آخر تحديث:10:18(بيروت)
الأحد 27/12/2020
share

"بيج رامي": بطل رياضتنا الوحيدة

شادي لويس | الأحد 27/12/2020
شارك المقال :
"بيج رامي": بطل رياضتنا الوحيدة ممدوح السبيعي
يفوز المصري، ممدوح السبيعي، بلقب مستر أولمبيا، ليتوج على قمة منافسات كمال الأجسام للعام 2020. السبيعي، المعروف أيضا باسم "بيغ رامي" أي رامي الكبير، هو ثاني عربي يحصل على اللقب بعد "أسد لبنان"، سمير بنوت، في العام 1983. يستحق الفوز باللقب ما ناله من احتفاء في مصر، وأيضاً ما لحق به من تبرم. فالبطولة التي ينظمها الاتحاد الدولي لكمال الأجسام واللياقة، نادراً ما غادر لقبها الولايات المتحدة، وواحد من أشهر أبطالها كان النمساوي أرنولد شوارزنيغر، والذي مكنه الفوز بالبطولة سبع مرات من الولوج من باب واسع إلي شاشات هوليوود، ومن بعدها إلى عالم السياسية الأميركية، ليصبح لفترتين متتاليتين حاكماً جمهورياً لولاية كاليفورنيا. 
كان فيلم شوازنيغر "ذا ترميناتور" (1984) أول فيلم أشاهده على جهاز فيديو في طفولتي، عضلات مستر أولمبيا الأشهر، لم تكن مجرد علامة على الدفع بالجسماني إلى حدوده القصوى، بل بتجاوزها تماماً، بالوصول إلى ما فوق بشري، بالفانتازي وبالخيالي العلمي، مجسداً في ديستوبيا مستقبلية، الكل فيها ضد الكل. الكتاب الأول الذي اشتريته في بداية المرحلة الإعدادية، دون وصاية من والداي، كان عن كمال الأجسام، الكاتب بطل مصري، لا أذكر اسمه، اقترب من بعض الألقاب العالمية، وإن لم ينل أيا منها. كنت صبياً نحيفاً جداً وبظهر منحنٍ، ورغبت في اكتساب هيئة مقبولة على حافة المراهقة المثيرة للرعب، حيث تكتشف الأبدان، تختبر وتقيم، ليحتفى بها أو تصبح مصدراً لعار يلاحق المرء لزمن طويل. 
يكتب أرنولد بيسير "الساحات الرياضية معمل شبه مثالي للبحث النفسي"، ويمكن القول إنها أيضاً المختبر المثالي للاستقصاء الاجتماعي. باستثناء كرة القدم، التي تُشاهد أكثر مما تُمارس، تبدو كمال الأجسام وكأنها الرياضة الأولى في مصر، بل وحتى الوحيدة. قبل ظهور "جيم" الطبقة الوسطى، وبعيداً عن نوادي الشرائح الاجتماعية الأعلى، ومع ندرة المساحات الخضراء والمفتوحة، كانت ولا تزال "صالات الحديد" هي المتنفس منخفض الكلفة وشبه الحصري أمام المراهقين والبالغين لممارسة الرياضة اليومية. صالات الشقق الضيقة والرطبة الممتلئة برائحة العرق والباحات الخلفية بأرضياتها الترابية، مصانع لرجولة مغلقة على ذاتها، تهاب المواجهة المباشرة وتستعيض عنها بالمقارنات والتباهي عن بعد. رياضة مناسبة لعالم راكد ومحدود الإمكانات والفضاءات، حيث التغيير الوحيد الممكن هو تحدي الجسد لنفسه، وعلامة انتصاره هو الضخامة. الرياضات التنافسية تستلزم حدا أدنى من تكافؤ الفرص. إيمان ما بإمكانية العدالة، وبقبول الهزيمة أو النصر بحسب القواعد، لكن هذا كله غير ممكن. في صالات الحديد ينظر المرء إلى صورته منعكسة عشرات المرات في المرايا التي تغطي الحوائط من حوله، ويتبادل مع غيره نظرات الغيرة أو الاستهتار بطرف العين، صرخات التشجيع، "عاش يا كابتن" شعار لرفاقية عاجزة وفي حالة إنكار. كباتن الصالات التي ترددت عليها في التسعينات، كان معظمهم ملتحين. الرغبة المحافظة في قمع الجسد والتباهي به في الوقت نفسه، مناسبة تماماً لتدين سياسي، فردي أو تنظيمي، بنفس القدر. 

في كتابه المصور "مصر، أم وابن" (2014)، أحد اشهر الأعمال الفوتوغرافية عن مصر في هذا العقد، يلتقط الفرنسي المقيم في القاهرة، دينيس ديلو، مجموعة العلاقات الملتبسة، بين العائلة والدين والطبقة والجندر، متقاطعة على أرضية رياضتنا الأولى. سلسلة صور أبطال كمال الأجسام إلى جانب أمهاتهم، تكشف عن تلك التنافرات الحميمة والمقلقة، بين أجساد الرجال العارية وأمهاتهم بشيخوخة أبدانهن مستورة بملابسهن المحافظة، بين العضلات النافرة بتباهٍ وقح ونظرات الخضوع والحنو المتبادلة بين الابن والأم، تلك المفارقات بالرغم من مسحتها الاستشراقية، تفرض شعورا بعدم الارتياح ممزوجاً بشهوانية محرمة، كاشفة عن تلك المساحة التي تحتلها رياضتنا الأولى، تحت السطح ودون أن ندري.

"كمال الأجسام"، الترجمة غير الدقيقة لإسم الرياضة في العربية، مثير للحيرة في حد ذاته، ويشي بالكثير من دون قصد. “بناء الأجسام"على الأرجح هي الصيغة الأدق. من إين جاءت فكرة الكمال التجديفية؟ ربما كانت محاولة ركيكة ولكن واعية للمقارنة بين ثنائيات الكمال والجمال، والتفريق بينهما، المقابلة بين مستر أولمبيا ومس يونفيرس، كقطبين للاستعراض الجسدي المطلق. أو لعلها قناعة ضمنية بفكرة الوصول إلى أقصى حدود الإنساني، في نسخة هوليوودية. 
المتبرمون من الاحتفاء بفوز "بيج رامي"، يظنون أن ما هو فوق إنساني هو غير إنساني بالضرورة. يزعج بعضهم الجوهر الاستعراضي للعبة بالعموم، ولإحالتها السياسية محلياً، بتلك الصلة مع صور عرض لكلية الشرطة المصرية في أكتوبر الماضي، حيث وقف بعض طلبتها عراة على منصات متدرجة أمام الرئيس، مكشوفي الصدور وأجسادهم تبرق بالزيت، وهم يستعرضون عضلاتهم كما في مسابقات كمال الأجسام، رياضتنا الوطنية الوحيدة. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها