آخر تحديث:12:55(بيروت)
السبت 15/02/2020
share

"الحي الروسي" في دمشق... كائنات هشة تشهد الدمار

علاء رشيدي | السبت 15/02/2020
شارك المقال :
"الحي الروسي" في دمشق... كائنات هشة تشهد الدمار خليل الرز: لا يمكن الإستغناء عن الأشرار، لأن الجمال والشجاعة والرشاقة لا يستقيمون من دونهم
تصعب الإحاطة بالمحاور القصصية التي تشكل المتن الروائي في رواية "الحي الروسي" للكاتب خليل الرز. ويعود ذلك لأسباب عديدة، أولها بنية الرواية المؤلفة من ثلاثة فصول: "الزرافة"، "عصام"، والفصل الثالث يحمل عنوان الرواية نفسها أي "الحي الروسي"، فكيف يحمل أحد فصول الرواية عنوان الرواية نفسها؟

كذلك لا يبدو تسلسل الحكايات في الرواية مبنياً على أسس تأويلية، بل يخضع أكثر إلى توالد حكايات عفوية لم يتمكن الروائي عبره من إقناع القارئ بضرورة تجاورها، فهي (أي الحكايات) تبقى كلها في إطار القصص المتناثرة عن حي يعيش على أطراف دمشق، شاهداً على قصف المناطق المجاورة وعلى تجارب الحرب.

في إحدى فقرات الرواية يركز الكاتب على وصف سمات أهالي الحي الروسي، فالقتال في سبيل أي شيء يعني تخلي الحي الروسي عن طبيعته، ولا فكرة واحدة يؤمن بها كل الناس في الحي الروسي، ولا يجمعهم فيه تاريخ طويل، ولا موروث مقدساً موحداً ينبغي تخليده. ثم إن الإحساس بالمفاهيم الكبرى والرسالات الخالدة عموماً، مقدسةً أو غير مقدسة، كان دائماً ضعيفاً جداً عندهم، وغير كاف لأن يجعل أياً منهم يموت من أجل معتقداته مهما كانت الأسباب: "الناس هنا، منذ ظهور الحي الروسي، كانواً دائماً أوصالاً حية قادمة من أوطان بالية وعقائد بالية وطوائف بالية وقبائل بالية، تجمعهم الرغبة الأرضية الخالصة بالحياة"...

تفتح الرواية نافذة على الحياة اليومية، وربما العادية، على سكان هذا الحي الذي يجمع الإنسان بالحيوانات، فالحي الروسي هو حي حديقة حيوانات المدينة، ولذلك ستكون الزرافة والكلاب والعصافير شخصيات داخل الرواية، لها حكاياتها، وتشارك في صناعة الحدث الروائي بين الحين والآخر. لكن حكايات الحيوانات في الرواية لا تنجح في تشكيل قصص فانتازية حاملة للمعنى أو قابلة للتأويل، بل تبقى في إطار الحكايات الترفيهية على مأساة الحياة اليومية، ونادراً ما يمكنها بلوغ مرحلة الرمزية.

حكايات
ورغم اكتظاظ الرواية بحكايات الحيوانات، إلا أن الأميز يتعلق ببعض الشخصيات الإنسانية، فـ"بوريا" هو الشخصية الشريرة المتنفذة التي نقابلها في الكثير من قصص المدن. قربه من الجهات الرسمية في دمشق بسط نفوذه على السكان، بعدما حوّل زعران الحي، فارضي الخوات القدامى، جثثاً في حاويات القمامة. ثم فرض مقابل الأمن والأمان في الليل والنهار، أعماله الخيرية التي حاصص بموجبها الناس بأرزاقهم. مقابل شخصية "بوريا"، هناك "عصا"م الرياضي الخيّر والوحيد الذي يحاول الوقوف في وجه تسلط "بوريا" وسطوته.

كما في أسلوب بروست ومن بعده كونديرا، يخرج صوت المؤلف ليخبرنا عن جدلية العلاقة بين الخيّر والشرير. عصام الخيّر هو، بالنسبة لأهالي الحي، صورة الكرامة التي لن يتنازلوا عنها، هو في أذهانهم بطل في حدث شعري، حكاياته تماثل حكايات الأبطال في الرقصات والأغاني الفولكلورية والحكايات الشعبية. لكن الحكايات لا تستوي أيضاً من دون حضور الشرير. ففي رأي الكاتب، لا يمكن الإستغناء عن الأشرار، لا في الواقع ولا في الخيال، لأن الخير والجمال والشجاعة والرشاقة والدقة لا يستقيمون من دون وجودهم: "إن المؤلفين الجيدين لا يتركون المتلقي فريسة للضجر الذي يسببه عادة التفسير الجاهز لكل قطب بإعتباره تجسيداً آلياً للخير أو الشر، بل يلجؤون إلى التأكيدة مرة أخرى وأخرى على الفروق الممكنة دائماً بين الشر والأشرار، وكذلك بين الخير والأخيار".

مواجهة
وفي حكاية عصام وبوريا تقنية أخرى تفاجئنا بجدتها في الرواية، ففي لحظة/مشهد/ فقرة الصدام بينهما، المنازلة الحتمية بينهما وجهاً لوجه، يوقف الروائي السرد ولا يحسم مصير المواجهة. يهطل الثلج، ويدخل صوت السارد ليشرح لنا أن مصير هذا النزاع عدم الوصول إلى ذروته، فهو سيترك كأمثولة شعبية في أذهان أهالي الحي وفي ثقافتهم، في أغانيهم وأهازجيهم، سيترك المصير النهائي لهذا النزاع إلى الزمن العجوز الحكيم البارع، والعارف بدقة عن تحولات الحكايات في الثقافة الشعبية.

لقد توقفت عروض المسرح في الحي الروسي بسبب الأحداث، فلا يمكن إقناع الممولين بإستثمار ليرة واحدة في خشبة مسرح يقع عملياً تحت لعلعة المدافع ودوي الطائرات وبين هدير جنازير الدبابات وعويل سيارات الإسعاف، وها هي شخصية الممثل عبد الجليل تهلوس رغبةً في العودة إلى خشبة المسرح. وحين يقف على الخشبة، يأخذه الحماس مؤدياً دور نابليون بونابرت. تكون الصالة مكتظة بالعائلات النازحة التي دخلت الصالة كملجأ، ويزعج أداؤه المسرحي الأطفال الرضع النائمين في الصالة-الملجأ. أما عن علاقة عبد الجليل بشخصياته، فيقول: "كل الشخصيات التي عشتها على الخشبة كانت أفضل مني وأعمق وأدق وأشجع وأنبل وأطيب وأجبن وأنذل، وهي كلها، كلها، إنما تحتاج إليّ الآن كما أحتاج إليها، فهي من دوني كممثل، تظل حبراً على ورق، وأنا من دونها أظل مجرد ضجران باهت".

رائحة الأجساد البشرية
كما تؤثر الأحداث العنيفة على المسرح، تؤثر في القراءة، فكل قارئ في الحي يشعر بنفسه مشروع ضحية مستقبلية، فيفقد عملياً أي اهتمام آخر بغير الإقبال على الطعام والشراب والتناسل. ومع ذلك، يستمر الكاتب آركادي كوزميتش، في التعديل على روايته التي تتحدث عن الحرب العالمية الثانية، فيتنبه من القصف الذي تتعرض له غوطة دمشق بقربه، إلى ضرورة أن يضيف إلى روايته رائحة الأجساد البشرية المحترقة والبلاستيك المحروق ودوي الطائرات، فتكسبه معايشة العنف السوري أفكاراً يضيفها على روايته عن الحرب العالمية الثانية.

ترسم الرواية حيوات شخصيات هامشية يقترب منها النزاع رويداً رويداً ليطاولها العنف. كان التلفزيون في البداية وسيط أهالي الحي لمعرفة الفظائع التي تجري في الأحياء المجاورة، وعبر التلفزيون يعلمون بتساقط القتلى بين المتظاهرين، وما تلاه من تشكيل الألوية والكتائب والفيالق المجاهدة. لكن، بعد ذلك، يصل الجنود القتلى من أبناء الحي الروسي، وتتدفق قذائف الهاون الآتية من الغوطة فوق رؤوسهم، وتتزايد أعداد الموتى من المعتقلين، ومن ثم سيقع تفجير سيارة مفخخة في الحي ليشكل تحولاً جذرياً في مجريات الأحداث، التي تذهب أكثر فأكثر بإتجاه آثار العنف.

هذه الشخصيات الهامشية التي يرسمها المؤلف، تعيش بتآلف وتواصل مع الحيوانات، لكل منها أحلامها وأفكارها، بعضها ينجو بإتجاه الكوميديا والهزل وشخصيات أخرى أكثر كآبة وجدية. لكن الدقيق أن الرواية تصور التحول الذي تعيشه هذه الشخصيات كلما اقترب منها العنف والنزاع. فها هو السارد يعترف بأنه أصبح كتلة من الحجر البارد الأصم، لم تعد الفظائع التي تجري أمامه مؤثرة بالنسبه له، لم يعد يرى القتل فعلاً رهيباً، بل مملاً. لقد أمتلك من المناعة والقسوة وغياب الإيمان بأي مثل أعلى، ان أصبح قادراً على النوم عميقاً بعد مشاهدة مجزرة حية كاملة في التلفزيون.

سكان الحي الروسي من ناس وحيوانات، كائنات هشة تشهد الدمار بعيونها، حسب وصف المؤلف، تعيش على حافته المتداعية بلا توقف: "لم نعد نخاف كما لو أننا نخاف، ولا نتألم كما لو أننا نتألم، ولا نأمل كما لو أننا مسلحون بالأمل. لقد أصبحنا نخاف حقاً ونتألم حقاً ونأمل حقاً، نحن الآن ننتظر، حقاً أيضاً، ما سيجري من أجلنا في الحي الروسي في القريب العاجل".
 
(*) صدرت الرواية عن منشورات ضفاف – الإختلاف. وهي ضمن اللائحة القصيرة لجائزة البوكر الأدبية لهذا العام.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها