آخر تحديث:13:31(بيروت)
الثلاثاء 04/02/2020
share

فلسطين الثابتة والمتحولة

محمود الزيباوي | الثلاثاء 04/02/2020
شارك المقال :
  • فلسطين الثابتة والمتحولة
    فلسطين
  • فلسطين
    فلسطين
  • فلسطين
    فلسطين
  • فلسطين
    فلسطين
عُرفت فلسطين الطبيعية قديماً بأرض كنعان، ويُرجع أصل اسمها على الأرجح إلى "فلستا" التي وردت في السجلات الآشورية، والمعروف أن أقدم ذكر معروف لهذا الاسم يعود إلى هيرودوت "أبو التاريخ" الذي ذكر "بالستين" "في القرن الخامس قبل الميلاد، ويُستدل من كتاباته أن هذه التسمية كان يُقصد بها الأرض الساحلية في الجزء الجنوبي من سوريا، الممتدة من سيناء جنوباً وغور الأردن شرقا.


 في القرن الثاني الميلادي، أطلق الإمبراطور هادريان رسمياً اسم "سوريا فلسطين" على مقاطعة باتت جزءاً من الإمبراطورية الرومانية، فحلّ اسم فلسطين مكان اسم يهودية، وهو الاسم العبري للمنطقة الجبلية في جنوب فلسطين. بنى هادريان مدينة إيلياء على أنقاض أورشليم، وجعل من مدينة قيسارية عاصمة إدارية لهذه المقاطعة التي قُسمت إلى ثلاث ولايات هي: سوريا الجوفاء، فينيقيا، وفلسطين. في العهد البيزنطي، ومع انتصار المسيحية، شمل اسم فلسطين ثلاث ولايات، هي فلسطين الأولى وفلسطين الثانية وفلسطين الثالثة. امتدت فلسطين الأولى من غزة إلى قيسارية، وشملت القدس، نابلس، أريحا، السامرية، الخليل وبئر سبع.

وشملت فلسطين الثانية الجليل، بيسان، ومرج ابن عامر. أما فلسطين الثالثة، فامتدت إلى جنوب بلاد الشام، وشملت النقب، شرق الأردن، وشبه جزيرة سيناء، وكانت البتراء عاصمة لها. منذ عهد قسطنطين، عُرفت هذه المقاطعات بالأرض المقدسة، وباتت مقصداً للحجاج المسيحيين الذين توافدوا لزيارتها من أصقاع الأرض.

سيطر المسلمون على أراضي فلسطين في مرحلة مبكرة، وقسّموا أراضي مقاطعة "سوريا فلسطين" إلى مقاطعات عديدة دُعي كل منها جندا. ساد هذا التقسيم حتى نهاية العصر العباسي، كما يُستدلّ من قول ياقوت الحموي في "معجم البلدان": "وأما الجند فيجيء في قولهم: جند قنسرين، وجند فلسطين، وجند حمص، وجند دمشق، وجند الأردن. فهي خمسة أجناد، وكلها بالشام. ولم يبلغني أنهم استعملوا ذلك في غير أرض الشام". كانت اللد مركز جند فلسطين في العهد الراشدي وأوائل العهد الأموي، وفي عهد الوليد بن عبد الملك أنشئت مدينة الرملة وأصبحت عاصمة له، وبقيت كذلك حتى نهاية القرن العشر، كما يُستدل من قول المقدسي الباشري في "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم": "فلسطين قصبتها الرملة، ومدنها بيت المقدس، بيت جبرين، غزة، ميماس، عسقلان، يافه، أرسوف، قيسارية، نابلس، أريحا، عمّان".

ضمّ جند قنسرين مناطق الشام الشمالية، وصولاً إلى الثغور الشمالية والجزرية، وكان الأكبر مساحة بين أجناد الشام، وعُرف في ما بعد باسم حلب. وضمّ جند دمشق، مناطق من وسط الساحل ووسط الداخل السوري والقسم الجنوبي من بادية الشام، وكانت أبرز مدنه وكوره طرابلس، جبيل، بيروت، صيدا، الجليل وبعلبك. وضمّ جند حمص مناطق أخرى من الساحل والوسط السوري وجزءاً كبيراً من بادية الشام، ومن مدنه وكوره اللاذقية، جبلة، بانياس، طرطوس، حماة، الرستن، تدمر، أفامية، معرة النعمان، وشيزر. أما جند الأردن، فضم أجزاء من حوض نهر الأردن ومحيطه شرقاً، وشمال فلسطين، وجنوب لبنان، وكان أصغر أجناد الشام، ومركزه طبرية، ومن كوره السامرة، بيسان، الكرك، وبلقاء.

في الخلاصة، توزّعت فلسطين الطبيعية على ثلاثة أجناد، أولها جند فلسطين الذي ضمّ ما عُرف بمقاطعتي فلسطين الأولى وفلسطين الثالثة في العهد البيزنطي، وثانيها جند الأردن الذي ضمّ ما عُرف بمقاطعة فلسطين الثانية، وثالثها جند الدمشق الذي ضمّ إقليم سهل الحولة من مقاطعة فينيقيا. وبقي هذا التوزيع سارياً، حتى وصول الفرنجة الذين أعادوا رسم المنطقة، فأسسوا أولاً كونتية الرها، ثم إمارة إنطاكيا، وبعدها مملكة أورشليم، ثم كونتية طرابلس في النهاية. أُنشئت مملكة أورشليم في 1099، وضمّت مع توسّعها ما يقرب جميع أراضي فلسطين التاريخية، كما شملت بيروت وصيدا وصور وأجزاء من سوريا وسيناء، وامتدّت في الداخل وصولاً إلى وادي الأردن، وبلغت البحر الأحمر.

تقلّصت هذه المملكة في العهد الأيوبي، واندثرت في سنة 1291 على أيدي المماليك الذين استعادوا اسم جند فلسطين، وقسّموه إلى ستة أقضية هي: القدس، اللد، نابلس، الخليل، غزة، وقاقون. انتهى حكم المماليك، إثر معركة مرج دابق في 1516، وقد كان القائد لتلك المعركة الضروس هو السلطان العثماني سليم الأول الذي سيطر على بلاد الشام. أنشأ الحكام الجدد 24 ولاية في الشرق الأوسط، أهمّها ولاية القاهرة، ولاية حلب، ولاية دمشق، ولاية حما، ولاية حمص، ولاية طرابلس، ولاية غزة، ولاية القدس. وباتت فلسطين بحسب هذا التقسيم متّصلة بالدولة العثمانية من خلال ولايتَي القدس وغزة.

استمر هذا النظام حتى العام 1831، حين سيطر والي مصر محمد علي باشا، على بلاد الشام، ووهب حكمها لابنه إبراهيم باشا، غير أن هذا الحكم لم يدم طويلاً، إذ انتهى في العام 1840. كانت فلسطين خلال هذه الفترة تحت حكم ولاية إبراهيم باشا لبلاد الشام ككل، ولم تُخصص لها ولاية إدارية خاصة كما كان عليه الحال إبان السيطرة العثمانية عليها. وتبدّلت أحوالها مع عودة الحكم العثماني في زمن أفول الخلافة، حيث انقسمت إلى قسمين، أوّلهما متصرفية القدس الشريف ذات الإدارة المستقلة، وثانيهما شمال فلسطين. أنشئت متصرفية القدس الشريف في 1874، وتألفت من أقضية القدس ويافا والخليل وغزة. في المقابل، تألف شمال القدس من لواءين، وهما لواء نابلس الذي ضمّ بيسان وطوباس وجنين وطولكرم، ولواء عكا الذي ضمّ صفد وطبرية والناصرة وحيفا. في عام 1899، خوّلت الدولة متصرف القدس تشكيل قضاء جديد في بئر السبع الذي كان جزءاً من قضاء غزة، وفي مطلع القرن العشرين أُلحق قضاء الناصرة بهذه المتصرفية.

انتهى الحكم العثماني مع انتصار الحلفاء في الحرب. سلّم المتصرف العثماني عزت بك القدس إلى القوات البريطانية بموجب رسالة كتبها باللغة التركية في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 1917، قبل يوم واحد من دخول قوات الاحتلال البريطاني إلى المدينة. وحمل رئيس بلدية القدس حسين سليم الحسيني، هذه الرسالة، إلى مبعوث من القيادة العامة للجيش البريطاني الذي كان يحاصر المدينة من جهات ثلاث. في هذه الحقبة المتحوّلة من التاريخ، وقبل دخول الإنكليز إلى فلسطين، بعث وزير الخارجية آرثر جيمس بلفور، إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد، برسالة تعبّر عن تأييد حكومته لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وفي تشرين الأول/اكتوبر 1917، وافقت الحكومة الأميركية على هذا التصريح قبل نشره، وأعلنت فرنسا تأييدها له في شباط/فبراير 1918، وتبعتها إيطاليا في أيار/مايو.

تعهّدت بريطانيا في السابق للشريف الحسين، بمساعدة العرب على تحرير بلادهم من سلطة الأتراك وتحقيق وحدتهم، فناصروها وتحالفوا معها، وبعد انتهاء الحرب، تخلّت عن وعودها، وشرعت في إسباغ صفة جغرافية خاصة بفلسطين. تحوّل وعد بلفور إلى قاعدة انطلاق لتهويد فلسطين، مع إعلان عصبة الأمم، وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني في تموز 1922 حيث تمّ إصدار عملة وطوابع حملت اسم "فلسطين" بالعربية والإنكليزية، و"أرض إسرائيل" بالعبرية. توالت المواجهات بين الفلسطينيين والصهاينة الوافدين، فكانت انتفاضة "موسم النبي موسى" في القدس في ربيع 1920، وتبعتها انتفاضة يافا يوم عيد العمال في العام التالي، ثم معارك "البراق". احتدمت هذه المواجهات بشكل كبير في الثلاثينات، فكانت ثورة 1933، ثم الثورة الكبرى التي تواصلت فصولها بين 1936 و1939.

في 24 شباط/فبراير 1939، نشر أمين سعيد في مجلة "الجمهور" اللبنانية مقالة عنوانها: "هل يُنادى بالأمير محمد عبد المنعم ملكا على فلسطين وهل يجلس على عرش داوود وسليمان؟". استهلّ الكاتب السياسي السوري مقالته بالحديث عن المبادئ التي أٌقرّها مؤتمر القاهرة العربي في كانون الثاني/يناير، ومنها المبدأ الذي "ينص على انشاء دولة عربية في فلسطين يمثل فيها اليهود  بنسبتهم الحاضرة، وأن تضع دستور هذه الدولة جمعية تأسيسية تجتمع في القدس، يشترك الفلسطينيون بما فيهم اليهود المتجنسون بالجنسية الفلسطينية بانتخابها"، وأستطرد: "دار البحث في الدوائر المختصة عن رئيس الدولة العتيدة وعن طريقة اختياره او انتخابه، وعن المرشحين ومن هو أكثرهم حظوى، فيُنادى به ملكا على أورشليم ويُجدّد عرش سليمان وداوود، بعدما انقضت آلاف السنين على انهياره". رأى محمد سعيد ان "الأمير محمد عبد المنعم عباس نجل سمو الخديوي عباس حلمي الثاني وولي العهد الثاني للمملكة المصرية هو في مقدّمة المرشحين لهذا العرش وأكثرهم حظوة وأملاً في النجاح"، وذكر في المقام الثاني "الأمير عبد الله بن الحسين الذي رشّح نفسه لهذا العرش، وذلك بعد ضم امارة شرق الأردن إلى فلسطين وتوحيدها في مملكة واحدة"، وأشار إلى حرص الفلسطينيين العرب على حلّ قضيتهم بشكل مستقل، على ان يُنظر في هذا الاتحاد في المستقبل.   

اشتعلت الحرب العالمية الثانية في 1939، وانتهت مع سيطرة الروس على برلين، والاستسلام غير المشروط من قبل الألمان في 1945. استمرت الهجرة اليهودية إلى فلسطين خلال هذه السنوات، وجاهر الكثيرون من زعماء الأحزاب وأصحاب الرأي العام في بريطانيا بتأييدهم لإقامة دولة يهودية في فلسطين. في نهاية 1944، اجتمعت اللجنة المركزية لحزب العمال البريطاني في لندن، وطالبت بجعل فلسطين دولة يهودية، كما دعت إلى إخراج أهلها العرب إلى الأقطار المجاورة في سبيل تحقيق هذا الهدف.

أعلنت بريطانيا شكلياً نهاية الانتداب، وأعلنت الأمم المتحدة مشروع تقسيم فلسطين في خريف 1947، وتبعه إعلان قيام دولة إسرائيل في 14 أيار/مايو 1948. توجّهت خمسة جيوش عربية لمساعدة الفلسطينيين في حربهم على هذه الدولة الطارئة، فكانت النكبة التي تلتها نكبات. سيطر الكيان الصهيوني على 78 في المئة من أرض فلسطين، وبات قطاع غزة تابعاً لمصر، بينما ربطت مناطق الضفة بالدولة الأردنية.

بعدة نكبة 48، جاءت هزيمة 67 وتبعتها سلسلة من الهزائم المتواصلة. تضاءلت مساحة فلسطين بعد "اتفاقية اوسلو"، وتضاءلت أكثر فأكثر في السنوات التالية، كما تُظهر خريطة حدودها التي نشرها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخراً، بعد دقائق على إعلانه تفاصيل خطة "صفقة القرن".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب

الطبيب الإله الثلاثاء 07/04/2020
طاعون ميلانو الكبير الثلاثاء 31/03/2020
ذئبة روما بمواجهة كورونا الأربعاء 25/03/2020
طاعون أثينا الأربعاء 18/03/2020
المزيد