آخر تحديث:12:48(بيروت)
الخميس 12/03/2020
share

"ديفيد كوبرفيلد": حيلة عمى الألوان

شادي لويس | الخميس 12/03/2020
شارك المقال :
"ديفيد كوبرفيلد": حيلة عمى الألوان التواريخ الشخصية" هي النموذج الأكثر وضوحاً لسنتمنتالية ديكنز الساخرة
"التاريخ الشخصي ومغامرات وخبرات وملاحظات ديفيد كوبرفيلد، الأصغر من آل بلاندرستون روكري"، هذا هو العنوان الأصلي الكامل لرواية تشارلز ديكنز الأقرب إلى قلبه. فككل الآباء الذين يحملون في قلوبهم خفية تفضيلاً لواحد من أبنائهم، يقول هو إنها "طفله المفضل". لكن هل للعنوان الطويل غرض غير السخرية؟ أم أن العناوين الروائية المسهبة كانت العادة الأدبية لزمنها (والتي تعود مؤخراً كموضة لها بريق متحفي)؟ أو ربما هما الأمران معا، التقاليد والسخرية؟ 

في كتابه "بين قوسين"، يشير روبيرتو بولانيو إلى أعمال ديكنز، وهو يكتب عن الميكانيكية الخاصة للدموع في الأدب: "أفضل الدموع هي التي نشعر بتحسن بعدها، وتكون أقرب إلى الضحك". "كوبرفيلد"، السيرة الذاتية، أو ما كان يطلق عليها حينها "التواريخ الشخصية" هي النموذج الأكثر وضوحاً لسنتمنتالية ديكنز الساخرة، شخصياته الكاريكاتورية والمبالغ فيها، الشر المفرط حد الكوميديا، المأساة الواقعية جداً لدرجة تحوّلها إلى غرائبية غير قابلة للتصديق. فكيف يمكن التعامل مع ذكريات طفولة بائسة جداً بغير السخرية، أو كما يقول صاحبها "خليط معقد من الحقيقة والخيال"! 


في فيلمه الجديد "التاريخ الشخصي لديفيد كوبرفيلد"، يقوم المخرج البريطاني، أرماندو إيانوتشي، بإعادة الاعتبار للسخرية الديكنزية، أو بمعنى آخر يحررها من كل سنتمنتاليتها، والمحاولات اللاحقة لإضفاء الوقار عليها. يظل إيانوتشي الذي شارك في كتابه الفيلم أيضاً، مخلصاً للرواية، وهو يضيف طبقة أخرى من الكوميديا، مقدماً "باردوي" للمعالجات السينمائية والتلفزيونية الكثيرة للرواية، ولتقاليد التجسيد الفني للتزمت الفيكتوري المعتادين عليها. 

يوظف إيانوتشي حيلة مجربة، نجحت في عمله السابق بشكل كبير. ففي فيلمه "موت ستالين" (2017)، يتحدث الممثلون في أدوار القيادات السوفياتية، بلكنات بريطانية محلية ثقيلة، تضيف إلى الشخصيات تناقضاً غرائبياً مثيراً للضحك والدهشة. فبين "الكوكني" (لهجة الطبقة العاملة الدنيا في لندن)، ولهجات ليفربول ولانكشير، وممثل واحد يتحدث بلكنة بروكلين الأميركية، فإن خيوط الصراع على السلطة، لا تعود حكراً على السلطوية السوفياتية، بل يمكن تصورها في العالم الأنغلوسكسوني أيضاً، واليوم. يبدو إيانوتشي، الكوميدي والمخرج الإسكتلندي، ذو الأصول واللكنة الإيطالية الثقيلة، والذي من أجل الكوميديا، ترك رسالة للدكتوراة في جامعة أكسفورد عن الشاعر الرومانسي جون ميلتون، هو الأقدر على تجسيد تلك المفارقة، ضمن مفارقات أخرى كثيرة.



يعيد فيلمه الأخير، الحيلة الصوتية واللغوية، بتحوير بصري. فالدور الرئيسي، للبطل ديفيد كوبرفيلد، الطفل الأبيض (وربما الأشقر) صاحب الخدين المتوردين كما نذكره، يقوم به الممثل البريطاني من أصول هندية كينية، ديف باتيل. تذكرنا ملامح باتيل البريئة والذكية بدوره الأشهر في فيلم "المليونير المتشرد" (2008)، وتبدو علاقة المقارنة مقصودة أو على الأقل لا يمكن تفاديها، رحلة السقوط الطبقي لطفل في لندن الفيكتورية، ورحلة الصعود العكسية لصبي من أحياء صفيح مومباي في عصر "التلفزة الواقعية" ومسابقات الثراء السريع.

لا تبدو الممارسة المعروفة باسم "عمى الألوان"، أي اختيار الممثلين بغض النظر عن أصولهم الإثنية، حكراً على فيلم "ديفيد كوبرفيلد"، فصناعة السينما الناطقة بالإنكليزية والمسرح بشكل أكبر قدمت تجارب كثيرة من هذا النوع بالفعل. لكن ما دفع "الغارديان" أن تصف العمل، بكثير من المبالغة بأنه "سيغير صناعة السينما للأبد"، هو تطبيقه لـ"عمي الألوان"، بشكل مدهش. فبعد الصدمة الأولى لرؤية ديفيد الطفل، بوجه أسمر، نرى القواعد اللونية وقواعد الوراثة تتداعى بسهولة. فـ"أجنيس" المحبة السرية لديفيد وزوجته الثانية، سوداء، أما والدها السكير فيقوم بدوره ممثل من أصول آسيوية، وكذلك صديقه الخائن ذو الشعر الأحمر، فوالدته الأرستقراطية سوداء، وتتكلم بإنكليزية الطبقات العليا لكن بمسحة خفيفة من ضواحي لندن الفقيرة... سريعاً، وبشكل سحري، يبدو ذلك كله طبيعياً.

لكن تلك الطبيعية ليست وليدة تمارين على الصوابية السياسية، بل نتاج دوافع وأدوات فنية في المقام الأول. فمعضلات العصر الفيكتوري، وصعود الرأسمالية التي يكتب عنها ديكنز، تبدو كما هي بتغييرات طفيفة، أو باختلافات كبيرة أحيانا، لكنها تقتصر على الدرجة لا النوعية. والفوارق بين لندن "كوبرفيلد"، ولندن اليوم المتنوعة إثنياً، ليست كبيرة كما تبدو للوهلة الأولى. صحيح لا توجد عمالة للأطفال (وإن كان يوجد في مصانع بنغلادش التي تنتج آخر صيحات لندن للموضة)، لكن الطبقة العاملة القديمة حل مكانها خليط من المهاجرين الملونين والبيض أيضاً، ظروف العمل المقبضة، والسكن، والمديونية الدائمة للبنوك، القمع المتضمن في نظام التعليم، والسلطة الأبوية والتراتبية الإدارية.

لا يشير الفيلم إلى أي من هذا، لا من بعيد ولا قريب، يكتفي بإضحاكنا فقط، ويترك للعبة "عمى الألوان" أن تقوم بالباقي.   

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري