آخر تحديث:14:47(بيروت)
الجمعة 06/03/2020
share

محمد عمر خليل.. الفنان السوداني الهارب مع بوب ديلان

شادي لويس | الجمعة 06/03/2020
شارك المقال :
  • محمد عمر خليل.. الفنان السوداني الهارب مع بوب ديلان
    أم كلثوم والجاز.. جنباً إلى جنب
  • محمد عمر خليل
    محمد عمر خليل
  • محمد عمر خليل
    محمد عمر خليل
  • محمد عمر خليل
    محمد عمر خليل
  • محمد عمر خليل
    محمد عمر خليل
  • محمد عمر خليل
    محمد عمر خليل
السودان، الذي ظلت صورته الممزقة، مرتبطة، لعقود، بالحرب الأهلية، بالإبادة العرقية والحكم القمعي واللجوء.. يتبدل، وتتبدل صورته بالسرعة نفسه والعمق ذاته. في المتروبول القديم، لندن، تتحول المؤسسة الثقافية لإعادة اكتشافه، بمنظار مغاير، أكثر صفاء. البرامج الفنية والمهرجانات التي تشبعت بتيمات المأساة العربية، إلى حدّ التخمة، من صور قوارب اللاجئين المطاطية وسينما وآداب الحرب، تجد في سودان ما بعد الثورة ضالتها. فمع انطلاق الاحتجاجات السودانية، لم يكن الغناء في الميادين والغرافيتي الثوري وأيقونات الكنداكات هو ما جذب الانتباه فقط. بل كان دافعاً لإعادة النظر في التاريخ الجمالي الغني للبلد مترامي الأطراف والمتنوع. الجسر الثقافي بين العالم العربي وأفريقيا السوداء، المعمل الخصب للآداب والفنون ما بعد الكولونيالية، يعود ليحتل مكانته الفريدة والمستحقة.  


في العام الماضي، كان الاحتفاء بالسينما السودانية، "ستموت في العشرين"، و"الحديث عن الأشجار"، والمعرض الاستعادي للفنان التشكيلي، إبراهيم الصلحي في "غاليري ساتشي" وغيرها من النشاطات التي ركزت على تيارات جديدة في الرواية السودانية، ولم تكن كلها من باب الصدفة. فالأجندة الثقافية للعاصمة البريطانية، هذا العام، تبدو متخمة بنشاطات ثقافية من السودان وعنه. ففي الأسابيع القليلة المقبلة، تستضيف لندن برنامجاً سودانياً متنوعاً ومزدحماً يتراوح بين العروض الموسيقية، فرقة "ذا سكوربيس" السودانية، إطلاق كتاب "السودان المعاد روايته" لخالد ولد البيه ولاريسا ديانا-فورمان، عروض لفيلم "الحديث عن الأشجار"، وأمسية للمطبخ السوداني وغيرها. 

يأتي المعرض الإستعادي للفنان السوداني، محمد عمر خليل، "الوطن تحت أظافري"، في غاليري "موزاييك روومز" في لندن، والمستمر حتى نهاية الشهر المقبل، ليعيد تقديم أحد أهم رواد "الطباعة بالحفر" السودانيين، ومعه استعادة لميراث حركة "الحداثة الفنية" العربية بشكل أوسع. يتتبع "الوطن تحت أظافري" مسيرة خليل الطويلة، بدءاً من محاولات التجريب الأولى بالألوان الزيتية والطباعة في السودان مطلع الستينات، مروراً بفترة دراسته في فلورنسا، وصولاً إلى انخراطه في الحركة الفنية في الولايات المتحدة منذ انتقاله للعيش بين نيويورك وأصيلة المغربية في السبعينات وما بعدها.
 

ورغم ما يوحي به عنوان المعرض للوهلة الأولى، ونَصّه التعريفي الذي يركز على "التيمات المعاصرة للهوية والهجرة والانتماء"، فإن "الوطن تحت أظافري" يتجاوز تلك التنميطات اللصيقة بفنون الجنوب، وبالأخص العربي منها، إلى ما هو أبعد وأرحب. تكشف الأعمال الأولى لخليل، خصوصاً تجاربه المتكررة في البورتريه الذاتي، رغبة متجددة لإعادة خلق الهوية واستكشافها، مرة بعد أخرى، عبر وسائط وجماليات متنوعة. لكن أعماله اللاحقة والأكثر نضجاً، يحل فيها، بدلاً من البُعد الهوياتي والتصوير المباشر للبيئة السودانية، بحثٌ دؤوب عن لغة جمالية شديدة الخصوصية، بعناصر كوزموبوليتانية. فبين أعماله حول آثار بترا "التي كانت نقطة التحول البصري" بالنسبة إلى فنه، وفلورنسا "التي غيرت كل شيء بالنسبة إلى فني وكذلك بالنسبة إليّ شخصياً"، وإنتاجه اللاحق المتأثر بجماليات مدينة أصيلة ومعمارها، ممتزجاً بأعماله عن نيويورك "المكان المناسب" لممارسة الفن، بسرعة، وبجرأة، يصل خليل شبكة خطوط ممتدة ومتقاطعة بين الأطراف والمركز، بين المحلي السوداني والعربي الأوسع مع الغربي. 


لا تبدو أعمال خليل المعروضة، استثناء، في سياق حركة "الحداثة العربية" التي سعت نحو لغة وجماليات مرتبطة بالمحلي، ولم تتهيب في الوقت ذاته الانخراط في الحراك الفني العالمي، بالاقتراض من تياراته والمساهمة في تشكيلها أيضاً. لكن فرادة خليل، تظهر في إخلاصه شبه الحصري، لتقنيه "الطباعة بالحفر"، التركيز الذي يصعب العثور على مقابل له بين الفنانين العرب. في الأسود، يجد خليل "درجات وظلال للَونٍ غني ومعقد، أكثر حدة من أي لون آخر، بصوت هادر ومرتفع"، ويظهر اختياره لذلك اللون، كمادة خام لمعظم أعماله، قراراً بدوافع جمالية وسياسية بالقدر نفسه.   

يخصص الطابق السفلي من المعرض لأعمال خليل المتأثرة بالموسيقى، أم كلثوم والجاز الأميركي، جنباً إلى جنب. "في صوت بوب ديلان الكثير من الحزن...صوته كان من الأشياء القليلة التي سافرت معي من السودان". يزعزع خليل، بتلك المقولة، كما بفنه، الثنائيات والحدود الراسخة للأنا والآخر، العربي والغربي، المحلي والعالمي. فصوت ديلان لا يصبح سودانياً فحسب، بل الشيء الأكثر سودانية من بين ما يحمله معه إلى كل وجهة أخرى. فتلك السيولة التي تنساب به أحباره، هي ذاتها التي تمتزج بها كل عناصر إلهامه ومرجعياتها، لا كمجرد كولاج، بل مثل سائل كثيف وثقيل، بلون واحد، كما لخليط من كل الألوان ينتج تماهيها معاً، الأسود فقط، وفي كل مرة، مهما تغيرت نسب مزجها.  

ينفي معرض "الوطن تحت أظافري"، سؤال الوطن والهوية المكرر، بإعادة تأطيره جمالياً. فالوطن، لدى خليل، هو آثار الحبر الأسود الذي يتسرب وتبقى آثار صبغته، بين أظافره، وبين جلده المحمي تحتها، فهو "يتكشف في كل مرة صنعت فيها عملاً فنياً".    

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري