آخر تحديث:13:30(بيروت)
الأربعاء 12/02/2020
share

أسرار قصة أو قصتين

أحمد عمر | الأربعاء 12/02/2020
شارك المقال :
أسرار قصة أو قصتين قصتي الأولى في المجموعة، اثنتا عشرة دبابة محترقة، جملتان قالتهما إحدى القريبات
لا يزال هناك بشر يقرؤون، وكدت أضيف ظلماً: يقرؤون وعلى قيد الحياة، ففي البدء كان الكلمة. لا يزال بشرٌ يتخذون الكلمة طريقاً للمعرفة، وبعضهم يقول: كانت الكلمة، والصواب كان، لأنها أعمّ. وقد وقع "البيغ بانغ"، الانفجار العظيم الثاني، انفجار قنبلة المعلومات النووية المدمرة، وسميتها النووية لأنَّ الألكترون من عائلة النواة وهو أكبر أبنائها. وقد زادتنا جهلاً، بسبب كثرة الأكاذيب المنشورة، وكثرة السفهاء، ووحشة الطريق، فتكاثرت الصحف، والفضائيات، وصار كل إنسان له فضائية، هو مذيعها ومديرها ومراسلها، وصارت صفحة كل واحد منا صحيفة ومجلة، وضاق الوقت كثيراً على الراتق، وأخذنا الزمن من المخانق، فهي نهاية التاريخ، ونهاية التاريخ عند فوكو ياما غير نهاية التاريخ عندنا. وأقبل الكتّاب على الصورة والفيديو، يكتبون ويروون مقالاتهم بصريا بوساطة التصوير بغير علم، وبعلم، وينشرونها على يوتيوب كما في عهد الحكواتي، لكن مرفقة بصورة مثل صور صندوق الدنيا، فهل عدنا إلى عصر صندوق الدنيا؟

هناك أناس تفضل الكلمة على الصورة، حتى الصورة تحتاج إلى شفيع، هو الكلمة، ليوصلها بطوف نجاة إلى ساحل المعنى، وقد سألني صديق عن قصةٍ لي، صديق واحد وليس عدة أصدقاء، ولا جماهير القراء، وهي أولى القصص في مجموعتي الأخيرة الصادرة بالأمس، وعنوانها "طائرة ورقية براكبين"، سألني عن أصل قصة "اثنتا عشرة دبابة محترقة"، ودينها، فالناس تسأل عن الأديان هذه الأيام، وزعم إنها خبلته، فقلت له: لكل قصةٍ قصةٌ، وكل امرئ كان يوماً نطفة صغيرة من ماء مهين، ووعدته أن أروي له أصل القصة وفصلها، لكني عمدت بداية إلى مقدمة طللية، فذكرت له أشهر رواية عالمية، هي دون كيخوته لسرفانتس، الشهيرة بدون كيشوت، ووصفتُ له عين سرفانتس الساحرة، التي كان يرى بها الأشياء مكبرة أو مصغرة، فيرى طواحين الهواء عمالقة، فيقاتلها، ويرى النعاج أفراساً، وهكذا..

وتختلف عيون الأدباء، فبعضهم ينظر بدقة واقعية مجهرية، وبعضهم يرى الوجوه ضاحكة وبعضهم يراها حزينة، بعضهم معفّرة بالدخان، أو بالنقع، أو يراها محدبة أو مقعرة، ولكل عينه، وتذكرت لصديقي وهو واحد وليس جمهرة من الناس، أراد أن يعرف أسرار قصة، فقلت: سأكشف له سرها، فأنا أدرك صعوبة كتم الأسرار، والكاتب الفحل هو الذي يروي الأسرار، أو هو الذي يروي الواضحات كأنها أسرار مكتومة لم يطلع عليها سواه.

وقلت له إني سأكشف لك كيف استطعت تحويل ذرة من النحاس إلى ذرة ذهب، أو لعلي صبغتها باللون الأصفر، ويقال إن عملية تحويل النحاس إلى ذهب من أشق العمليات الكيماوية، وهي مكلفة مالياً، والحديد أصعب من النحاس تحويلاً إلى الذهب، والتوتياء أشد صعوبة ويتبع ذلك عدد الذرات في المدار الخارجي والوزن الذري والعدد الذري للعنصر المعدني.

وقلت لصديقي توطئةٍ إن أصل رواية "فقهاء الظلام" هي سيرة ذاتية حوّلها بركات إلى رواية كما أحسب، وهي أفضل روايات بركات برأيي وتقديري، وسُئلت مرة عن الشخصية الكردية، فقلت: إن الشخصية الكردية الكرمانجية تجدها في رواية "فقهاء الظلام"، كما تجد صورة المصري في ثلاثية نجيب محفوظ، أو تجد بعض صفاتها الشهيرة.

وزعم صديق لي وهو كاتب معروف أنه تخلى عن صفحته ويئس من عالم الفيسبوك وأمسى يتعاطى الحبوب المهدئة بسبب تعليقات القراء، وأوكل صفحته إلى فريق، فقلت: احلف أنه فريق، قال، الحقيقة: إنَّ زوجتي هي من تولاها، لكني أحببت أن أستعظم من شأن نفسي المهمشة فزعمت أنَّ فريقاً تطوع لخدمتها، ثم قلت لصديقي: وهل فريق زوجتك كرة قدم أم كرة يد؟  قال: بل هو فريق ملاكمة ومصارعة حرة. لذلك أكرر أن صديقا طلب مني أصل القصة وليس فريقا من القراء.

إن جذر قصتي الأولى في المجموعة، اثنتا عشرة دبابة محترقة، جملتان قالتهما إحدى القريبات، زارتنا وروت لنا أنها دخلت أمس كراج القامشلي، والمحدثون الكرد لا يلفظونها إلا قامشلو، كفرٌ واستعراب أن تكون قامشلي، واكفر منها أن تكون القامشلي. وحذف شاعر كردي مغرور اللام من اسمه، وكان يتعرب أيام العروبة وهو اليوم يتكرد، وليس الوحيد. وقامشلي اسم تركي، وهو بالأصل عار من اللام العربية. وذكرتْ قريبتي أنها جفلت من السائقين وهم يسلخونها بنظراتهم المفترسة، وهي سيدة حسناء، طويلة مثل عنق الزرافة، بعيدة مهوى القرط، فاتجهت إليهم غير هيابة، ولا وجلة، وقصفتهم قائلة: السلام عليكم، فانكفؤا وتقهقروا وانطرحوا وانكشطوا مثل السيل. وقلت لصديقي شارحاً: انظر كيف أن امرأة غلبت عشر رجال بتحية كما تفعل كرة البولينغ. إسرافيل يصيح في السور فيتحطم، أما هي فسلمت على عشرة رجال فغلبتهم، وقلت إني سعدت بكتابة القصة، وهي واحدة من أغرب قصصي التي كتبتها، وأسلوبها مختلف.

وسألني عن قصة أخرى نشرت في مجموعة "أست العنزة"، وهي التي حملت المجموعة اسمها تطوعاً وفضلاً، وقد تغيَّر عنوان المجموعة من "أست العنزة" إلى "أنف العنزة" إذ لم تقبل الصحف نشر خبر المجموعة بسبب عيبة اسمها، وقديماً قال الشاعر الحطيئة في قبيلة "أنف الناقة" وكانت تخجل من اسمها، فذهبوا للحطيئة ليقول فيهم شعراً مقابل المال، ففعل وبعدها أصبحت مثار فخر باسمها بين العرب: قوم هم الأنف والأذناب غيرهم / ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا.

دور النشر الألمانية تنشر أول مائة نسخة تجريبية وتعدل لاحقاً الأخطاء المطبعية في الطبعة الثانية، وسنعيد تسمية المجموعة. وسألني عن سبب كتابتها برموز اسبانية ونَسبِ أحداثها إلى الاندلس، فقلت إني من عصر نشأ على الرموز والخوف، وهي عن زعيم كردي (لن أذكر اسمه واللبيب من الإشارة يفهم) وإنَّ القصة واقعة حقيقية رواها لي بطلها، والناس عزفت عن قراءتها، ولو عرفت اسم بطلها لقرأتها، فالناس في عصر البيغ بانغ الثاني مستعجلون، يفضلون قراءة ألف فقاعة على وسائل التواصل على أن يقرؤوا نصاً واحداً بتدبّر، ولا يجهدون نفوسهم في فك مغاليق نص من نحاس طلي بالذهب او ربما حول إلى الذهب، وتدبّر رموزه، ويمكن العودة إلى القصة، وليس كل ما يلمع ذهبا، وسيعرف الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها