آخر تحديث:13:53(بيروت)
الجمعة 07/02/2020
share

معرض القاهرة للكتاب: الأدب في أوقات مقبضة

شادي لويس | الجمعة 07/02/2020
شارك المقال :
معرض القاهرة للكتاب: الأدب في أوقات مقبضة ما زال مؤسس مكتبة "تنمية" مسجوناً في قضية نشر، والمكتبة نفسها تُعاقب للدورة الثانية
ما فائدة الشعراء في زمن الغمة؟ يسأل هولدرين، صاحب "أناشيد توبينغن"، ويرد على نفسه: "مثلهم مثل القساوسة يهيمون في دياجير الليل المقدس". لم يكن الشاعر الألماني والشاهد على صعود الثورة الفرنسية وسقوط آمالها العريضة إلى "عهد الإرهاب"، هو أول من طرح السؤال بالطبع، لكن إجابته كانت كشِعره، آخر الرومانسيات الكبرى وسط مخاض الحداثة العنيف. 

كانت تلك إجابة كافية لعصرها، ففي الجماليات الرومانسية، التيه قيمة في حد ذاته، مثله مثل الكثير من صور المعاناة الفردية والألم. طرح السؤال آلاف المرات منذ ذلك الوقت: ما معنى الكتابة والأدب في أزمنة مقبضة؟ وجاءت الإجابات قليلة، تُعدّ على أصابع اليد الواحدة، "أكتب لنفسي ولأصدقائي، وأكتب لتسهيل مرور الوقت". لم يكن متوقعاً سوى هذه الإجابة من بورخيس، المتشكك في الجمهور بوجه عام، بعدما قضى القدر الأوفر من عمره في بلد تتناوب على حكمه أنظمة منتخبة شديدة الشعبوية وديكتاتوريات عسكرية.

اختتم معرض القاهرة للكتاب أعماله قبل أيام، الدورة الثانية في موقعه الجديد، إقبال يضاهي الدورة الأولى هناك وربما أكبر، تصريحات إدارته تقدّم أرقاماً تقديرية، أربعة ملايين زائر على الأقل، قدر لا بأس به من الرضا بين الناشرين بخصوص الإدارة. ما زال خالد لطفي مؤسس مكتبة "تنمية" مسجوناً في قضية نشر، والمكتبة نفسها تُعاقب للدورة الثانية، إذ لم يسمح لها بالمشاركة في المعرض بحجج إدارية، ومطالبات خجولة بإتخاذ موقف رمزي من قبل دور النشر أو الكتّاب بدافع التضامن، لم تصل إلى شيء. حفلات توقيع حضورها بالمئات، صور لندوات شعرية، ووجه الرئيس المبتسم يظهر من بعيد في الخلفية معلقاً، الدفعة الأخيرة من الحملة الأمنية مساجينها محرمون من دخول الكتب بين أشياء اخرى كثيرة، عدد قليل من الكتّاب في منافيهم غير قادرين على المجيء إلى القاهرة لحضور إطلاق إصداراتهم الجديدة، لكن على الأقل كتبهم متاحة. آخرون أكثر شهرة، يشتكون من أن كتبهم اضحت شبه ممنوعة في مصر، ربما بسبب الرقابة الذاتية من قبل الناشرين، لا أحد يريد أن ينتهى به الأمر في محكمة عسكرية بسبب كتاب أو لأي سبب آخر.

الانطباع العام، من دون أرقام يمكن الاعتماد عليها، هو أن الأدب يكتسب مزيداً من الأرض هذه الدورة، ويطغى على غيره. صعود الرواية العربية عموماً يصل إلى ذروة في السوق المصرية، وحالة التشبع في الإصدارات الروائية تأتي معها محاولات ملهمة وواعدة للتجريب في نصوص نثرية غير سردية. أسماء جديدة تظهر، لكتّاب ودور نشر، وأسماء معروفة بالفعل يصبح إنتاجها أغزر بشكل لافت. الإنطباع العام أيضاً هو أن الكمّ غلب الكيف هذا العام. لكن سوقاً، بمعناها الرأسمالي والجماهيري للأدب، تتوسع وتتجذر. فرغم شكاوى الناشرين من كلفة الطباعة والورق والأحبار، فإن مستويات التضخم غير المسبوقة في الأعوام القليلة الماضية انتهت بمضاعفة أسعار كل شيء آخر، فأضحت القراءة رفاهية متوسطة التكاليف نسبياً. فرواية صغيرة الحجم، تساوى كلفة أكلة كشري لشخصين في وسط العاصمة، وتزيد قليلاً عن سعر تذكرة سينما.

الأمر لا يتعلق بالكلفة في الأغلب، بل بأسباب أخرى، منها بعض من حسن الحظ ما زال يتمتع به قطاع النشر، رغم كل شيء. النظام السياسي الحالي الذي أحكم قبضته بالفعل على كافة صور الفنون والإعلام، ما زال غير معني بسوق الكتاب بشكل كبير، كونه هامشاً محدود التأثير، يراقبه من بُعد، ويتدخل فيه أحياناً بضربات عشوائية للترويع، ولا يذهب أبعد من هذا. يتمتع الكتاب بمساحة هائلة نسبياً من حرية الحركة، حتى الرقابة الذاتية لا تمنع الناشرين من الإقدام على مغامرات خطرة، تمر غالباً بسلام. شرائح الطبقة الوسطى التي قُمعت طموحاتها السياسية، لا تجد في الأدب بالضرورة تعويضاً أو تسامياً أو مهرباً كما سيذهب البعض، بل ربما ساحة وحيدة  للاجتماع العام، بمعناه المعنوي والمادي جداً. ببعض من البلاغة المكررة يشار إلى معرض الكتاب بـ"التظاهرة الثقافية".

فباستثناء المناسبات الرياضية، يظل معرض الكتاب، الفضاء المادي الوحيد الباقي للمصريين للاجتماع، للتواجد كحشد بمئات الآلاف والمشاركة في فاعليات كلامية. والأدب، الذي ربما تسيطر عليه اليوم رواية الفانتازيا والسخرية والديستوبيا، لا يسعى إلى تقديم بديل للسياسة، بل ساحة جمالية تسمح للجمهور -كما الكاتب- بإثبات وجودهم الفردي في الحيز لعام، بالاقتناء، ملكية الكتاب نفسه كرأس مال معنوي، بالقدرة على المشاركة والتواصل، مع الكاتب ومع قراء آخرين، سواء رمزياً أو بشكل مادي ومباشر، بل والأهم القدرة على التقييم والحكم وإبداء الرأي بشكل علني. فالظواهر الأكثر لفتاً للاهتمام اليوم، تبدو متعلقة بالقراء أنفسهم، لا بكتّابهم المفضلين، بشبكاتهم ومواقع التقييم والمنافسات عليها بينهم، وعملية التقييم الجماعية التي تشبه التصويت العلني... ببساطة، اليوم، يمكن الإدعاء بأن بعض القراء المحترفين أكثر شهرة وتأثيراً من معظم الكتاب. وببساطة أيضاً يمكننا القول إن معظمنا يستطيع أن يبدي رأيه في رواية من دون الخوف من العواقب. 

وسط هذا كله، يبدو الأدب ساحة آمنة ورحبة، لا لأنه بعيد نسبياً من يد السلطة فحسب، بل لأن معاييره الجمالية الفضفاضة، وطبيعته شديدة الفردية وشديدة الجمعية في الوقت نفسه، تسمح له بأن يكون إحدى مساحات الاجتماع العام القليلة الباقية في زمن مقبض، مثل زمننا...

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب