آخر تحديث:12:37(بيروت)
الأربعاء 23/12/2020
share

رياض سيف في شهادته: هذا ما اقترفه اقتصاد الأسد(1-2)

محمد حجيري | الأربعاء 23/12/2020
شارك المقال :
رياض سيف في شهادته: هذا ما اقترفه اقتصاد الأسد(1-2) رياض سيف
كان جيداً أن يصدر كتاب "رياض سيف/ سيرة ذاتية وشهادة للتاريخ"(*)، في الوقت الذي أصبح فيه رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، خارج جنة الحكم والاقتصاد و"التشبيح"، وهو ما زال يرسل الفيديوهات متوسلاً قريبه لإعادته الى الحاشية الرئاسية، كحوت مالي يلتهم قوت السوريين، وتسلمتْ "السيدة الأولى" دفة شركات الرجل الذي كان "شريك" المواطنين السوريين في كل شيء، بمعنى أنه قاسَمهم حتى رغيف خبزهم. ورامي مخلوف ليس مستقلاً في فساد، فهو ابن النظام المدلل، وفساده برعاية أسدية...

ومُراد الربط بين طرد ابن خال الأسد أو تجريده من ثرواته، وسيرة رياض سيف، أن نظام الأسد "اكتشف" الآن ما كان أشار إليه رياض سيف قبل ربع قرن. فالأخير، حين انتخب عضواً في مجلس الشعب السوري (1994 -1998)، أصدر دراسةً حول الاقتصاد السوري، تتّهم الحكومة بالفساد وتدعو إلى إصلاحٍ سياسيٍّ وقضاءٍ نزيهٍ من أجل استقطاب المستثمرين وتحريك عجلة الاقتصاد، بل تبيّن وثيقته كيف تنهب أموال الدولة من قبل أصحاب الامتيازات، وكيف كانت كل القوانين المقترحة مـن الحكومة تُقر، من دون السـماح بإجراء تعديل، وتُناقش بطريقة صُورية مسرحية من قبل "جوقـة من الأعضاء أصحاب المواهب في الخطابة والتضليل الإعلامي من المنتمين لحزب البعث أو أحزاب "الجبهة الوطنية التقدمية"، من دون أن يكون هناك "معنى حقيقي لأي نقاشٍ جاد"، والمراسيم تصدر بـ"الترغيب إن أمكن أو بالترهيب والتأديب إذا تطلب ذلك".

وفي وقتٍ لاحقٍ، انتقد سيف صراحةً منح شركة يملكها رامي مخلوف، احتكار قطاع خدمات اتصالات الهاتف المحمول، فقيل له من قبل الفروع الأمنية أنك "تتجاوز الخط الأحمر"، ولم يُسمح له بإبراز وثائق تظهر الفساد، وهو صاحب المنشآت الصناعية التي تضم اكثر من ألف عامل، دفع ثمن مواقفه من شركة مخلوف، إذ اتُّهم بالتهرب الضريبي من قبل وزارة المالية، وغُرِّم بمبلغ كبير أدى إلى إفلاسه...

المُراد القول إن سوريا في ظل نظام آل الأسد، هي "سوريا الأسد"، يمكن أن يتوقع المرء منها أي شيء طالما أن البلاد لا تحكمها القوانين، وتتحكم فيها الاعتباطية التي تنتج الكوارث، من صعود شبيح اسمه رامي مخلوف، إلى تعيين "المفتي" حسون الذي يعرف بكل شي إلا بالدين... و"سوريا الأسد" أنهت مخلوف، الجناح المالي في نظامها، بالطريقة نفسها التي أنهت بها مصانع النائب المستقل رياض سيف. هي سياسة السلبطة، لا سياسة القانون والحقوق، السلبطة في تلزيم مخلوف والسلبطة في فرض الضرائب على رياض سيف، لمجرد أن سيف حاول أن يكون صناعياً حقيقياً ويتخطى "خنفشارية" اقتصاد البعث. لا يفكر النظام الأسدي كثيراً بمآلات الأمور، ولا يعنيه إن كانت منشآت رياض سيف تضم مئات العمال، بل هدفه الأبرز أن يكون الجميع في القطيع...

وسيرة رياض سيف أو شهادته، هدفه منها "إظهار الحقيقة وجعل تجاربه، في الصناعة والتشريع والسياسة، موضوعاً عاماً للقراءة والفهم والتمثُّل والنقد. فهي سيرةٌ تحمل رسالة، بقدر ما تصف تجربة"(المقدمة ص6).. ومأساة البرجوازي الدمشقي والصناعي المعارض والمنشق، هي صورة مصغرة عن مأساة سوريّة، ووجه من وجوهها، ومعنى من معانيها، وتتلخص المأساة "في وجود أعمال خاصة، وعدم وجود قوانين عامة، أي في حلول الامتيازات محل الحقوق، والولاءات ما قبل الوطنية محل القانون، وهذه الامتيازات والولاءات تمسخ الأعمال الخاصة، وتهدر قيم العمل والإنتاج الاجتماعي، وتفتح أبواب الفساد والنهب السافر لقوة عمل المجتمع"، بحسب مقدمة الكتاب التي كتبها الماركسي عبد الكريم الجباعي، وهي بشكل من الأشكال، تنتج رامي مخلوف وأشباهه.

وصاحب القضية، أو رياض سيف الذي استهوته الزراعة في البداية، توصل بعد الاطلاع على ثقافتها "أنه ليست ثمة جدوى اقتصادية يمكن تحقيقها من مساحة صغيرة من الأرض"، فتوجه نحو النشاط الصناعي، لأن شروطه كانت أقرب إلى طبيعته... وهو يميز بين الصناعي والتاجر، فالتجارة لا وطن لها، ولديها هدف وحيد هو الربح بعض النظر عن مصدره ونوع البضاعة ومدى نفعها أو ضررها على الإنسان، وغالباً "ما يستخدم التاجر حربقاته الفردية لتحقيق ذلك"، والتي عرفت باسم شطارة التاجر وهي حصيلة من الجشع والاحتكار. أما الصناعة فهي ثابتة في أرض الوطن، وهي فعل مبدع لخلق منتج جديد، تمتاز بالروح الجماعية وتوفر أفضل فرص للعمل ضمن وحدات إنتاجية. لكن، في سورية، بحسب رياض سيف، "حرص حافظ الأسد على إعدام أية فرصة لنشوء صناعة قوية تهيئ الظروف لتقدم دور المجتمع المدني ولبناء مؤسساته، خشية أن يشكل ذلك خطورةً على نظامه، وخاصة في حال نمو القطاع الخاص الصناعي"(ص26). بل كانت استراتيجية الأسد، منــذ تسلم السلطة وحتى صدور قانون الاستثمار رقم 10 عام 1991، تقوم على " تقزيـم القطاع الصناعي الخاص وإفساد القطاع الصناعي العامّ، بل وسنّ قوانين ناظمـة للصناعة، إما تعجيزية أو غير قابلة للتطبيق، بحيث لم تُبنَ أية مدينة أو منطقة صناعية جديدة في عهده"(ص26).

وحين خاض رياض سيف غمار "السياسة" في ظل "سورية الأسد"، قرر ترشيح نفسه لعضوية "مجلس الشعب" أملاً في ذلك الموقع، ليس فقط لتعميم تجربته في الصناعة علـى كافَّة أنحاء سورية مـن أجل توفير فُرص عمل و"بناء اقتصاد ومجتمع متطورين ومزدهرين، وإنما أيضاً لمحاربة الفساد". فالصناعي صاحب منشآت اقتصادية أثبتتْ أنها تستطيع تحقيق التقدم والوصول الى السوق العالمية، في حل توفر الحد الأدنى من المناخ المناسب، وكف يد أجهزة الدولة الأمنية والسلطوية عنها. وكانت جهوده طيلة الفترة الأولى من ولايته كنائب في مجلس الشعب، تنصبّ على المطالبة بالإصلاح الاقتصادي والمالي. يقول سيف: "هكذا دخلتُ معارك غير متكافئة مع الحكومة ومافيات الفساد، كانت نتيجتها الطبيعية في نهاية الدور التشريعي السادس أن خرجتُ مهزوماً منها"، وقد خسر كل ما جناه فـي حياته نتيجة ضرائب مفتعلة. وكانت الخسارة الأفدح هي فقدانه ابنه اياد فـي ظروف غامضـة وملتبسة العام 1996...

حين يطالع القارئ (اللبناني تحديداً) سيرة المعارض السوري رياض سيف، لا بدّ أن يقارن بين الواقع السوري الأسدي، أو سوريا بنسختها الأسدية، والواقع اللبناني الطوائفي، من النواحي الاقتصادية والمالية، وكيف تدار الأمور بمنطق العصابة. وسيصل القارئ إلى خلاصة، أن ما بين لبنان سوريا فساد واحد في اللادولتين.
(يتبع..) 

(*) صدر عن مؤسسة الجديد، تحرير أكرم البنّي وأسامة عاشور، تقديم عبد الكريم الجباعي.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"