آخر تحديث:18:23(بيروت)
الجمعة 13/03/2020
share

لا أحد مُحصَّناً ضد الصور.. ممّ نخاف؟ وكيف نخاف؟

محمد صبحي | الجمعة 13/03/2020
شارك المقال :
لا أحد مُحصَّناً ضد الصور.. ممّ نخاف؟ وكيف نخاف؟ فيلم "كونتاجيون"
الخوف واحد من أكثر المشاعر الجمالية في التاريخ الثقافي. أنواع فنية بأكملها، كأفلام الرعب وأدبه، تعتمد على تمثّله وتجسيده. في التخييل السينمائي للأوبئة، كما هو الحال في أفلام "تفشّي" (1995، فولفغانغ بترسون) أو "عدوى" (2011، ستيفن سودربيرغ)، ترتهن فاعلية الأفلام باللعب بنجاح مع رغبة المشاهدين في الخوف. لكن ماذا إذا، كما حالنا الآن مع فيروس كورونا المستجد، جدّت جائحة وبائية استلزمت اختبارنا العيش في حالة طوارئ فعلية: هل من المحتمل أن تتأثر رؤيتنا للأحداث الحقيقية/المُعاشة فعلياً بصور وأمزجة تلك القصص المتخيَّلة؟


في الأسابيع الأخيرة، مع متابعة وتيرة انتشار فيروس كورونا، ثم وصوله إلى منطقتنا العربية؛ من السهل ملاحظة وتوقُّع حالات ومواقف استثنائية: كمامات فوق الوجوه، شوارع وطرقات شبه خالية، مبالغة في إجراءات الوقاية، حركة غير طبيعية في شراء بضائع محددة، سياسيون يحدّقون في شاشات تملؤها خرائط، بعض بقعها تلوّنت بالأحمر. هذه هي الصور التي نعرفها من الأفلام، وقد صارت ذاكرة داخلية مرئية، تبتعث بدورها مزيداً من الصور السينمائية، تختلط فيها الهواجس والمشاعر بخيالات الأزمات وسيناريوهات نهاية العالم.

لجعل المجهري مُكبَّراً، لجعل الفيروس غير المرئي مرئياً، وربما مفهوماً، يترجم الإنسان مخاوفه عبر مجموعة مختبرة سلفاً من تفاصيل قصص مخترعة، تساعده، كل حسب خبراته وطبائعه، في تكوين تصوّر ذاتي للكارثة الطارئة. لكن تلاشي ما يفصل بين الخيال والواقع، مشكلة أخرى. لأن هذه القصص المستدعاة مصممة، في أساسها، لتزويدنا بقدر من المتعة أو التسلية، بطريقة مشوِّقة، وليس لإعدادنا لمواجهة حالة وباء حقيقية، الأمر الذي يتطلب في المقام الأول رؤية واضحة واتخاذ قرارات مسؤولة ورزينة.

لعب الخوف.. لعب الثقافة
إنها ملاحظة غريبة ومخيفة، تلك الكامنة وراء أن كل خوف بشري، تقريباً، يصبح، في النهاية، مادة للألعاب الثقافية. في الصين، على سبيل المثال، عقب تفشّي فيروس كورونا في مقاطعة ووهان أواخر الشهر الماضي، حظرت السلطات الرسمية لعبة الفيديو "بلاج إنك". (Plague Inc.)، والتي تسمح للاعبين بتجسُّد العوامل الممرضة، عبر شروط عالمها ومنطق تطوّرها الداخلي. الهدف من اللعبة هو إبادة سكان العالم. تعمل "بلاج إنك." مثل أي لعبة استراتيجية كلاسيكية، لكنك لا تحرَّك الجيوش على خريطة عالم اللعبة، بل تنشر فيروساً مميتاً. سيكون عليك تخليق فيروس، والتأكد من انتشاره في كافة أنحاء العالم، قبل أن يتم رصده وتدميره.


لعب ملايين الأشخاص هذه اللعبة منذ العام 2012، وقد يفترض المرء أولاً أنه، على الأقل الآن، عندما يتهدّد البشرية وباء حقيقي، يكون لدى الناس أشياء أخرى في أذهانهم غير تضييع الوقت في لعبة أوبئة (رغم ما تقوله الشركة المصممة للعبة عن دورها في تزويد مستخدميها بمعلومات مفيدة عن الأوبئة وطرق التعامل معها). لكن المدهش حتى الآن: العكس هو الصحيح. فمنذ ظهور الفيروس لأول مرة في الصين، في ديسمبر 2019، زادت أرقام مبيعات اللعبة بشكل كبير. في متاجر التطبيقات الإلكترونية، صعدت إلى المرتبة الأولى، في تكرار لما حدث أثناء تفشّي وباء إيبولا في غرب إفريقيا قبل بضع سنوات.

عقب الحظر الصيني للعبة الفيديو، خرج مطوّرو اللعبة ببيان جاء فيه إن "بلاج إنك". "واقعية" و"غنية بالمعلومات المفيدة" وليس الغرض منها تهويل الأحداث الخطيرة. لكنها تظلّ مجرد لعبة؛ بينما للحصول على معلومات موثوقة حول فيروس كورونا يجب التوجّه إلى منظمة الصحة العالمية. بالطبع، من الضروري، وحتى الصحّي، التشكك دوماً في قرارات ومواقف دولة شمولية مثل الصين (ينطبق الأمر أيضاً على حال أغلب االدول العربية). لكن، في الوقت ذاته، يمثّل الاتكال الكامل وغير المسؤوول على الصور النمطية، في عملية وزن ردود الأفعال، خطيئة تهمل مغالطات منطقية بديهية.


(إختر وباءك)

أنت لا تشتري لعبة، في المقام الأول، للحصول على المعلومات (فهذا ما وجدت من أجله الكتب والصحف وويكيبيديا)، ولكن للترفيه. "بلاج إنك"، مثلها مثل الألعاب الأخرى من هذا النوع، تستثمر في سيكولوجيا القلق والجزع الإنسانيين، لخلق أشكال جمعية قابلة للاستهلاك من البارانويا والذعر. هذه عملية طبيعية وتقليدية، إذا نظرت إليها بعين إقتصادية وتسويقية. نجاح "بلاج إنك". مجرد مثال صغير على التحولات والمنعطفات الغريبة في "شهيتنا" الثقافية، التي تدعونا للاقتراب من أكثر الأشياء التي نخافها، للعب معها، والاستمتاع بها.

رغبة نبيلة في التنفيس؟
ذلك النهج الإنساني المحيّر شغل النظرية الأدبية منذ نشأتها. في محاولة مبكرة لتفسير السلوك الإنساني الملغز، الذي يدفع بالناس لتمضية بعض أوقات فراغهم في الاستمتاع بقصص عن أشياء فظيعة؛ ذهب أرسطو إلى أن رغبة الناس في مشاهدة المآسي والتراجيديات الفنية، يقف خلفها بحث عن تأثير شافٍ للرحمة (eleos) والخوف (phobos)، من المفترض أن يُطهِّر المتفرجين من المشاعر غير السارة. لكن هل الرغبة النبيلة في التنفيس أثناء الأزمات القاتلة الطارئة هي ما تدفع الناس لمعاودة الفرجة على أفلام الأوبئة والبحث عنها؟ وهل البحث عن تطهير من الأفكار السلبية هو السبب الحقيقي وراء حمّى شراء ولعب لعبة مثل "بلاج إنك." حالياً؟


يبدو الأمر أخفّ وطأة في منتجات إبداعية، مثل الأفلام والروايات والمسرحيات، بالمقارنة بما يمكن قوله عن منتجات إبداعية ترفيهية كألعاب الفيديو. بعبارة أخرى أكثر وضوحاً، ثمة إحساس، تدعمه إشارات ودلائل، أن مطوّري اللعبة واعين بكونهم جزءا من ثقافة طائشة، تجد متعتها غير الواعية في التسلّي بمعاناة الآخرين والاستثمار فيها. مثلاً، بالنسبة لضحايا فيروس إيبولا، دعوا لجمع التبرعات.

حقيقة أن الخيال الإبداعي يجعل الرعب ممتعاً، مصدر دائم للقلق الثقافي، كما تبيّنها الجدالات العديدة حول العنف في الكتب أو الأفلام أو المسلسلات أو الأغاني أو ألعاب الفيديو. ويشمل ذلك الخوف اندفاع الشباب لارتكاب جرائم حقيقية بتأثير من ثقافة المشاهدة للأعمال الفنية العنيفة (كما هو الحال في النقاشات الأخيرة حول أفلام مثل "جوكر"، أو أغاني المهرجانات في مصر). أو الخوف من تبلُّد مشاعر الناس نحو المعاناة الإنسانية الحقيقية (هل نحتاج إلى التذكير بما لا يزال يحدث في سوريا أمام عيوننا الكسولة؟). مثلما تزيد خطورة الرعب، على ما يبدو، من متعة لعبة الرعب، فإن الغضب من متعة اللعب تلك يزداد أيضاً.

حظر "بلاج إنك." في الصين هو تعبير عن ذلك الغضب. قد يكون هذا بسبب رغبة السلطات الصينية في التحكم في السرديات المؤثرة في سلوك الخوف لدى الناس. لكنه لا ينفي حقيقة أن كيف نخاف، مسألة مهمة يجدر التفكير فيها. على سبيل المثال، الكتب والأفلام والمسلسلات وألعاب الفيديو العديدة التي تتناول قضايا الأوبئة والتلوث لها تأثير كبير على تصوراتنا واستقبالنا لجائحة وبائية مثل كورونا. لا تأتي الأوبئة إلا لتؤكّد ما استقر عليه حال الناس مع مخاوفها. كذلك لا تتضح مخاوفنا إلا عبر مواجهة المنتجات الثقافية والصناعية الحديثة واستقبالها والتعامل معها. الكلاسيكيات الأدبية كذلك تساهم بنصيبها في تأسيس وعينا "الخوفي"، مثل "ديكاميرون" جيوفاني بوكاتشيو، الذي يرتكز إطاره السردي على مجموعة من الناس يختبئون من الطاعون ويروون قصصاً لتشتيت انتباه بعضهم البعض. أو رواية ألبير كامو الاستعارية "الطاعون"، باستخدامها تفشّي وباء متخيّل في مستعمرة فرنسية للتفاوض مع عدد من القضايا السياسية والفلسفية.

نتعلم الخوف بشكل أفضل
لكن قبل كل شيء، يتأثر خيال الرعب الوبائي، عند الأكثرية، بأشكال سردية ذات شعبية كالأفلام، مثل فيلم "تفشّي" (من بطولة ريني روسّو وداستن هوفمان)، حيث ينتقل فيروس قاتل بواسطة قرد إفريقي مهرَّب إلى الولايات المتحدة. أو في فيلم أحدث وأكثر شهرة وشعبية، "عدوى" لسودربيرغ، حيث تحمل سيدة أعمال أميركية الفيروس في طريق عودتها من هونج كونغ. في الإعلان التشويقي لـ"عدوى"، ترد كلمات "اتصال واحد" و"لا أحد محصّناً ضد الخوف"، لبيان خطورة وتوسّع مدى العدوى. تقريباً كل قصص الزومبي ومصاصي الدماء، في جوهرها، تعمل أيضاً كسرديات للوباء. كذلك، مسلسلات تلفزيونية، مثل "الموتى السائرون"، أو ألعاب فيديو، مثل "ذي لاست أوف أس"، تستخدم سيناريوهات الكارثة الفيروسية لإنشاء تأثيرات درامية جذرية. تتابع لعبة "حكاية وباء: براءة" A Plague Tale: Innocence القصة الكئيبة لشابة وشقيقها الصغير، في "رحلة تفطر القلب"، على حدّ وصف الموقع الرسمي للعبة، عبر ساعات حالكة من تاريخ القرون الوسطي في أوروبا دمّرها الطاعون. خطر الوباء هنا تجسّده جحافل من الفئران.


في كل تلك القصص الروائية والخيالية، نواجه أنماطاً سردية متشابهة. في البداية، هناك سيناريو تهديدي ومنذر تتغيّر فيه ظروف السلامة والصحة العامتين، ويمكن روايته بشكل جيد نظراً لتطوّر معطياته بمرور الوقت. يترافق هذا مع إحساس بالكلاستروفوبيا يضخّمه انقباض الحيز المكاني الآمن، بفعل انتشار الوباء. استحضار الذعر يأتي من إحساس المتفرج/اللاعب/القارئ بالتقييد: كان المرض في قارة أخرى، ثم صار في بلدك، ثم في مدينتك، حتى وصل إلى جوارك الآن. مع ذلك، في الوقت نفسه، تهوِّل تلك السرديات الخوف من أجساد الآخرين. في فيلم "تفشّي"، يكون مصدر انتقال الوباء، أولاً وقبل كل شيء، قرداً، بما يترتّب على ذلك الاختيار من رهبة لاحقة، نظراً لما يجمع هذا الحيوان تحديداً بالبشر. يندلع الرعب عندما ينتقل الوباء الحيواني إلى بشر آخرين. وهنا أيضاً، يلعب عامل الخطر المقترب دوراً: أولاً يُصاب الغرباء، ثم ناس نعرفهم، ثم محيطنا الأقرب. لمسات المودة والأمان والدفء، تُشحن بخطر التهديد. كل عناق، كل سلام، كل قُبلة، يصير محل اشتباه.

هذا يخلق حالة متوترة من عدم الثقة والتشكك، لها دائماً جانب سياسي. تلعب المخاوف الاجتماعية دوراً هاماً في سرديات الوباء. العنصرية ورهاب المثلية وكراهية الأجانب، فضلاً عن كونها أخطاراً اجتماعية أكثر شيوعاً وأطول إقامة من الأوبئة؛ تزداد وتيرتها في أجواء الذعر المعمّم، ورغم ذلك يندر أن تُخصّص لهما أي مساحة في سرديات الأوبئة. الخوف من أجساد الآخرين ملائم تماماً للتسييس. في أفضل الأحوال، يمكن لانعكاس تلك الأوبئة الفكرية بطريقة ذكية داخل العمل الفني، إثرائه ودعمه بنسيج واقعي وفني، عبر إنتاجه عدداً من الأشرار: صانع الذعر الذي يستغل الوباء لتتويج نفسه بطلاً، الميكافيللي الذي يريد تحويل المرض إلى سلاح، السلطوي الذي يستخدم الوباء لتفعيل رقابته وتشديد آليات تحكُّمه. في المقلب الآخر، وفي أسوأ الأحوال، حتى السرديات العاكسة لأمراض المجتمع الأخرى، يمكنها التحوّل قاطرة لتعزيز الاستياء الثقافي الموجود في أحد المجتمعات.

تطوير كفاءة الخيال
النشاط اللافت في معدلات البحث والمشاهدة لأفلام الأوبئة، في أوقات أزمات مثل كورونا، يقول شيئاً عن آلية تفكير تستدعي معرفة مسبقة في التعامل مع خبرة مشابهة. الخطر أن يتحوَّل استدعاء المراجع السينمائية واللعبية لانغماسٍ تام داخل الروائي والمتخيّل، كما لو في لعبة أدوار، يتلبّس فيها المرء/اللاعب شخصية محددة بأدوار معينة داخل عالم خيالي، يتعامل فيها بمنطقه اللعبي، مسقطاً السياق الواقعي المعاش، براهنيته واختلاف شروطه ومعطياته وتعقّد احتمالاته.

لذلك يبدو من المناسب، خاصة في أوقات الخطر الحقيقي، التفكير في خوفنا من الوباء بمعناه الثقافي أيضاً. وهذا يعني التزام تحليلات الخوف التي تأخذ في الاعتبار ألفتنا الشخصية مع صور ومشاهد وأمزجة. مثل هذا المخزون المهم يساعد على احتواء المخاوف غير المبررة أو المبالغ فيها. وهذا أمر مهم، خصوصاً في منطقتنا العربية الموبوءة بأنظمة ومؤسسات رسمية تدمن الكذب والتضليل، لأن الخوف اللاعقلاني يؤدي إلى أفعال غير محسوبة، ولأنه قد يحجب رؤية المخاوف التي يجب على المرء القلق بشأنها فعلياً. بالإضافة إلى ذلك، يساعدنا هذا التساؤل الذاتي في قراءة وفهم سرديات الميديا حول الوباء. ففي النهاية، تقوم عملية الإخبار والإبلاغ عن الأحداث الحقيقية، باستخدام، بوعي أو بغير وعي، جماليات سرديات الوباء الفنية. ترغب وسائل الإعلام أيضاً في تسلية جمهورها، وفي بعض الأحيان خدمة خوف الجمهور بطريقة تشبه الخيال الفني.

انعكاس كهذا يمكن أن يؤثر مستقبلاً في كيفية استهلاكنا/استقبالنا للسرديات التي تلعب مع شهوتنا للخوف بالقدر الملائم من الكفاءة الخيالية، في قادم الأزمات الواقعية الخارجة من روايات الخيال العلمي. لأنها سرديات لا تستغبي متلقيها، ولا تستكمل ألعاباً تافهة مع الرعب، كإحساس إنساني أصيل.إنها تلعب دوراً ثقافياً هاماً. سواء كان ذلك نابعاً من تأثيرها التطهيري فعلاً، أو لأنها تمنحنا شعوراً بالقوة في أوقات العجز، أو، وهذا الأكثر أهمية، لأنها توجّه رغبتنا للخوف إلى طريق منظمّة.

يمكننا تعلُّم الخوف بشكل أفضل. العمل على الخوف يشمل أيضاً اللعب معه. ربما لهذا السبب لن يتوقف السعي السينمائي لإنتاج أفلام تتفاوض مع الخوف من الأوبئة. وربما لهذا السبب أيضاً، في سياق أكثر إتزاناً، يكون حظر لعبة "بلاج إنك." في الصين خطأ كبيراً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها