرونوميتريك أدفنشرز حيث يخوض بيرت رحلة عبر الزمن لمدة لا تزيد عن 22 ساعة، وعند الساعة السابعة مساء يوم الثامن من يونيو عام 1939 في الساعة المحددة لعودته لزمنه، يخاطر بحياته التي تحولت إلى شذرات من أجل ساعة إضافية مع فتاه خطفت قلبه. وحسن المهاجر من أوروبا الشرقية الذي مزقت الحرب بلاده ونفسيته يصل إلى نيويورك بعد رحلات عصيبة فتفسح له مكانا تحت الشمس، وكاتبا مملا في صحيفة محلية، ممثلا لعالم قديم يتداعى.


وبالطبع هناك الآلة الكاتبة التي بدأ من عندها كل شيء. حيث وقع توم هانكس في غرام تلك الآلات من الطفولة، وتحولت إلى هوس بمرور الوقت، إلى أن تمكن من اقتناء ما يقرب من 300 آلة كاتبة عتيقة الطراز، ظهر مع 50 منها في فيلم تسجيلي شهير، كما أصدر تطبيق باسم Hanks Writer لمحاكاة هذا النمط من الكتابة، ذلك النمط الذي "لم يعد شائعًا". في مجموعته يتكرر ظهورها –الآلة الكاتبة- في كل قصصه، تتمحور حولها الأحداث أحياناً وتظهر كضيف شرف في أحيان أخرى، يستعرض الكاتب خبرته الواسعة في هذا المجال، لكنه ربما لم ينجح تماماً في خلق علاقة أو رابطة قوية بينها وبين القارئ، حتى في قصة "تلك هي فكر قلبي" التي تدور حول الآلة وتقوم فيها بدور البطولة لا نخرج إلا بمشاهد مبتورة، وحوارات مكررة، ونصيحة مدرسية كـ"اكتب باستمرار". لم تنجح محاولته في إقناع النقاد أيضاً، حيث هاجمه أليكس بريستون، في "ذا أوبزيرفر"، قائلاً" عندما تكتب للجمهور عن آلة كاتبة محاولًا اجترار النوستالجيا ثم تنشر كتابك، لن يصل إليهم الحبر الأسود مكوما على الصفحة البيضاء كما كانت قديمًا. الآن دور النشر تطبع رقميًا في نسخ نظيفة لا يلتصق فيها الحبر بأنامل القارئ، لذا إذا أردت إدخال القارئ في نوستالجيا عليك التعبير عن ذلك في كتابتك، وليس في اختيار آداه الكتابة".
النجاح الأكبر ربما كان لتوم هانكس المخرج وكاتب السيناريو لأنه استطاع أحياناً رسم مشاهد حية، ومتنوعة، وخلق حوارا يناسب تلك المشاهد السريعة، في دائرة زمانية ومكانية ممتدة، وتمكن في كثير من الأحيان من الاستحواذ على القارئ وشد انتباهه حتى النهاية بحكي ممتع وجذاب، استطاع أيضاً انتزاع الضحكات وخلقَ حواراً كوميدياً بين الشخصيات، وهي منطقته التي يجيد فيها دائما، حتى وإن خلت الشخصيات من بعدها الإنساني، وأصبحت في معظمها مسطحة. كما أن تكرار الأبطال في أكثر من قصة على امتداد الكتاب حيلة موفقة لا يمكن اغفالها في الحقيقة. كما لا يمكن أيضاً اغفال بعض الأخطاء الكتابية والتي اتُهم فيها المترجم ظلماً رغم أن تقارير كثيرة أكدتْ أن هناك "سقطات تحريرية" عديدة، وقع فيها هانكس وكادتْ أن تفسد الكتاب بأكمله.

المترجم مجدي عبد المجيد خاطر، لم يتوقف كثيرا عند هذه النقطة، وإن قال إن بعض الأخطاء كانت مقصودة من المؤلف كما في كتابة الأطفال لأمانيهم لسانتا كلوز في قصة "عشية عيد الميلاد"، مؤكداً إنه وضع هوامش لتوضيح أخطاء النص الأصلي، لكنه تراجع في النهاية، لعله تعاطف مع الشخصية الساحرة للمؤلف.. النجومية تغفر الأخطاء أحياناً.

مجدى قال لـ"المدن" إن البداية كانت في معرض القاهرة للكتاب يناير (كانون الثاني)العام 2019. حينما عرضت عليه دار "روايات"، ترجمة الكتاب، الذي لم يكن تجربته الأولى معهم(**). "كان العرض مفاجئًا لي" يقول خاطر؛ فتوم هانكس إسم كبير في عالم السينما، لكن في الأدب؟ كان لدى شك في الأمر، لكن ما شجّعه على ترجمة الكتاب أمران: الدار التي رشّحته، والتي يثق في اختياراتها ونظرتها، وأنّ ترجمة نصوص لنجوم سينمائيين ليست بالأمر الغريب علينا في العالم العربي؛ إذْ سبقته مثلًا ترجمة مذكرات الممثلة النرويجيّة ليف أولمن "أتغيّر" التي أنجزها أسامة منزلجي، وسيرة وودي آلن التي صدرت بعنوان "وودي آلن عن وودي آلن" وبترجمة دلال نصر الله، والكتابان صدرا عن دار المدى. 
لكن الترجمة لم تكن عملية سهلة، يقول خاطر: "أحرص في العادة على قراءة المراجعات المنشورة عن الكتاب الّذي أفكِّر في ترجمته من أجل تكوين فكرة سريعة عنه، بعدها أتوجّه للكتاب نفسه من أجل استكمال الفكرة. وهذا ما حدث مع كتاب "نمط غير شائع". بعض المراجعات لم تكن متحمّسة للكتاب لأن كاتبه نجم سينمائي، والبعض الآخر علّق على حجم الكتاب الكبير- 17 قصة تقع في ما يزيد على الأربعمائة صفحة، هي الكتاب "الأول" لنجم سينمائي! لكن مراجعات أخرى رأت في التجربة ما يستحق القراءة، ونوهت إلى وجود بعض النصوص الجميلة.

لكن ما حسم الأمر كان القراءة الشخصية، وكانت في صالح الكتاب الّذي أحبه مجدي في النهاية، خصوصا القصّة الأولى منه "ثلاثة أسابيع مضنية" وسلسلة قصص "بلدتنا اليوم مع هانك فيست" و"جولة مجّانية في مدينة النور"، يعلق: وكان هذا يكفيني للبدء في الترجمة.

تشابهت انطباعات المترجم مع انطباعات كثيرين ممكن قرأوا الكتاب وقيموه على غود ريدز مثلا، حيث سيرى القارئ ويسمع بعض أفلام توم هانكس في خلفية قصص الكتاب: "أبولو 13" و"سيفنج برايفت رايان" و"ذا تيرمنال" وغيرها من الأفلام التي أحبّها جمهوره. يعلق المترجم: ولا أذيع سرًّا إذا قلت أنّي أحرص أثناء ترجمة النصوص الأدبية على محاولة التماهي مع روح الكاتب وصوته، وفي هذا الكتاب كانت المهمّة بالطبع سهلة لحدّ كبير، فتوم هانكس يكتب بنفس الطريقة التي يروي بها أفلامه تقريبًا، وصوته السينمائي حاضر بقوّة في "نمط غير شائع".

في المجمل، المجموعة ليست أفضل أدوار توم هانكس، فلم يستطع منذ إصدارها في 2017 أن يحوز رضا النقاد ولا حتى ما يسمى بالقراء المحترفين فلم تتجاوز المجموعة النجمات الثلاث على مواقع التقييم، أما الصحافة الأميركية والبريطانية فاستقبلته بدهشة وحذر وبحدة أحياناً، حيث قالت الغارديان مثلا إن "رؤية نجم سينمائي يكتب قصصًا خيالية تشبه سماع كلب يلقي خطابًا"، فلم تفكر الجريدة في مدى حُسن أو سوء ما يقدمه، ولكن تعجبت من أنه قام بذلك من الأساس. قالت إن "هانكس يكتب وكأنه لم يقابل أناساً في الواقع، وللدقة، لم يقابل امرأة حقيقية، حيث نشرت المجموعة في ظل حملة شرسة ضد التحرش والعنصرية على أساس الجنس في هوليوود، وكيف تبدو بعض الشخصيات النسائية ضعيفة وتافهة وسبيلاً للمتعة الجنسية"، وهي أوصاف لم ينجح هانكس كثيرا في تجنبها خلال العمل. 
(*) صدرت طبعتها المصرية مؤخرا بالتعاون بين داريّ "روايات" و"الكرمة"
(**) سبق هذا التعاون نشر ترجمتين. الأولى إعادة نشر لرواية "إفطار عند تيفاني" للكاتب الأميركي ترومان كابوتي في العام 2018؛ حيثُ صدرت طبعتها الأولى عن دار أزمنة للنشر والتوزيع في الأردن العام 2011. والثانية ترجمة لرواية الكاتب المصري المقيم في الولايات المتحدة؛ عمر العقّاد، "حرب أميركيّة" في العام 2018

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها