آخر تحديث:15:08(بيروت)
الإثنين 03/02/2020
share

"يوم وليلة".. دائرة القهر ودواؤه

أحمد شوقي علي | الإثنين 03/02/2020
شارك المقال :
"يوم وليلة".. دائرة القهر ودواؤه خالد النبوي في دور "منصور الدهبي"
يتشكل حي السيدة زينب، في خريطة القاهرة، كشبه منحرَف، لكن مسجد حفيدة النبي الذي يتوسط الحي الشعبي العريق يحوله دائرةً تستدل بها الحياة على نفسها: دائرة للقهر ومداواته، ومثله، شكَّل صنّاع فيلم "يوم وليلة" عالمهم: دائرة تمرر القهر وتداويه، قلبها الجامع والموسيقى.

وفق تلك الاستراتيجية، شيد المؤلف يحيى فكري، عالمه، من يوم –نهار- يخنق، وليلة تُروِّح هي أمسية الاحتفال بذكرى ميلاد زينب بنت علي بن أبي طالب. ومما تشكله ديمومة النهار والليل، ومما يشكله المسجد من مركز يتوسط الحي، سار السيناريو في شكل دائري تصطدم فيه حيوات أهل القاهرة بعضها ببعض في قصص متشابكة تبرز القهر بمستوياته المتعددة وتمرره من شخص لآخر.

يبدأ الفيلم من صباح الاحتفال بذكرى الميلاد وفرقة موسيقية تنطلق من أمام المسجد إلى شوارع الحي، ومن المركز يمرر المخرج أيمن مكرم الكاميرا بين أبطاله من شخصية إلى أخرى بالتتابع، فيظهر منصور الدهبي (خالد النبوي)، وهو أمين شرطة يعمل في "قسم السيدة"، توفيت زوجته وتركت له ابنة وحيدة مصابة بمتلازمة داون، ويعيشان صحبة أمه المسنة وأخته الشابة. ثم تتركهم الكاميرا إلى ميرفت (درة) الممرضة بمستشفى القصر العيني، والمطلّقة مع ابن وبنت، ويعيشون رفقة أخيها وزوجته في منزل متواضع. ثم تستمر الكاميرا في استعراض أبطال الفيلم، فيظهر يوسف (أحمد الفيشاوي) الذي يعمل في البلطجة مع بجاتي (خالد سرحان)، ثم تظهر إيرين (حنان مطاوع) المسيحية التي تسعى للحصول على الطلاق من الكنيسة، بينما تعاني أمها المرض، وينشغل شقيقاها بنفسيهما عن مساعدتها، ثم يظهر أخوها الأصغر المرتبط بعلاقة حب مع فتاة مسلمة، وبين ذلك، وخلال حركة الكاميرا، تظهر شخصيات ثانوية تؤدي أدوارًا محورية في تحريك المسار الدرامي للفيلم، وتملك قصصاً لا تقل أهمية عن قصص أبطاله الرئيسيين، الأمر الذي يصعب معه تحديد البطل الرئيسي من الثانوي في الدراما التي منحت كل شخصية مساحة كافية رغم قصر أدوارها في النص.


ويظهر الأبطال كلهم، بمن فيهم أمين الشرطة الذي يمثل السلطة في الحي الشعبي، وحتى مهندس الإنشاءات الغني الذي يعيش خارج العاصمة متحصنًا بأسوار حيه الراقي والمنعزل، كأدوات تتلقى القهر وتمارسه على غيرها بالتساوي، أو كأن القهر كأس دوارة يأخذ منها كل منهم رشفة قبل أن يمررها إلى غيره. فمنصور الدهبي تعاني ابنته من تنمر المحيطيين بها، بدءًا من أمه، وصولاً إلى أهالي منطقته بمثل ما يمارس هو تنمّره عليهم. وميرفت الممرضة، تعاني الفقر والظلم من زوجة أخيها وطليقها وأطباء المستشفى الذي تعمل فيه، بمثل ما تمارس هي الظلم على مرضاها الذين تسرق دواءهم المدعوم وتقبل رشاوى ذويهم، من دون أن تقوم بتطبيبهم كما ينبغي. أما يوسف الذي يستغل قوته الجسدية لترويع الآمنين وسرقتهم، فإنه يقع ضحية شعوره بالخيانة، بعد أن يرى ميرفت -التي يحبها ولا تبادله الحب- وهي تبيع جسدها لأطباء المستشفى مقابل المال. وكذلك، تقهر قوانين الكنيسة، إيرين، بعدما تركتها بلا حل لسنوات برفض تطليقها وهي مازالت في ريعان شبابها، وفي الوقت نفسه تفرض إيرين الرشاوى على المواطنين لتسيير أعمالهم في المصلحة الحكومية حيث تعمل. ومثلهم جميعاً، يظهر السلَفي المتشدد، كأداة لممارسة العنصرية وكضحية لها في آن، في حين لا يجد العشيقان من ديانتين مختلفتين، مكاناً يتسع لهما للتعبير عن حبها من دون مضايقات. لكن النص لا يبرر، رغم ذلك، تلك القسوة الذي يمارسها أبطاله كنتيجة لقسوة مورست عليهم في المقابل، وإنما يبرز الحياة نفسها كدائرة من القهر المتبادل لا تنتهي.

وفي حين تبدو الحبكة الفنية ومنطق السرد الدرامي، مألوفين، لظهور ما يشبههما في عدد من الأعمال السينمائية العالمية والمصرية، إلا أن النص المكتوب الذي نفّذه أيمن مكرم، يعكس ذكاءً لافتًا، لاختياره حيّاً مثل السيدة زينب، ببعديه الديني والروحي، مسرحًا لأحداث فيلمه، الأمر الذي يجعل لاجتماع كل تلك القصص المتشعبة والمتشابكة منطقًا دراميًا قويًا. لكن مكرم لم يصنع، رغم ذلك، ميلودراما زاعقة من مآسي شخصياته (مثل أفلام "كباريه" و"الفرح" و"ساعة ونص")، بقدر ما منحها من الطبيعية والهدوء ما جعلها تبدو روتيناً يومياً يمر به الأبطال، سواء في يوم المولد، أو في غيره من سائر أيام حياتهم.


وكذلك، ظهر الأداء التمثيلي اللافت لبطل الفيلم خالد النبوي، وغيره من الأبطال/العناصر الذين استخدمهم المخرج لخدمة دراما نصه، ورسم دائرته التي لعبت الموسيقى دورًا محوريًا في صياغتها. ففضلًا عن إنقاذ فرقة موسيقى الشارع، الحبيبين (المسيحي والمسلمة) من الهلاك، فالموسيقى أيضاً افتتحت دائرة القهر في المشهد الأةل، وسعت لمداواة ضحاياه في الحضرة الصوفية، قبل أن تغلَق الدائرة بفرقة الشارع نفسها مع مشهد النهاية وبزوغ شمس النهار الجديد. وهي الدائرة نفسها، التي ربما اتسعت لتشمل الفيلم ذاته، حيث بدا واضحًا الارتباك الطفيف الذي أحدثه مقص الرقابة في كل من مساري القصتين الخاصتين بأمين الشرطة وعلاقة الحب بين الفتى المسيحي والفتاة المسلمة (وهي المرة الأولى على الإطلاق التي يتعرض فيها فيلم مصري لهكذا موضوع)، والقصتان تدخلت فيهما يد الرقيب بشكل سافر لاعتبارات أمنية ساذجة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها