آخر تحديث:09:43(بيروت)
الأحد 23/02/2020
share

لادج لي لـ"المدن":دراما الضواحي الباريسية متعددة الألوان

محمد صبحي | الأحد 23/02/2020
شارك المقال :
لادج لي لـ"المدن":دراما الضواحي الباريسية متعددة الألوان لادج لي

مثلما يتضح، بمرور الوقت، أن لا صراعاً إلا الصراع الطبقي، تكاد تكون السينما نموذجاً تمثيلياً للمجتمع الطبقي. من الصعب العثور في مدارس السينما على أطفال الطبقة الاجتماعية الأدنى، ووفقاً لهذا المُعطى، "تتفلتر" حقائق الواقع الاجتماعي عبر عدسة السلطة وتُبعد من مجال الصورة المهيمِنة. تصفية فكرة الصراع الطبقي وجذوره وامتداداته السياسية تكاد تصبح ديناً جامعاً لكل "فنّ" سلطوي، مهما تلفّح برداءات إنسانية وخطابات مُعمَّمة. لذا من المهم دائماً معاودة التذكير بالحقائق والأصول. المخرج الفرنسي لادج لي (1980) يفعل ذلك في فيلمه "البؤساء"*.

كإبن لمهاجرين ماليين من أصول اجتماعية متواضعة، نشأ لي في حيّ فقير تابع لضاحية مونفيرماي الباريسية، حيث تقع أحداث فيلمه. لم تتح له الفرصة لدراسة السينما بشكل نظامي، فعلّم نفسه صناعة الأفلام بتوثيق التوترات في منطقته المهمَلة. رفض التلفزيون جميع أعماله، لكنه وجد في الإنترنت منصّته العامة. في عام 2008، وثّق بكاميرته عملية وحشية للشرطة، أدين على إثرها بعض الضباط المتورطين بناءً على ما صوَّره. باكورته الروائية الطويلة، "البؤساء"، لا يخرج أيضاً عن منطقة نشأته وعيشه، الضواحي الباريسية المهملة والمنسية. حياة هذا الفيلم تشبه معجزة صغيرة. بدءاً من عرضه ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي في العام الماضي، ثم حصوله على جائزة لجنة التحكيم (بالمناصفة مع الفيلم البرازيلي "باكوراو")، مروراً باختياره مرشحاً فرنسياً لجائزة أوسكار أفضل فيلم دولي، فضلاً عن 11 ترشيحاً لجوائز سيزار الفرنسية. بشكل لا إرادي، يذكّر لي وفيلمه بفرانسوا تروفو الشاب، الذي أحدث ثورة في السينما من الأسفل، عبر إخبار حكاية طفولته في فيلم "الـ400 ضربة"، أيضاً مع فيكتور هوغو في خلفية الأحداث.

في"البؤساء" يولد الغضب الشاب من قلب مِحن عيشٍ صعب وتواضع أحلام ومكاره يورثها الحظ العاثر والملل الكئيب. البؤس كلمة تظهر باستمرار عندما يتحدث لي عن التوترات الاجتماعية في الضواحي. يتمنّى لو يرى إيمانويل ماكرون هذا الفيلم، الرئيس الفرنسي الذي لم ينفِّذ قط خطته لتحسين الظروف المعيشية في الضواحي. من غير المحتمل أن بإمكان تلك المشاهدة ثني ساكن قصر الإليزيه عن مساره النيوليبرالي، لكنه في الأغلب سيشاهد شيئاً يعينه على فهم أسباب خروج مواطنيه إلى الشارع مطالبين بتنحّيه عن السلطة.

يبدأ "البؤساء" حكايته بأقصى سرعة، ولا يتوانى مخرجه في تسريعه بقوة لمدة ساعة وثلاثة أرباع الساعة. الحبكة بسيطة لكن تعقُّد العلاقات وقيظ الصيف يمدّانها بدورة درامية محمومة، يتداخل فيها التوتر الدرامي وضغط المأزق الاجتماعي لنظم بانوراما لاهثة عن جانب مغيَّب من الحالة الفرنسية. يسرق مراهق شبلاً من جماعة غجر هبطوا بسيركهم المتنقل في الضاحية الباريسية، فتطلب العشيرة من عمدة الضاحية استعادة شبلها ومجازاة الفاعل، ثم يصل الأمر إلى الشرطة ورجالها الثلاثة، ستيفان الوافد الجديد إلى الضاحية وزميليه من المحاربين القدامى كريس وغوادا. الوصول إلى السارق الصغير لن يكون سوى فاتحة انفجار غير معلوم النتيجة.

رغم أمطار الجوائز، لا يفعل "البؤساء" شيئاً جديداً. بالطبع، هو فيلم معاصر للغاية - في مراجعه اللغوية والثقافية، في الهواتف الذكية المتناثرة في مشاهده، في خط الحبكة الممتد بفضل كاميرا درون (كاميرا طائرة) صوَّرت جريمة الشرطة. لكن في الوقت نفسه، يتبع لي، بثقة، خطى كلاسيكيات حديثة دشّنت نوعاً سينمائياً يأخذ من الأحياء الحضرية المحرومة من الرعاية والاهتمام الرسمي، مسرحاً لأحداثه ومنطلقاً لنقده السياسي وتفكيك بعض صور البؤس الاجتماعي. أفلام مثل "إفعل الشيء الصحيح" (1989، سبايك لي)، و"الكراهية" (1995، ماتيو كاسوفيتز) و"أسود" (2015، عادل العربي وبلال فلّاح)، أمثلة متألقة على هذا النوع، ولادج لي لن يتأخر في ذكر بعضها في كل مقابلة حول فيلمه ومنابع تأثيراته. رغم ذلك، لا يمكن القول إن ليّ مجرد مُقلِّد سينمائي، ففيلمه يجمع بمهارة بين متباينين، بساطة روبير بريسون وجرأة سبايك لي، ليخرج ببورتريه فعّال وحيوي ومحفّز لآثار الظلم الاجتماعي.

كتب فيكتور هوغو، في مقدمة روايته: "طالما وُجدت فى عالمنا، بفعل القوانين أو الأعراف، لعنةٌ اجتماعية تصطنعُ جحيماً للبشر... وطالما وُجد على هذه الأرض جهل وبؤس، فلن تخلو هذه الرواية من فائدة". بعد أكثر من 150 عاماً، يمكن قول الشيء نفسه عن فيلم لادج لي.


"المدن" التقت لادج لي للحديث عن فيلمه.

 

 

- الإلحاح أول كلمة تتبادر إلى الذهن بعد انتهاء فيلمك. من أين جاءت الفكرة، وكيف تصف نهج عملك؟

 "البؤساء" قصة شخصية للغاية، أتحدث فيها عن سنواتي في الحيّ. كان الهدف هو القيام بذلك من الداخل، لأننا عادة ما نرى انطباعات من الخارج، ما يخلق فجوة بين القصة المسرودة والواقع. هذا جنباً إلى جانب الأخطاء ونقص المشاعر. من دون الإدلاء ببيان أو إدانة أحد بعينه، جعلت الفيلم سفينتي الدوارة (Roller coaster) لإظهار المشاعر التي نمرّ بها وجعل إلحاح الوضع ملموساً. أردت تجنّب كليشيهات سابقة طبعت أفلام الضواحي (Banlieues): المخدرات، العنف، الأسلحة، السيارات السريعة.

بدأنا السيناريو من قصة شهدتها بنفسي: سرقة أسد صغير من سيرك متجوّل. ثم سرنا على نمط فيلم "يوم التدريب" (2001، أنتوان فوكوا)، وأخذنا التفصيل المتعلّق بالوافد الشرطي الجديد الذي يسمح لنفسه بالتحوّل إلى سلوك مراوغ. مع شخصية ستيفان، أردنا غمر المُشاهد في عالم غير معروف، وبهذه الطريقة أخذنا الوقت الكافي لمقدمة شاملة حول نطاق الفيلم المكاني وسكّانه بدلاً من الدخول على الفور في الأحداث. يمكنك تشبيه نهجنا بتلك الطائرة بدون طيار التي يطيّرها مراهق فوق الحيّ.

هذا المراهق هو ابني في الواقع، وما تفعله شخصيته في الفيلم لا يبعد كثيراً عني. منذ كنت في الـ17 من عمري، بدأت أتجول في منطقتي ترافقني كاميرتي. صوّرت أفراد الشرطة أثناء عملياتهم، لصالح منظمات مدنية معنية بمراقبة وتوثيق سلوك الشرطة، أو كجزء من أفلام وثائقية. كان التصوير هو طريقتي للتعبير عن نفسي، للتمرد والإدلاء بشهادتي. بتشجيع من فيلم "الكراهية" (1995، ماثيو كاسوفيتز)، أسستُ جمعية كورتراجمي  Kourtrajmé لأنني تعبت من مشاهدة الآخرين يروون قصصنا.


- تبدأ فيلمك بصور مثيرة للإعجاب لفوز المنتخب الوطني الفرنسي بكأس العالم عام 2018. الجميع في الشارع، يحتفلون كشخص واحد. حالة نشوة وفرحة كاملة. ثم تستخدم كامل مدة فيلمك لتفكيك هذا الاتحاد. هل كان من المهم بالنسبة إليك إظهار الاتحاد في بداية الفيلم ككذبة ذاتية للأمة الفرنسية؟

نعم، الفوز بكأس العالم عام 2018، هتافات البلد كله: كانت تلك صور قوية للغاية بالفعل، تركت لدي انطباعاً عميقاً. قبل عشرين عاماً، في عام 1998، أصبحت فرنسا بالفعل بطلة للعالم في كرة القدم، وكان عمري 18 عاماً فقط، وكانت تلك فرنسا حقاً في ذلك الوقت، حيث، فجأة، لم يعد لون بشرتك أمراً مهماً. لم يعد الناس يميّزون بين "أسود" أو "أبيض"، بل قالوا "أزرق-أبيض-أحمر". اللون الثلاثي، الذي يمثِّل جميع الأشكال المختلطة للون البشرة، شمل أيضاً المهاجرين. وكان هذا حدثاً رائعاً. كنا جميعاً واحد! كنا جميعاً معاً! كنا فرنسا واحدة! كانوا جميعاً فرنسيين، بلا تمييز، بغض النظر عن مكان ولادتهم أو موطن آبائهم.

لكن هذا لم يدم طويلاً. كثيراً ما يُظهروننا باعتبارنا لسنا فرنسيين كفاية. أو نصف فرنسيين. أو فرنسيين من الدرجة الثانية. وهذا شيء يمثل مشكلة كبيرة في فرنسا، لأن فرنسا لا تزال تواجه مشكلة كبيرة مع ماضيها، الاستعمار وتجارة الرقّ والحروب. في النهاية، لا تريد فرنسا أن تتذكر هذا التاريخ. لا تريد فرنسا مواجهة أخطائها وآثامها على الإطلاق، وهذا يؤدي إلى حقيقة أنها تُكبت وتُحظر حتى يومنا هذا.

هذا يقودني إلى الصور المبهجة لاحتفالات كأس العالم 2018، والتي كانت مشابهة جداً لعام 1998، ولهذا كان من المهم بالنسبة لي أن أظهر هؤلاء الرجال في نوبة فرحهم الصاخب. هؤلاء المراهقون، جميعهم ملفوفون بأعلام زرقاء وبيضاء وحمراء. يأخذ الأمر منهم ساعتين بالسيارة، للانتقال من ضاحيتهم الباريسية إلى وسط باريس لمشاهدة المباراة النهائية في مقهى مع أشخاص آخرين. والجميع سكران بسعادة. الكل واحد. وبعد ذلك يعود الأولاد إلى ضواحيهم. ثم بعد يومين فقط، يعود كل شيء إلى حاله مرة أخرى، ولا يتغير شيء. أجد ذلك مؤسفاً جداً.

 

- مثل رواية فيكتور هوغو التي تحمل الاسم نفسه، يقع فيلمك في ضاحية مونفيرماي الباريسية.

عندما تكبر في حيّ طبقة عاملة، تشعر غريزياً بالاتصال بروايته من عام 1862. ترك كتاب هوغو انطباعاً عميقاً عندما قرأته في المدرسة، وعندما نظرت حولي لاحظت أنه، بعد قرن ونصف قرن من زمن الرواية التي دار جزء منها في مونفيرماي، ما زلنا نعيش في مجتمع طبقي مليء بالبؤساء. بالطبع، ليس البؤس نفسه، فنحن نعيش في عصر مختلف، وهناك أشخاص مختلفون، وأشكال جديدة من البؤس. لسنا بصدد مقارنة، لكن الناس بائسة، هذا أكيد. انهم يعيشون على نحو بائس.

فيلمي ليس اقتباساً سينمائياً لرواية هوغو، يمكنك اعتبار العنوان إيماءة مودّة وتحية للكاتب الراحل. الشخصية الوحيدة التي استعارها من هوغو، هو غافروتشي، صبي الشارع الذي يحارب على المتاريس. ما يفعله ليس ثورة سياسية، بشعارات ومطالب، ولكنه تمرُّد ضد السلطة. هذا يؤدي إلى وضع متفجِّر، مع عواقب غير متوقعة. انتفاضة الفيلم ليست مُنظّمة ومن دون قائد. إنها تشبه ثوران بركان.


- انفجار الوضع يؤدي إلى نهاية مفتوحة، تدفع بها المُشاهد للتفكير، وربما للنظر بعيون الآخرين.

بالضبط. لقد بدأنا من كمين شهدته أثناء إحدى عمليات التصوير، حيث اُستدرج عدد من رجال الشرطة ووقعوا في فخّ دُبّر لهم، وانتهى بهم الحال محاصرين في بئر سلم إحدى العمارات. حملتني تلك الحادثة على التفكير في كيف تتصاعد الصراعات. ليس الأمر مواجهة بين أبيض وأسود، خير وشرّ، واحد وراء المتراس وآخر أمامه. لهذا السبب نأخذ مسافتنا من الصراع، ونؤكد على أن الخير والشر موجودان معاً داخل الناس والعشائر والجماعات. أيضاً، ابتكرنا منظوراً مختلفاً، يسمح لنا بالإبقاء على رحابة معيّنة تفضي إلى شيء إيجابي. لا إيماءات، لا أكشن، نوقف كل شيء. غير متوقع، وبالتالي أقوى تأثيراً.

حينها، يأتي دور المُشاهد للتفكير بنفسه والنظر بعيون الآخرين. إذا كنت في مكان الشرطي في هذا المشهد الأخير، فإنك ستطلق النار. إذا نظرت بعين الطفل، ستلقي زجاجة مولوتوف. إذا كنت تعيش في البناية، ستغلق بابك.

غالباً ما سألتُ شرطيين ودودين عن المعلومات حين أكتب عن إجراءاتهم أو عملياتهم. عندما وصفت المشهد الأخير لأحدهم - الصبية مع زجاجات المولوتوف، رجال الشرطة المحاصرين، والوضع الكلاستروفوبي بأكمله – أجاب بـ"لا شك، هذا دفاع مشروع عن النفس، هناك زميل ملقى على الأرض، أنا أيضاً في خطر، يُلزمني الوضع بإطلاق النار على المهاجمين". لكن عندما حضر العرض الفرنسي الأول للفيلم، غيّر رأيه. لماذا؟ كان قد بدأ في رؤية الموقف بشكل مختلف بسبب المشاعر التي أثارها الفيلم.


- الفيلم لا ينتقد الشرطة كمؤسسة.

كانوا يتوقعون مني فيلماً معادياً للشرطة. ولكني أردت إظهار وجهة نظر كل شخص، بما في ذلك وجهة نظر الشرطة. لأظهر أنهم ليسوا "فائزين"، وأنهم أيضاً بائسون. ليست مهمّتي تصوير رجال الشرطة كأشرار. كل شيء له علاقة ببنية السلطة، والتنشئة الاجتماعية، والاحتمالات، والضغط.

لستُ أخلاقياً، فقط ألاحظ الأشياء من دون الرغبة في فرض حلّ معيّن. أصفُ ظروف العيش في المنطقة. رسالتي الوحيدة هي أنه إذا لم يتم الاستماع إلى الناس، ستطفو المشاكل عاجلاً أو آجلاً.


- هناك عاملان مفقودان في بيئة الفيلم: المدرسة والحكومة.

 عدم وجود المدرسة مرتبط بحقيقة أن الأحداث تدور في الصيف، وقت العطلة المدرسية، حيث فضّلنا أن نلتقط الحرارة والملل. أيضاً، فيلم "إفعل الشيء الصحيح" لسبايك لي كان مصدراً للإلهام، في أجوائه الصيفية وتأثير الحرارة في خروج الصراعات عن السيطرة.

في ما يتعلّق بغياب الحكومة، فهذه ملاحظة محزنة: لا يزال العالم السياسي غائباً ولا يتحمّل مسؤولياته. في أحياء يبلغ معدل البطالة فيها أربعين في المائة، يعدّ غياب الحكومة جريمة.


- أنشأت مدرسة لتعليم السينما في الأحياء.

السينما وسيط قوي، لكن، للأسف، النفاذ إليه صعب ومكلِّف. ولهذا السبب قمت بتأسيس مدرسة للسينما في مونفيرماي لإعطاء الشباب فرصاً للاقتراب من هذا العالم. من خلال دورات كتابة السيناريو والإخراج والكاميرا والإنتاج وما بعد الإنتاج، يكتسبون المعرفة والخبرة. بدأنا من قاعدة أن المدرسة مجانية ويمكن للجميع التسجيل من دون امتحان قبول. ساعد نجاح "البؤساء"، أول فيلم تنجزه مجموعة من الأصدقاء من أبناء الضواحي، في تأكيد الهدف الذي أُنشئت من أجله المدرسة.


(*) يُعرض حالياً في الصالات اللبنانية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها