آخر تحديث:10:26(بيروت)
الأحد 27/12/2020
share

2020:هجرة حادة للفنانين وفعاليات للتحايل على الإنهيار

حسن الساحلي | الأحد 27/12/2020
شارك المقال :
2020:هجرة حادة للفنانين وفعاليات للتحايل على الإنهيار من معرض محمد المفتي
كان عاماً سيئاً من دون شك على الفن في لبنان، ليس فقط بسبب الإنهيار الإقتصادي والإنفجار الذي اصاب الاحياء الاكثر حيوية من بيروت، بل ايضا بسبب الهجرة المتسارعة والمخيفة للعاملين بالمجال الفني وتحول المدينة منذ 4 اب إلى فضاء للفعاليات الخيرية المتحايلة على الإنهيار الإقتصادي.

في بداية 2020 لم يكن الوضع افضل بكثير، خاصة من ناحية البحث العام عن اساليب لتخطي آثار الانهيار الاقتصادي. مثلاً استغلت الغاليريهات في بيروت الانتفاضة، لجذب الجمهور وزيادة مبيعات الاعمال الفنية، محولة بذلك ابرز مشاهدها إلى ذكريات يعلقها الناس في بيوتهم.

في الوقت نفسه شهدنا صعود نمط من الفن يستجيب للأحداث الآنية بطريقة الإعلانات وحملات الجمعيات (استمر حضوره بعد 4 آب). كما تعزز حضور الفن الثوري (مثل الغرافيتي) في قاعات المعارض والغاليريهات، ما ينطبق ايضا على الكوميكس الذي اتيحت له مساحات اكبر ضمن المراكز الفنية والمجلات والمواقع الإلكترونية. 

صحراء كورونا
في نيسان 2020 أغلقت البلاد كليا بسبب انتشار فيروس كورونا ما ادى الى توقف حركة المعارض والفعاليات الفنية للمرة الثانية في غضون اشهر. لم يشكل ذلك فارقاً كبيراً من ناحية الإنتاج، الذي ترعاه عادة مؤسسات غير ربحية، ولو أن سياقات عرض هذا الانتاج أصبحت اكثر تعقيدا بسبب الإغلاق العام. الخاسر الأكبر اقتصادياً كان الاعمال التي تعتمد على العرض والطلب، من الفن التشكيلي (المتراجع ايضاً بسبب انحسار القدرة الشرائية عند الطبقات العليا) الى الانماط المرتبطة بالمجال الخدماتي كالموسيقى والغناء. 

حاولت بعض المؤسسات استعمال الانترنت للإبقاء على نشاطاتها، لكنها اصطدمت بضرورة تطوير البنى التحتية الافتراضية من مواقع وتطبيقات مخصصة للعرض. بالطبع لم يتح للجميع الإستفادة من الفضاء الافتراضي، وبشكل خاص الفنانين الأدائيين والمسرحيين الذين كانوا الاشد عزلة خلال الإغلاق العام. 

أما الانماط القابلة للنمو في العالم الإفتراضي، فكانت الانماط السمعية والبصرية. مثلا حفز توقف الحفلات الموسيقية على ظهور وسائط جديدة للموسيقى مثل راديوهات الإنترنت، التي جمع بعضها العاملين في المجال ضمن مدن مختلفة، كراديو الحارة الذي تحول بسرعة إلى مكان لقاء وتفاعل عشرات الموسيقيين والفنانين بين لبنان وفلسطين... الذين لم يتح لهم العمل سويا في السابق بسبب عائق الحدود والمكان. حصل الأمر نفسه مع منصات اخرى مثل راديو معازف، راديو كرنتينا، وغيرهما. 

ظهرت ايضاً منصات لعرض الافلام على الإنترنت التي لم يتح للجمهور اللبناني مشاهدتها في السابق. من هذه المنصات: "عشرة" المخصص لأفلام الفيديو التي انتجتها او شاركت بدعمها "أشكال ألوان" خلال العقدين الماضيين، بالإضافة لـ"أفلامنا" التي اطلقتها "بيروت دي سي" بالتعاون مع شركة قبوط للإنتاج. 

 Bipod2020 - Alias Compagnie
في الفترة الفاصلة بين انتهاء الإغلاق العام وعودته، عادت المعارض والفعاليات الفنية الى المدينة لفترة محدودة. بعض هذه الاعمال واكبت التطورات التي يمر بها لبنان والعالم، مثل معرض محمد المفتي "من ثم السكون" في غاليري "392Rmeil393" (الجميزة) الذي كان لا يزال مستمراً حين انفجرت المدينة فوق رؤوس اصحابها. قدم المعرض توثيقاً للأطوار التي مر بها اللبنانيون خلال أقل من عام (من زاوية معمارية) ابتداءً من الحماس المبالغ به الذي اجتاح الناس خلال الإنتفاضة، إلى الخوف من المستقبل مع بداية الإنهيار الإقتصادي، ثم الشلل والموت التام الذي شهده الفضاء العام عند انتشار جائحة كورونا: "كأننا تلقينا دوش مياه ساخنة، ثم دوش مياه باردة ثم دوش مياه ساخنة مجددا" بحسب المفتي. 

في بعض لوحات الفنان تظهر المباني جديدة ولماعة في وسط بيروت، كأنها جاهزة للإستثمار، أما الطرقات فخالية ونظيفة بشكل متناقض مع مشهدها قبل اشهر حين كانت ممتلئة بالناس والافكار والآمال خلال الانتفاضة. كأن المفتي بطريقة او اخرى، أحال إلى فراغ آخر يعيشه اللبنانيون في بيوتهم التي يُحتجزون داخلها، هو معادل للخواء والتصحر الذي يواجهونه منذ توقف حركة الاستثمار والعرض والطلب (الذي ظنوا انه قادر على توليد المعنى في حياتهم لسنوات طويلة). 

 طرحت خلال هذه الفترة اسئلة حول طبيعة هذه الحركة المنتعشة على الدوام للفن بالرغم من التدهور الإجتماعي والإقتصادي العام. وأكثر من صوت تعجّب حول العلاقة الوثيقة التي تجمع كيانات الفن الناشطة بالمصارف، متسائلين حول إمكانية ان يلعب الفن عبر حركته الدائمة  دوراً في تغطية فساد السلطة. ترددتْ في هذا السياق اسماء مؤسسات ومهرجانات، إما تتلقى الدعم المباشر من المصارف أو أسسها اقرباء مصرفيين معروفين بشكل كبير (مثل غاليري صفير – زملر، دار كاف، Beirut art Fair ..).
 

الخلاص عبر الكارثة
حين انفجر المرفأ وتدمرت المدينة، شعر كثيرون أن الخلاص قد أتى، وبأنها الفرصة التي عليهم استغلالها لتحريك عجلة الإقتصاد مجدداً كما قال الرئيس اللبناني في أحد خطاباته. ينطبق هذا على الفن بالتأكيد. فمنذ الإنفجار عاد الإهتمام العالمي بالفن اللبناني، وضخت صناديق الدعم المنح المالية لمساعدة المتضررين.  

بدأت المؤسسات ذات الطابع التجاري بتنظيم المعارض الخيرية بشكل شبيه لتلك التي رأيناها خلال الإنتفاضة، تحت عناوين التضامن والمقاومة والحياة. ومنذ 4 آب حتى اليوم، لا يمر اسبوع من دون فعالية خيرية لدعم المتضررين من الإنفجار، بعضها على شكل معارض جماعية وبعضها الآخر على شكل مزادات علنية. ومن الواضح ان الموضوع أصبح تجارياً بحتاً، بما ان النسبة المخصصة للتبرع تتناقص تدريجياً في هذه الفعاليات لتصل  في بعض الاحيان إلى 30 و 20 بالمئة فقط، ما يعني انها تستعمل عنوان التبرع فقط من اجل زيادة البيع!

من ناحية اخرى، ظهرت مبادرات موثوقة لدعم المتضررين من مؤسسات فنية وفنانين، بعضها اطلقتها مجموعات كانت قد ظهرت خلال الإنتفاضة، مثل عاملين وعاملات في الثقافة، وتجمع المؤسسات الفنية. اظهرت الإستجابة السريعة لهذه المجموعات، تطورها من الناحية التنظيمية، ولعبتْ دوراً في هذا المجال وهو من الاشياء الإيجابية القليلة التي شهدها هذا العام. طبعا، هناك مجموعات اخرى ظهرت بعد الإنفجار، مثل تجمع اغاثة المسرح وتجمع دعم الموسيقيين، لكن يبدو ان وظيفة المجموعات حصرت بجمع التبرعات وتوزيعها على المتضررين من دون ان تتخطى هذه الوظيفة إلى اهداف اخرى.

تعرض الفنانون والمؤسسات الفنية الى اضرار كبيرة بسبب انفجار 4 اب. فالمناطق القريبة من المرفأ، تستقبل نسبة معتبرة من الفنانين وتلامذة الفن (من موسيقيين، سينمائيين، فنانين تشكيليين، فنانين معاصرين...) كما غالبية المؤسسات الفنية الربحية وغير الربحية. 
البعض يتهم الفن بأنه لعب دوراً في تحويل هوية أحياء مثل مارمخايل، أو أقله شارك في "سلدرتها" (أي تبني نموذج سوليدير)، واستبعاد سكانها المنتمين إلى الطبقات الدنيا، بعد المساهمة في رفع اسعار العقارات وتحويل هوية الاحياء التي صبغت بطابع "اكزوتيكي". 

في كل حال، هذا التمركز للعاملين في الثقافة، جعلهم من الفئات الاكثر تضرراً من الإنفجار، ما يفسر موجة الهجرة السريعة للفنانين إلى الخارج، أقله الذين يمتلكون جنسية أخرى أو بإمكانهم العمل مع مؤسسات فنية عابرة للحدود (انتقلت ايضا فعاليات فنيّة من بيروت بسبب هجرة منظميها مثل مهرجان "بايبود" للرقص المعاصر).

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها