آخر تحديث:13:03(بيروت)
الثلاثاء 08/12/2020
share

العام 2020... مقبرة أيديولوجيات التفكير الإيجابي

يارا نحلة | الثلاثاء 08/12/2020
شارك المقال :
العام 2020... مقبرة أيديولوجيات التفكير الإيجابي تشكل الخسارة جوهر الحياة المعاصرة
تشكَل أزماتنا الجماعية، من كوفيد الى الاضطرابات السياسية والتغيرات المناخية، ظرفاً مؤاتياً للتأمل والغوص في الفلسفة. فالفلسفة تبدأ بالإحباط، وفق المفكر الإنكليزي سيمون كريتشلي، الذي يذهب الى القول بأن "الفلسفة ولدت في القبر"، أي من تجربة دفن الموتى والحداد عليهم. الدفن والحداد هما من المظاهر المميزة للعام 2020، لكنهما اتخذا بفعل الجائحة أشكالاً جديدة، أقسى وأكثر مدعاة للعزلة والاغتراب مما اعتاده الانسان المعاصر. فالأدوات التي طورها على مر الحضارات للتعامل مع تجربتي الخسارة والحزن، لا سيما الحداد الجماعي، أصبحت محرّمة. فكيف نتعامل مع كل هذا الموت؟ أين نذهب بإحباطنا؟ وكيف نتعايش مع الشعور الساحق بالخسارة؟

في محاولة لصياغة تحليل ونقد ثقافيين ينطلقان من تساؤلات حول الفقدان والحزن، نظم مركز أبحاث The Culture of Grief في جامعة آلبورغ في الدنمارك، حواراً رقمياً بعنوان "ثقافة الحداد: فلسفة وايكولوجيا وسياسات الفقدان". جمعت الندوة عدداً من المفكرين في ميادين الفلسفة والثقافة وعلم الاجتماع الذين بحثوا في "أمراض الحياة المعاصرة"، سعياً منهم لتكوين فهم أعمق للمآزق الثقافية والوجودية في زمننا الراهن. فبعد قرن من الترويج لمبادئ الربح والكسب الرأسماليين، تشكل الخسارة اليوم جوهر الحياة المعاصرة، وهو ما يستدعي توسيع مفهوم الحِداد الذي لم يعد يقتصر على الأرواح البشرية، بل يشمل الآن كل حياة تنازع في كوكب يحتضر.

لقد بات ممكناً اليوم الحديث عن حزن وغضب بيئيين، وفق تعبير أستاذ الفلسفة النروجي، آرن جوهان الذي يستعيد نظريات فرويد عن دور الطبيعة في مداواة الحزن الناجم عن فقدان شخص عزيز. يشير جوهان الى اعتقاد فرويد في زمنه، باستمرارية وأبدية هذا الدور العلاجي للطبيعة، في حين أنها تحولت اليوم إلى موضوع الحزن نفسه ومسبّب للخسارة والقلق. "لا عزاء في الطبيعة"، يقول جوهان مؤكداً على ضرورة التخلي عن السردية التي أطَّرت القرن الماضي بمزاعم حول حقنا الطبيعي في السعادة والاستهلاك، واستبدالها بأخرى أكثر تشاؤماً وواقعية.

بالنسبة إلى سيمون كريتشلي، يجسد العام 2020، "نموذجاً فلسفياً جيداً". فهو القبر الذي دُفنت فيه "أيديولوجيات التفكير الإيجابي والتعافي النفسي وكل تفاهات الزمن الجديد (New Age)". فهذه الأيديولوجيا توازي، بالنسبة لكريتشلي، "فقدان الذاكرة الاجتماعي"، لكنها في طريقها الى الاندثار تحت وطأة الأزمات المتعاقبة التي ساهمت في إدراكنا "لبشاعة هذا المكان"، ذلك أن كل ما يحدث على الصعيد السياسي أو الثقافي "مجبول بالحزن". وعليه، فإن الإقرار بسلبيتنا، كذوات جريحة وهشة مفتوحة على الألم، ليس فيه شيء من السلبية، وفق كريتشلي الذي يجد مخرجاً من هذه السلبية في ثلاثية "الميلانكوليا، الحِداد، والجنون" التي تحدث عنها فرويد.

و"الجنون" أو الهوس (mania)، بمعناه الفرويدي، يشير هنا الى ردّ الفعل المتمردة للفرد على واقعه الأليم، بصورة مشابهة لردّ فعل الشخصية الميثولوجية الإغريقية "انتيغون" في تمردها على الملك من أجل حقها في الحِداد على فقدان شقيقيها، تماماً كحفلة الجنون التي تظاهرت بها الشخصية الشكسبيرية "هاملت" بعد فقدان الأب. أما من أمثلة الحاضر الواقعي، فيشير كريتشلي الى التظاهرات الأميركية، عقب مقتل جورج فلويد، والتي أطلقت حراكاً سياسياً قِوامه الحِداد و"الجنون".

يحمل الحزن بُعداً سياسياً يولد عند "نقطة التقاطع بين الحِداد الجماعي والاعتراض على عنف الدولة"، وفق المنظّرة النسوية جوديث باتلر. ترفض باتلر شعار "لا تحزن، تحرك" الذي يفترض ثنائية الحِداد والتنظيم السياسي، مشيرةً هي الأخرى الى حركة Black Lives Matter كدليلٍ على تكامل ممارستي الحداد والتغيير السياسي، بدلاً من تعارضهما. ويستدعي هذا التكامل توافر شرط آخر هو إدراكنا الواعي لهشاشتنا الجسدية الذي يُعدّ أساساً للحلول السياسية غير العنفية، تماماً كما يجسد إنكار هذا الضعف وقوداً للحرب. وتتحدث باتلر هنا عن هرمية الحزن وعدم التكافؤ في التوزيع الجيو-سياسي للهشاشة الجسدية، وهي تفاوتات تزداد وضوحاً في خضم الأزمة الحالية. أما المعضلة الأساسية التي تواجه الممارسة الصحية لطقوس الحزن، فتتمثل في تعذّر الحِداد الجماعي، ما يقف عائقاً أمام التبلور العضوي لعملية الحزن، ويخلق شعوراً لدى الأفراد بأنهم عالقون في عزلة الحزن، رغم كونه حالة جامعة.

لا تقدم الفلسفة حلولاً جاهزة للإنسان المتخبط في صراعاته وأزماته، لكن مقاربة إحباطنا وخسائرنا من منظور فلسفي، كفيلة بدفعنا بعيداً من العدمية. فالحزن يعلّمنا أن الخسارة، أي خسارة، سواء في الحياة البشرية أو الطبيعية، أو في المبادئ والمعتقدات، تنعكس علينا بشكل أو بآخر. فما دام هناك حزن، يمكن أن نأمل في أن تكون هناك حياة، وأن تبقى الأبواب نحو العدمية مغلقة، وإن جزئياً. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها