آخر تحديث:13:39(بيروت)
الثلاثاء 17/03/2020
share

أدب السخرية من عبدالناصر.. تحدي الآلهة الميتة

أحمد ناجي | الثلاثاء 17/03/2020
شارك المقال :
أدب السخرية من عبدالناصر.. تحدي الآلهة الميتة بهجت النادي وعادل رأفت اللذان يكتبان باسم "محمود حسين"
في الصفحة الثانية من هذا الكتاب، والتي تضم فهرسته، نجد إشارة إلى أن الطبعة الفرنسية الأولى لرواية "تحدي الآلهة" صدرت العام 2016، ثم صدرت الترجمة العربية عن "دار الجديد"…

هذه معلومة مهمة جداً، وربما أهم ما في الكتاب. لأنني أثناء القراءة، ظللتُ أعود إلى تلك الصفحة وهذه المعلومة، لأتاكد من أن الرواية لم تُكتب في الستينات. كل شيء في هذه الرواية قديم، ينتمي لعالم قديم، وربما ميت. وهنا لا أقصد موضوع الرواية التي تدور في سجون عبد الناصر ومعتقلاته، بل كل التفاصيل الفنية الأخرى، بداية من الوعى المكتوب به الرواية، والبناء الفني، وأخيراً العناصر الدرامية التي تشبه عشرات الروايات والقصص القصيرة من زمن الستينات.

تنتمي الرواية المكتوبة بالفرنسية إلى أدب السجون، قصة تقليدية إلى حد الملل، شاب من أصول فقيرة أو متوسطة، يدخل الجامعة، فيتم تجنيده ليصبح شيوعياً، يُلقى القبض عليه فيُرمى في معتقلات ناصر. وفي جحيم المعتقلات لا يبعث في داخله الأمل، إلا، طبعاً، حبيبته الجميلة المثقفة العذراء، والتى تواظب على كتابة الخطابات له في إخلاص ووفاء يجسد أسمى معاني الحب العذري الرومانتيكي الشريف. أما نهاية الرواية، فكما يمكن أن نتوقع منذ الصفحات الأولى، هي موت البطل تحت التعذيب في معتقل ليمان أبي زعبل.

تحملتُ هذا الملل كله، لأسباب عديدة، منها أن الرواية قصيرة جداً، أي حوالى 160 صفحة. ثانياً، لأنها على خلاف روايات أدب الستينات المعتادة، حفلت بنقد وسخرية من جمال عبد الناصر، وهو أحد التابوهات المقدسة في الأدب المصري والعربي.

أقدس تابو في الأدب العربي، هو جمال عبد الناصر. ظِلّه مهمين كأب، ورمز، وشموخ، وزعامة... والحمد لله على زمن "فايسبوك" و"التريند" و"المميز"، حيث هزلت أسطورة الرجل وتحول إلى مسخرة لدى الأجيال الجديدة، وهو الأثر الحميد الذي نتمنى أن يتمدد إلى ساحة الأدب يوماً ما.

لا أذكر شخصياً أني وجدت سخرية أو تهزيقاً لعبد الناصر في رواية مصرية. ربما يكون هناك نقد، على طريقة نجيب محفوظ في "الكرنك". لكن، حتى في هذه الأعمال الناقدة لسياسات أو ممارسات اقتصادية واجتماعية، من تلك الفترة، تظل هيمنة الرمز حاضرة، باستثناء رواية "بيت العائلة" لسامية سراج الدين، و"بيرة في نادي البلياردو" لوجيه غالي، حيث يظهر عبد الناصر كشيطان ومدمر حقيقي. والملفت أن العمَلين كُتبا بالانكليزية ولم يترجما للعربية إلا مؤخراً. كذلك رواية "تحدي الآلهة" كُتبت بالفرنسية. كأن الاغتراب عن العربية، شرط للتحرر من رمز العروبة.

داخل المعتقل يتعرض بطل الرواية للنبذ من زملائه اليساريين، لأنه ينتمي إلى تيار إيديولوجي مختلف عنهم. تيار يرى في عبد الناصر ديكتاتوراً وعدواً للطبقة العاملة. بينما موقف غالبية اليسار المصري وقتها، كان الإيمان بناصر وتجربته الثورية، وبأن القوى الرجعية في "الداخلية" تؤثر في قراراته.

يتماهى بطل الرواية مع ملحمة "عوليس". فتبدو رحلته في السجن لا يؤنسها إلا طيف حبيبته، في محاكاة للأوديسه. تحدى عوليس الآلهة، فحقت عليه لعنتها، أما بطل الرواية فتحدى ناصر، إله مصر. وسبب تحديه، كما يكرره طوال الرواية: "لا ذنب لنا إلا أننا أردنا حياة كريمة لكل المصريين".

لكن، أي مصريين؟.. يعترف بطل الرواية بانفصاله عن المصريين الذين يحاول النضال من أجلهم. يتحدث في مقطع من الرواية عن محاولته الالتحام بالفلاحين والفقراء في قريته، وكيف كان يجلس معهم ويحدثهم عن تحرير الوطن والثورة المقبلة، فكانوا يلتزمون الصمت، وحين ينصرف يضحكون ويسخرون منه ومن حديثه. ومع ذلك لم ييأس. حاول أن يتعرض لمشاكلهم: "جهدت لكي أتعرض لمشاكل تشغلهم: الجفاف، وتوزيع مياه الري، وسعر القطن، لكن ليس من أعماق قلبي. بقدر ما تحدثت، شعرت أنني أتباعد عنهم. ما أمكن لنا أن نلتحم. وفي النهاية كففت عن الذهاب إليهم". لذا، فبطل الرواية لا يتحدى ناصر الإله فحسب، بل التحدي هو ذلك الاغتراب عن نظام ناصر وعن الشعب الذي يريد تثويره وهدايته.

بطل الرواية بلا اسم، لأن شخصيتة محاكاة لسيرة عدد من الرموز اليسارية الستينية. كذلك مؤلف الرواية "محمود حسين"، فهو شخصية وهمية. في الغلاف الأمامي للرواية، كُتب الاسم "محمود حسين"، لكن في الغلاف الخلفي كتب تحت خانة التعريف بالكاتب، اسمان آخران "بهجت النادي وعادل رفعت".

فمحمود حسين هو الاسم الأدبي لبهجت النادي وعادل رأفت، وسيرتهما الذاتية تتماهى مع الرواية. فقد التقى الاثنان في سجون عبد الناصر، ومنذ ذلك الحين لم يفترقا. فما إن خرجا من السجن حتى سافرا إلى بكين، ومن بكين إلى فرنسا حيث يعيشان هناك في المنفى منذ ذلك الوقت. ورغم حياتهما في فرنسا، وكتابتهما باللغة الفرنسية واندماجهما في الوسط السياسي والثقافي الفرنسي، إلا أن مسيرة الاثنين اتخذت المسار المعتاد لكتّاب الستينات المصريين. فأول كتاب لهما، كان عن الصراع الطبقي في مصر، ومع تقدم العمر تحولا من الكتابة عن الصراع الطبقي، إلى الإسلام والسيرة النبوية، ثم أخيراً أصدرا رواية "تحدى الآلهة".

في الرواية طموح لنقد تجربة جيل، لكن هذا الطموح لا يكتمل أبداً. تشعر بوضوح أن لدى الكاتبين رغبة في إخفاء الكثير. علاقة الراوي بمنير مثلاً، رفيقه وزميله في السجن، وأخيراً النهاية التى جعلها تماهياً مع استشهاد المناضل اليساري شهدي عطية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب