آخر تحديث:13:14(بيروت)
السبت 15/02/2020
share

عن معتنقي الإسلام بسبب أم كلثوم

محمد حجيري | السبت 15/02/2020
شارك المقال :
عن معتنقي الإسلام بسبب أم كلثوم في وداع "شهيدة الحب الإلهي"
مرّت قبل أيام، الذكرى الـ45، لرحيل المطربة أم كلثوم. وفي يوم توديعها العام 1975، كتب أحدهم على صورة ضخمة لها "شهيدة الحب الإلهي". ولم يكن هذا التوصيف بعيداً من الفنانة الراحلة، فهي الآتية من التجويد القرآني والعائلة المقرئة، وقدمت الكثير من الأناشيد الدينية، وفي الواقع كان كثيرون يخلطون في تصنيف أغانيها بين ما هو حب وغرام، أو عشق صوفي أو تصوف، وهذا بات مألوفاً في الكثير من الدراسات عنها... لكن ما يلفت الانتباه هو تأثير صوت أم كلثوم في وجدان شخصيات غربية من الناحية الدينية والصوفية أيضاً...
حين غنت أم كلثوم في قاعة أولمبيا (باريس) في تشرين الثاني 1967، في إطار المجهود الحربي بعد هزيمة حزيران، قال الكاتب الفرنسي ميشال تورنيه: "هذه المغنية المصرية التي نذرتْ نفسها زوجة وفية لكل الشعب العربي، شيء مثل السيدة العذراء... تعيش فنها كرسالة عاطفية، لكن وطنية في الوقت نفسه، هي روح مصر والعالم العربي؟ هي صوت طربي، يختزن بُعداً دينياً". ولم تخطئ جريدة "فرانس سوار" حين علقتْ على حفلة باريس قائلة: "الذين ذهبوا لسماع أمّ كلثوم، فشهدوا قداسًا دينيًا". وأن يصدر هذا الكلام عن منابر وأصوات غربية، فهذا كافٍ للدخول في متاهة تأويل عالم أمّ كلثوم الصوفي والديني، من الصوت إلى كلمات الأغاني...
والأمر لا يقتصر على التوصيف في الصحف الغربية. إذ يعترف الممثّل الفرنسي جيرارد دوبارديو، في شريط وثائقي بثته قناة "فرانس3"، أنّه حضر حفلة باريس، وكان في الثامنة عشرة من عمره، وأنّه تأثّر بما سمعه في حفلة كوكب الشرق، وإن إحساساً عميقاً غمر وجدانه، وإنّه بلغ، وهو يستمع الى أمّ كلثوم تغنّي، مرحلة الطرب إلى حدّ البكاء، حسب شهادته. وقال دوبارديو إنّه اعتنق الإسلام الصوفي بعد حضوره هذه الحفلة، وبقي يتردّد طيلة عامين كاملين على مسجد باريس، ويتلو القرآن الكريم، يؤدّي الصلوات الخمس كلّ يوم. وفي كتابه "بريء"، يثير مسألة اعتناقه الإسلام مصرحاً "الخطر الحقيقي لم يكن يوماً في الإيمان، بل حين يتوهم المرء بكل غطرسته وفساده وجهله، ويقوم بتأويل النصوص المقدسة بهدف وحيد، وربما عن غير وعي، ليضع نفسه مكان الإله… هنا يبدأ التلاعب" (نُشر المقطع في في مجلة "إكسبرس" الفرنسية).

وكأن اسلام جيرارد دوبارديو الكلثومي الصوفي، موجة من موجات يتّبعها البشر عادة مثل اعتناق البوذية أو غيرها، سرعان ما يتخلون عنها أو يضيفون إليها اعتناق طقوس جديدة. في المحصلة، هو تداخل ثقافات وهويات في لحظة تحتاج فيها النفس البشرية إلى شيء يريحها أو تتبناه في لحظة أزمة أو فراغ...


وتجربة "وحش" السينما الفرنسية، "الإسلامية" و"الكلثومية"، تبدو بسيطة مقارنة بتجربة مصمم الرقص الفرنسي موريس بيجار الذي عشق أمّ كلثوم. اذ تعبّر تجربته بشكل جذري عن تراكم تبني المعتقدات الدينية في الشخص الواحد. فمصمم الرقص الشهير، أعلن أن صوت المطربة المصرية التجويدي والطقسي "كان واحداً من الأسباب التي أدّت إلى اعتناقه الإسلام"، وليس السبب الرئيس كما يشاع ويكتب في الكليشيهات الصحافية والفايسبوكية. واعتنق بيجار الاسلام على المذهب الشيعي، في العام 1973، على يد متصوف وموسيقي إيراني اسمه نور علي الهي، لكنه كان يؤكد أن تحوّله إلى الاسلام أتى في إطار "مسيرة روحانية" بالمعنى الأوسع، طبعتْ مسيرته الفنية الى حدّ كبير. وقال في كتاب تضمن سلسلة مقابلات له تحت عنوان "هكذا رقص زرادشت"، إن كلمة "اعتناق" لا تناسبه. وأضاف: "إن معرفتي بالإسلام لم تجعلني أحيد للحظة واحدة عن نشأتي الكاثوليكية، ولم تمنعني من أن أكون بوذياً ورعاً، كما لم تفقدني ولعي بمعتقدات روحية أخرى رائعة. فأنا أنظر إلى مسيرتي الروحية بوصفها مسيرة مستمرة". 

على أن تجربة بيجار مع الاسلام تحتاج دراسة خاصة، ويشكل الاهتمام بأم كلثوم جزءاً منها، إذ أعطاها بيجار بُعداً خاصاً في الرقص، وصمّم لوحة راقصة باسمها على وقع أغنية من أغنياتها، نظم كلماتها عبد الفتاح مصطفى الغمراوي، ولحّنها رياض السنباطي في العام 1958، وعنوانها "التوبة"، وقدمها في أكثر من مناسبة. والمفارقة أن بيجار جاء مع فرقته إلى لبنان أكثر من مرة، وفي المرة الأخيرة انتظر الجمهور من فرقته لوحة "أم كلثوم" لكن الفرقة العالمية لم تقدمها، لأن الرقابة في الأمن العام اللبناني طالبت بحذفها حرصاً على "المشاعر الدينية". يصور المقطع رجالاً يؤدون الصلاة ونساء يرقصن حولهم بأثواب بيضاء شفافة كأثواب العذارى. وقال بيجار عن اختياره أم كلثوم: "بعد حرب لبنان، كانت الرقصات المصمّمة على أغنيات أم كلثوم مجازاً لتمجيد حضارة الشرق"، علماً أن رقصة بيجار الكلثومية قُدمتْ في مصر ولقيتْ نجاحاً حين عُرضت ضمن استعراض "هرم" في العام 1990. هكذا، جاء العرض في بيروت ناقصاً، وافتقد الجمهور تلك اللوحة الطربية الحديثة التي صمّمها بيجار وهي تنشدُ: "تائب تجري دموعي ندماً/ يا لقلبي من دموع الندم/ ليتني ذبت حياء كلما/ جدد العفو عطاء المنعم/ عانق الشيطان في صدري الملاك/ وتحيرت بهذا وبذاك/ ثم صاح الوهم قلت واهواك/ سبح الإثم بأمري فارتمى/ حاضري يمسح جرح الألم".

 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها