آخر تحديث:16:08(بيروت)
الأحد 09/02/2020
share

على هامش الكورونا... اللاعقلانية الغذائية وألغاز الخنزير والبقرة

محمد حجيري | الأحد 09/02/2020
شارك المقال :
على هامش الكورونا... اللاعقلانية الغذائية وألغاز الخنزير والبقرة البقرة لغز
في احدى الجلسات، قال صديقنا "العلماني المسلم"، أنه على الرغم من علمانيته، وأنه يحتسي بشكل طبيعي، الخمور "المحرّمة" اسلامياً، ولكن حين يصل الأمر إلى لحم الخنزير لا يستطيع تناوله، وكأن التشريع الاسلامي الذي يتحدث عن تحريم الخنزير باقٍ في لاوعيه. ومع انتشار وباء الكورونا في الصين ومناطق اخرى، والحديث عن مصدره وهو شوربة أفعى التهمت وطواطاً، تناولها مواطن صيني، عاد الجدل الفايسبوكي حول الكثير من الحيوانات والحشرات التي يعتبرها الصينيون وبعض المجتمعات الاسيوية ولائم مفضلة. بينما يستغربها المجتمع العربي والاسلامي ومجتمعات اخرى...

هذا الجدل، يعيدنا الى كتاب "مقدّسات ومحرّمات وحروب/ ألغاز الثقافة"(*) للكاتب الأميركي مارفن هاريس (1927_2001) اذ يبحث في أنماط من الحياة، تبدو أول وهلة لاعقلانية وغير قابلة للتفسير، بعض هذه الأعراف المحيرة يظهر لدى بعض الشعوب الأمية أو "البدائية" وحتى النامية... هاريس الأكاديمي الذي درّس الأنثروبولوجيا في جامعة كولومبيا الاميركية، يروي أنه أنهى محاولة اقناع صف من الجامعيين أنّ ثمة تفسراً عقلانياً لتحريم الهندوس ذبح البقرة، سأل إذا كان لدى أحدهم سؤال ما، وإذ بشاب متحمس يرفع يده سائلاً: "لكن ماذا عن تحريم اليهود للخنزير"؟ وبعد شهور تلت شرع في بحث غايته تفسير كراهية كل من اليهود والمسلمين للخنزير. استغرق الأمر منه ما يقارب السنة قبل أن يكون جاهزاً لاختبار أفكاره مع لفيف من زملائه. وحالما أنهى كلامه، قال له صديق متخصص في دراسة هنود أميركا الجنوبية: "لكن ماذا عن تحريم شعب التابيرابي(قبيلة أمازونية) للحم الغزال؟ هكذا انسحب الأمر على سائر هذه الالغاز الثقافية والمجتمعية، وكي يبلور الكاتب وجهة نظره، اختار بأناة حالات شاذة وخلافية قد تلوح وكأنها ألغاز عصية على الحل. يقول هاريس في مقدم الفصل الثاني: "يعرف الجميع أمثلة عما يبدو أنها عادات غذائية لاعقلانية. يحب الصينيون لحم الكلاب. لكنهم يحتقرون حليب البقرة، نحب حليب البقرة، لكننا نرفض أكل الكلاب، بعض القبائل في البرازيل يستطيب النمل، لكنه يزدري لحم الغزال. والأمر ينسحب على بقاع العالم كلها".


واذا ما اقتصر اهتمامنا في كتاب مارفن هاريس على فصلي "الأم البقر"، و"محبو الخنزير وكارهوه"، بالتزمن مع انتشار الكورونا والحديث عن الكلاب والفئران والوطاويط، يرى هاريس(كتابه صدر عام 1974) أن صورة المزارِع الهندي المتضور جوعًا حتى الموت والجالس بجانب بقرة سمينة "تسرِّب شعورًا مدغدغًا من الغموض لدى المتلقّين الغربيين. إنها، في ما لا يُعدّ ولا يحصى من أوهام مكتسَبة واسعة، تعزّز قناعتنا الأعمق بالكيفية التي يتحتم أن يتصرف وفقها أناسٌ بعقلياتهم الشرقية المبهمة". ويضيف هاريس ان القيم الروحية في الهند أثمن من الحياة ذاتها. يبجل الهندوس الأبقار لأنها رمز كل شيء حي، و"هي أم الحياة"، ولن يكون هناك أشد رجساً للهندوسي من قتل بقرة، وفق خبراء كثر، تعتبر عبادة البقرة السبب الأول للجوع والفقر في الهند. لأنها تخفض من فعالية الزراعة، فهي عديمة النفع لا تقدّم الحليب أو اللحوم، في حين أنها تنافس من أجل الاراضي الزراعية والمواد الغذائية... وبما ان المسلمين يزدرون الخنزير فإنهم يأكلون لحم العجل، لذا يعتبرهم كثيرون من الهندوس قتلة أبقار. فقبل انقسام شبه القارة الهندية إلى الهند وباكستان، أصبحت النزاعات الطائفية الدامية الرامية الى منع المسلمين من قتل الابقار من الحوادث السنوية. وعلى الرغم من أن الزعيم الهندي المهاتما غاندي استنكر النزاعات، إلا أنه كان مؤيداً متحمساً لحب البقرة وطالب بالحظر الكامل على ذبحها. وعلى الرغم من دعم التشريعات المقدّسة وحب البقرة، ثبت أحياناً تحت ضغط المجاعة أن أكل العجل لا يمكن مقاومته. فخلال الحرب العالمية الثانية، حلّت مجاعة كبيرة في البنغال نتيجة للجفاف المتكرر والاحتلال الياباني لبورما، فبلغ ذبح الابقار وحيوانات الجر مستويات مقلقة. وفي عام 1967 ورد في صحيفة نيويورك تايمز "الهندوس الذين يواجهون الموت جوعاً في منطقة بيهار التي ضربها الجفاف يذبحون الابقار ويأكلون لحومها" مع انها مقدسة.


 ولغز الخنزير لا يقل ضراوة عن لغز البقرة في "التقديس والتدنيس"، واذ كان نصف اللغز الذي يتعلق بكارهي الخنزير معروف عند اليهود والمسلمين والمسيحيين. غير أن تقاليد الأقل شيوعاً هي تقاليد محبي الخنزير المتعصبين. يقع مركز حب الخنزير في العالم في نيو غينيا والجزر الميلانيزية جنوب المحيط الهادئ. وبالنسبة إلى قبائل المزارعين في قرى تلك المنطقة، فإن الخنازير حيوانات مقدسة من النوع الذي يحب أن يقدّم أضحيات إلى الاسلاف ويؤكل في المناسبات المهمة كلها، كالزواج والمآتم. في قبائل عدة، يجب ان تقدم الخنازير أضحيات لاعلان الحرب أو لتحقيق السلام، إذ يعتقد رجال هذه القبائل أن اسلافهم يحتاجون إلى لحم الخنزير. يسأل هاريس لماذا يحرم دينان جليلا القدر إدانة بهيمة مسالمة، بل حتى محبّبة يتلذّذ بلحمها الشطر الأكبر من الجنس البشري؟ كل المعطيات تشير إلى تناقض لاهوتي في مسألة التحريم، سواء من خلال الحديث عن قذارة الخنزير، فهناك الكثير من الحيوانات قذرة ومحلّلة... وفكرة أن الخنزير ناقل لمرض يصيب البشر، وهي صحيحة، لكنها تنطبق على الحيوانات التي يتم استهلاكها بحرية من المسلمين واليهود، من البقر الذي يشكل مصدرا للطفيليات والديدان الى الماعز مصدر الحمى المالطية، وصولاً إلى الجمرة الخبيثة التي تنتج عن المواشي... يقول هاريس "اعتقد أن التوراة والقرآن دانا الخنزير بسبب كون تربيته تشكل خطراً على سلامة المنظومات البيئية الأساسية للشرق الاوسط"، ويعتقد أن السبب الرئيس لحظر استهلاك لحوم الخنازير هو إيكولوجي-اقتصادي، لأن الخنازير تتطلب مياه وغابات ظليلة وهذه الظروف نادرة في الشرق الأوسط الذي يناسب الماعز والغنم...


وما قيل عن ألغاز البقرة والخنزير، يقال عن ألغاز الكلاب والوطاويط والجرذان والنمل والصراصير والضفادع والطيور الجارحة والقطط، اذ ثمة من يجعل كل شيء مجرد غذاء، وثمة مجتمعات تحيط بعض العناصر بألغاز مقدسة، فالكلب الذي يأكله الصينيون ليس محرّماً أكله فحسب لدى المسلمين، بل ممنوع دخوله بيت المسلم، ولهذا قصته الميتولوجية... وفي الكثير من المجتمعات الحداثية وحتى البدائية، يعتبر الكلب صديقاً وفياً له جمعياته وناسه وجمهوره ومهرجاناته...

ربما علينا أن ننهي المقال بخبرية أخرى، عن "علماني مسلم" آخر، زار كوريا الشمالية في زمن "الحرب الباردة" مع وفد شيوعي، وأكثر ما يذكر من الزيارة، أن الكوريين كرموه مع رفاقه من خلال تقديم وجبة لحم الجرو، وكان النفور... 

(*) صدر الكتاب عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ترجمة أحمد م أحمد

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها