آخر تحديث:14:26(بيروت)
الجمعة 06/03/2020
share

قديس العبور السوري.. أحمد أبو عماد

روجيه عوطة | الجمعة 06/03/2020
شارك المقال :
قديس العبور السوري.. أحمد أبو عماد الرصاصة اليونانية التي قتلته تنوب عن برميل النظام السوري
الحدود مصنوعة لعبورها، لا لشيء آخر. أحمد أبو عماد كان على الأرجح يدرك ذلك جيداً، لا سيما أنه فوتوغراف، بحيث أن عدسته، وقبلها نظره، لا يعيقهما حاجز، فلهما المدى، أو هكذا يجب أن يكون. لذا، وبعدما فرّ من سوريا، انتقل إلى تركيا، ومن بعدها، قرر اجتيازها إلى اليونان. لكن هذا لم يحصل: البوليس أطلق عليه النار، أصابه في عنقه، وقتله.

ما لم يتمكن منه نظام بشار الأسد، حيال أحمد، في حربه على السوريين، أي اغتياله بالتوازي مع تدمير بلده، أقدم عليه النظام في اليونان. فمن الممكن للأبد أن يحضر أينما كان، وإن لم يُردِه جثةً في حلب، حقق ذلك في مطرح آخر لاحقاً.

الرصاصة التي استقرت في جسد أحمد، سجلت أموراً عديدة.
بدايةً، أن العالم، بما هو نظامه على وجه الدقة، لا يريد للسوريين ان يعبروا سوى حين يشاء، وعلى النحو الذي يريده هو. وبضبطه لحركتهم بهذه الطريقة، ينفي ضرورتها، بحيث يصورهم بأنهم لا يحاولون الانتقال اليه بسبب هربهم من المجزرة المرتكبة بحقهم، اي على سبيل النجاة منها، بل على سبيل الانقضاض عليه. كما لو أن السوريين يريدون بلوغ أراضيه من باب غزوه، وليس من باب إنقاذ نفوسهم. وبالتالي، يحاول هذا العالم، وبتصويرهم هكذا، أن يبرر تصديه لهم بالعزل، والطرد، والقتل. إنه، فعلياً، يخاف السوريين، ولهذا بالتحديد، نظام الأسد، وحين يقدم على إعدامهم، يحقق بغيته.

في الواقع، الرصاصة في جسد احمد، ولكي تفجره، كانت قد فجرت كل حكايته، بمعنى انها أُطلقت على كل ثورته بما هي ثورة السوريين. فبما أن، وبحسب مطلقها، أي العالم، ما كان يريده أحمد هو غزوه، فهذا يعني أنه لم يكن يهرب من المجزرة المرتكبة بحقه، بحق السوريين، بهدف القضاء عليهم في إثر ثورتهم. بالتالي، كل الحكاية، التي كانت خلف أحمد، والتي حملته إلى العبور، اخترقتها الرصاصة، ورمت إلى إلغائها من الوجود، قبل أن تعود وتستقر في رقبته. ولهذا، العالم لم يطلق رصاصته هذه على أحمد من أمامه فحسب، إنما من ورائه ايضاً: رصاصته هي رصاصة نظام الأبد، وهي رصاصة تنوب عن برميل هذا النظام.

لقد أعلن أحمد، وفي مسعى اجتيازه الحدود التركية-اليونانية، إيمانه بالعالم، بكون هذا العالم مستعداً، وعلى الاقل، أن يستقبله. لكنه، على العكس، لم يرحب به، لا بل، وما ان تقدم منه، حتى أزهقه. في النتيجة، وباغتياله أحد المؤمنين به، يؤكد العالم أنه غير مؤمن بحاله، غير مؤمن بكونه قادراً، والسبب، ببساطة، أنه عدمي بإمتياز، فهو نظام "الأبد الديموقراطي". ما يفاقم من تعاسة حالته هذه أنه لا يتوقف عن التبشير بذاته على أساس أنه عالم العوالم، ومن بعده لا عوالم ممكنة البتة. هذا، في حين أن دعايته، وباستمرار، تثبت أنه يريد أن يكون الأفضل والأوحد من دون أن يكون عالماً حتى. فالعالم، في الأساس، لا يقفل، ولا يقصي. أما هو، وفي إثر عدميته، لا يستطيع أن يلاقي أحمد، بل أن يتأرجح بين ضبطه وقتله. العالم العدمي ليس بعالم، ولا يستحق أن يكون كذلك.

على أن أحمد، وحين كان يريد أن يعبر الحدود، ولأنه كان يؤمن بالعالم، الذي لا يؤمن بحاله، كان يواجهه، كان يبرز عصيانه له. وبهذا، لم يكن يجتاز الحدود التركية-اليونانية فقط، إنما، كان يجتازه أيضاً. وهذا هو معنى العبور: أن يجتاز مجزرة الأبد، وعالمه معاً، أن يجتاز الأولى، وبالفعل نفسه، يجتاز الثاني، أن يصير بعدهما، حيث يمضي إلى بناء عالمه المجهول، غير المحدد. فالعالم بقتل أحمد، بقتل قديس العبور، أراد أن يقتل أي عالم مقبل، أي عالم مختلف عنه. لذلك، "فليذهب [هذا] العالم إلى فقدانه، هذه هي السياسة الوحيدة"، قالت مارغريت دوراس. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"

مقالات أخرى للكاتب