آخر تحديث:12:58(بيروت)
الخميس 31/12/2020
share

سينما مصر 2020.. ديستوبيا مُعاشة

محمد صبحي | الخميس 31/12/2020
شارك المقال :
  • سينما مصر 2020.. ديستوبيا مُعاشة
    عاش يا كابتن
  • ستاشر
    ستاشر
مع نهاية كل عام، تتحفّز المواقع والمجلات السينمائية المتخصصة لإعلان ونشر قوائمها السنوية لأفضل إنجازات العام من أفلام وأحداث ونجوم. لكن في مصر، يستحيل هذا الزخم فراغاً كبيراً وزخماً فارغاً تغلّفه ظلال ثقيلة كفيلة بعصفه وإماتة أي تأثير ممكن، في الوقت الراهن على الأقل. فلا يكتمل أي حديث عن السينما المصرية وأحوالها دون ذكر ما يعوق إستدامتها ويضيّق مداها ويسعى لبسط سلطته عليها. بعبارة أخرى، لا يستقيم أي حديث عن السينما المصرية دون الحديث عن سياسات السلطة والنظام الحاكمين وعلاقة أجهزتها وأذرعها الرقابية بحالة السينما ومناخها.

يكاد يكون تاريخ السينما في مصر هو تاريخ الرقابة عليها. كانت الرقابة بمختلف أشكالها، وستظلّ، تعبيراً عن السلطة السياسية الحاكمة أياً كانت هذه السلطة، في مصر، كما في غيرها من دول العالم. ويمكن تبيُّن توجهات السلطة السياسية والمناخ الاجتماعي بوضوح من خلال ما تمنعه الأجهزة الرقابية أكثر مما تجيزه. في مصر، الممنوع دائماً أكثر من المباح، لذا تجمع الرقابة على النشاط السينمائي بين الرقابة على السيناريو قبل التصوير، والرقابة على الفيلم بعد التصوير، وحتى أنه يمكن سحب ترخيص العرض في أي وقت لأي سبب تراه الرقابة، فهو تصريح مؤقت بصفة دائمة، إذا جاز التعبير.

سؤال الرقابة لا ينفصل عن مسألة التنظيم، فكلاهما مرتبط جذرياً بالهوامش التي تسمح بها السلطة والحدود الضمنية التي لا يصحّ تجاوزها وغيرها من المحاذير المتعارف عليها في الديكتاتوريات الناشئة والعتيدة. فطالما استقر رأس النظام الحاكم على أسسٍ استبدادية وقمعية لتسيير شؤون البلاد، لا مجال للمفاجأة حين تشهد صناعة الفنون عامة، والسينما خاصة، انحداراً ذوقياً وخمولاً موضوعياً واضمحلالاً إنتاجياً. السلطة المصرية لا تريد "وجع الدماغ" ولا صداع الأسئلة، بل تعرف فقط تنفيذ الأوامر وسياسات الحشد والتعبئة. هكذا فقط يمكن فهم الطريقة التي تُدار بها الأمور في مصر، والسينما، بطبيعة الحال، ليست بمعزل عن التأثير. 
مهرجانات وسقطات
مهرجانات السينما كان لا بد أن تُقام، لتجميل المنظر وتسويق "الإصلاح" والدفع بالمرضي عنهم للصفوف الأمامية وتذوّق طعم الأضواء. لكن رغم الجهد المبذول من أجل "الخروج بالشكل اللائق"، شهد المهرجانان الكبيران، الجونة والقاهرة، تطورات وأحداث ارتقت بعضها إلى الفضيحة الكاملة. أخفّ الأضرار كانت في الجونة، بأجوائه الصاخبة والاحتفالية وفساتين نجماته التي لم تستطع مداراة الاستخفاف بالاحترازات الصحّية ولا حالة الفصام الاجتماعي التي يعيشها بعض النجوم عن واقع أحوال البلد.

 أما مهرجان القاهرة، مهرجان الدولة، فاحتفظ لنفسه بسقطة أخلاقية حين أعلن في يونيو تعيين شخصية فاشية ومحرّضة على الكراهية مديراً فنياً له. أحمد شوقي، وهو المدير المعيّن والمستقيل لاحقاً، ناقد سينمائي صاخب قادم من عائلة شرطية، "ابن دولة" استطاع بتفتيح دماغه الترقّي في سلم الصعود الرسمي حتى سبق أترابه ومنافسيه ليصل إلى استحقاقه الكبير.

لكن قوة الجمهور والسوشيال ميديا دخلت على الخطّ، وفي وسط الضجيج ظهرت تغريدة قديمة يزايد فيها على الرئيس السيسي في قمعه، فأطاحت به. الضجة المصاحبة للتعيين بدأت، عن غير قصد، في إشاعة حقيقة مغلوطة وكأن الأمور كانت على ما يرام طوال الوقت وأن ثمة التزاماً بقواعد وتقاليد الاختيار في ما مضى، بينما هذا التعيين الخاطئ هو فقط "مجرد خطأ طارئ". لكن في الواقع، لم يكن وصول شوقي إلى منصبه سوى استكمال لمنظومة غير سليمة ومختلّة منذ عقود، تغلّب الولاء على الكفاءة وتدمن الشللية وعلاقات المصالح. لم يُبعد شوقي عن إدارة المهرجان لأنه عنصري أو فاشي أو متلذذ بالتشفي في الضحايا الأبرياء، بل لأنه أهان رئيس الدولة وأصبح مُضرّاً بـ"البيزنس" التجميلي الموكل بالمهرجان القيام به.

ثم ماذا حدث بعد ذلك؟ لا شيء، لا شيء على الإطلاق. ما زال حضرة الناقد المحترم يكتب مقاله الأسبوعي في جريدة وزارة الثقافة المصرية ويحضر المهرجانات الدولية، وربما بعد عامين أو أكثر نراه مديراً فنياً لمهرجان القاهرة، تماشياً مع عصر جديد نحياه من التطرف الفاشي الدولتي الذي يمثّل شوقي انعكاسه في مصر، كما في غيرها من بقية الدول العربية المحكومة بالخوف والإرهاب.

إيرادات هزيلة
في ختام عام هو الأسوأ على الإطلاق، لا يكاد يكتمل حديث عن حال السينما المصرية دون المرور بتأثيرات الجائحة عليها، كما على سائر مناحي الحياة. على صعيد الإيرادات، شهد العام المنقضي انخفاضاً حاداً في إيرادات الأفلام المعروضة، التي لم تتعد 18 فيلماً، أغلبها بموازنات محدودة ومستويات فنية ضعيفة. ومثلما تسببت الجائحة في إجبار شركات الإنتاج العالمية الكبيرة على إعادة ترتيب جداول التصوير والعرض لإنتاجاتها الضخمة، لم يختلف الوضع في مصر كثيراً، حيث لم يُعرض سوى عدد قليل من الأفلام بعد عودة صالات السينما للعمل بطاقة استيعابية لا تتجاوز 25%، بعد إغلاقها من نهاية مارس/ آذار وحتى نهاية يوليو/ تموز، ضمن إجراءات الإغلاق الجزئي الذي طبّقته مصر لمواجهة الجائحة الصحّية.

عانت الصناعة على مستوى حجم الإنتاج والعرض والإيرادات، ولم تفِ بعض الأفلام برهانات منتجيها الطامحين لحصد أرباح معقولة عبر طرح أفلام قليلة التكلفة، الأمر الذي استوعبه جيداً المنتجون الكبار فتراجعوا عن الدفع بإنتاجاتهم الكبيرة وأجّلوها للعام الجديد على أمل وضوح الرؤية قليلاً حينها. في المقابل، اختار منتجون آخرون الرهان على الوافد الجديد لمعادلة العرض، المنصّات الرقمية، وشهد العام طرح ثلاثة أفلام مصرية مباشرة للعرض عبر الإنترنت.

مفارقة بسيطة توضّح الفرق بين 2020 وما قبلها: في العام الماضي كسرت أفلام حاجز الـ100 مليون جنيه إيرادات للمرة الأولى في تاريخ السينما، بينما في 2020 شهدنا رفع فيلم "فيروس" من دور العرض بعد فشله في تحقيق أي إيرادات.

نقطة ضوء
أخيراً، ولأن الأزمنة ليست كلها سوداء تماماً. شهد العام المنقضي بروز فيلمين مصريين من خارج المنظومة السائدة. الأول هو "ستاشر"، وهو فيلم قصير من إخراج سامح علاء، الذي استطاع تحقيق مفاجأة كبيرة وسعيدة بفوزه بجائزة "السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي". والثاني هو الوثائقي "عاش يا كابتن" لمي زايد، الذي شهد مهرجان تورنتو السينمائي عرضه العالمي الأول قبل أن يحصد جائزة "اليمامة الذهبية" من مهرجان دوك لايبزغ، ثم تتويجه في بلده بثلاث جوائز خلال الدورة الأخيرة من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي. الفيلمان يؤكدان من جديد على بقاء الأمل وسط مناخ كئيب يصدّر اليأس، ففي وقت تجفّف السلطة منابع الإبداع وتغلق النوافذ، بحججٍ ساذجة وغبية، يظل وجود مثل هذه الأفلام القيّمة والنادرة دليلاً على بقية من هواء منعش ما زال بمقدوره النفاذ إلى أرضٍ تمكّن منها الهواء الميّت. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها