آخر تحديث:14:07(بيروت)
السبت 26/12/2020
share

في مشكلة النص والتجربة

روجيه عوطة | السبت 26/12/2020
شارك المقال :
في مشكلة النص والتجربة لماذا نرفع من مكانة نص يصدر عن تجربة؟
قرأت منذ أيام مقالة، دبجها كاتب عن أحد أصدقائه الروائيين. خلالها، ولكي يقرظ رواياته، وهي تستحق التقريظ بالطبع، أشار الى كونها تنم عن تجربة. فعلياً، الأمر الذي استوقفني هنا هو استفهام خطر في بالي عند قراءتي لهذا التقريظ: لماذا نرفع من مكانة نص يصدر عن تجربة، لماذا يصير النص، وفي اثر هذه التجربة، على قيمة أعلى مما هو عليه في حين أنه من دونها؟

تتعدد الاجوبة على هذا الاستفهام، ولكنني، وفي هذه الجهة، اكتفي بجواب بعينه: لأن النص، وحين يكتب للحديث عن تجربة، أو حين يكتب منها، فهو يكون صادقاً أكثر. بالتالي، وتطويلاً لأطروحة هذا الجواب، يمكن القول أن النص يرتبط بالتجربة على أساس أنه تمثيل لها - أياً كان شكله. فمن جهة، ثمة تجربة، ومن جهة أخرى، ثمة نص يضاهيها، ينقلها، يقدمها، وبين الاثنين، ثمة كتابة تريد أن تنقل الأولى الى الثانية، وكل قيمتها تستمدها من كونها تصيب في نقلها هذا ليكون نقلاً دقيقاً. فالكتابة الجيدة هي الكتابة التي تقدر على أن تدور حيث التجربة، بالانطلاق من تفصيل منها، أو من كلّيانيّتها حتى. ونتيجة ذلك، تفضي الى نص يكون على صلة محددة بالتجربة تلك، وهي صلة استيحاء بالمعنى الواسع للكلمة، ففي اثر هذه الصلة، يكون النص على حياته من التجربة، وهي حياة قد جعلته كتابتها عليها.

في الحقيقة، جزء لا بأس به من هذا الجواب أجده مقنعاً، وفي حال قررت شرح مرد اقتناعي هذا، فأشير الى الإحساس الذي يعتريني حين أقرأ رواية "لا تنم عن تجربة". إذ أحس بأنها ليست رواية، بل ادعاء رواية، وفي الكثير من الأحيان، يسجل ادعاؤها هذا رميها الى الاطناب الذي يمدها بضخامة لا تبدد كونها بلا أي أثر للحياة السردية فيها. تماماً، كما في حالة "السردوقراطي" (بالإحالة الى التكنوقراطي)، الذي يحصي عدد كلمات روايته وصفحاتها، مستعرضاً إنجازه، أما روايته، فتكون، وعلى قول يوهان فايربر، "رمادية": الرواية هي صورة عن الرواية.

على أنني، وان اقتنعت بجزء من ذلك الجواب، وقدمت مرده، فهذا لا يمنعني من البحث فيه. فأن تُرفع قيمة نص لأنه يصدر، وبالكتابة، عن تجربة. فهذا، أيضاً، يرتبط بكونه يخبر القارئ شيئاً ما عنها. وإخباره له هذا، يشير الى وظيفته حياله، وهي وظيفة معرفية. فالنص يمد القارئ بمعرفة عن التجربة، وأن يفعل ذلك، فهذا يعني أنه على علاقة بذلك "الشيء ما عنها"، الذي يمكن القول إنه الحقيقة. على هذا النحو، النص، وفي هذه الناحية، هو محل معرفة بالتجربة، محل معرفة بحقيقتها، التي ينقلها للقارئ. وهو بالتأكيد، لا يمكن أن يحقق له هذا سوى إن كان، وفي الأساس، ينم عنها. باختصار: القارئ ينتظر من النص، الذي ينم عن تجربة، أن يؤمن له المعرفة بها وبحقيقتها، وحين يفعل ذلك، يكون على مكانته. ولكن، ماذا يعرف النص عن التجربة؟ سؤال عويص جداً، لذا، أختزل البحث فيه بخاطرة دون غيرها.

فقد كان النص، وفي نحوه الديني، يخلق التجربة، يؤسسها. على هذا المنوال، معرفته بها كانت، وبشكل من الاشكال، بديهية. على انه، وعند انفصال التجربة عنه، عن كونه خالقها، ومؤسسها، صار مسكوناً بطموح معرفتها على أساس أنه سبيل إلى إعادة وصلها به مثلما كان الوضع في ماضيه. هذا الطموح، الذي غالبا ما ينقلب هجساً، هو، وبحد ذاته، يشير إلى أمر معين، وهو انه لا يتحمل لامعرفته بالتجربة، بحقيقتها. فالنص، ومهما نقل تلك التجربة، مهما عرف بها، فهو ينطلق من كونه لا يعرفها، لا بل انه، وحين يطنب في هذه المعرفة، في الرمي إليها، فهذا لأنه يطيح بلامعرفته، ينكرها خوفاً منها. اللامعرفة بالتجربة هي، وحين لا يهرب النص منها، ولا يلاصقها، بل يجد مسافته منها، تجعله على بهائه، كما أنها تكون "عصَبه". فهو، وحين يكون على مكانة ما، فهذا ليس لأنه ينم عن تجربة، بل لأنه ينم عن شيء معين حيالها، وهي انه، وفي حين نمه عنها، ينطلق من لامعرفته بها ويدور حولها. وبذلك، تكون لامعرفته هي مطلع علاقته بالتجربة مثلما انها خاتمتها.

هنا، اضيف ملاحظة على وجهة نظري حيال احساسي عند قراءة رواية "السردوقراطية". إذ أنها تكون ادعاء رواية، "رواية رمادية"، ليس لأنها لا تنم عن تجربة، فهذه ليست مشكلتها الاساسية، إنما هي كونها على ذلك الطموح، على أقصاه، اي على طموح المعرفة بها. وهذا، كما لو انها تقوم باعتقاد ان نصها يقدر فعلاً على معرفة حقيقة التجربة، على الإحاطة بها، على نقلها، على تمثيلها، وكما لو أنها تقوم باعتقاد ان اللامعرفة ليست موجودة البتة. فأن تكون الرواية "السردوقراطية" ادعاء رواية، فهذا لأنها، وبالادعاء، تحاول نبذ اللامعرفة، ولأن هذا الادعاء يحضر في كل رواية من قبيلها. وذلك، حتى لو كانت، وعلى عكسها، "محبوكة"، ولكنها، وعلى منوالها، تسعى إلى الغاء اللامعرفة. الا ان الخبر السار للغاية: ان اللامعرفة لا تُلغى البتة. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"