آخر تحديث:08:32(بيروت)
الأحد 20/12/2020
share

"غزة مونامور": عنها وبدون الكثير منها

شادي لويس | الأحد 20/12/2020
شارك المقال :
  • "غزة مونامور": عنها وبدون الكثير منها
    يتفادى الفيلم الخطابات النضالية، بنفس قدر بعده عن السرديات البؤسوية والبيانات السياسية المباشرة.
  • ملصق الفيلم
    ملصق الفيلم
يحيلنا عنوان الفيلم الفلسطيني "غزة مونامور" (2020)، بالضرورة إلى "هيروشيما مونامور" (1959) للفرنسي آلان رينيه. التناص يتخطى العنوان، إلى إيماءة توحي بعلاقة أسلوبية ونظام متقارب للمعنى بين الفيلمين. الدراما البسيطة للحياة اليومية وقصص الحب، تعيش داخل المأساة وتتجاوزها، في هيروشيما الكارثة النووية وكذا في غزة الحصار. المشهد الافتتاحي من "غزة مونامور"، يحيل إلى فيلم آخر غير محدد، يجلس أفراد الأمن الحمساويين يشاهدون فيلم أكشن غربي، زخات اطلاق النار التي نسمعها في البداية تصدر من التلفاز.
الفيلم الذي سيمثل فلسطين في دورة الأوسكار القادمة، تدور أحداثه في غزة، لكن يتخلله كولاج لمقاطع من أفلام مصرية من عقد السبعينات ومسلسلات تركية حديثة مدبلجة، مع بعض الأغاني الإسبانية والمصرية، وموسيقى أوبرا إيطالية من منتصف القرن التاسع عشر. كل هذا يشير إلى الطبيعة الهجينة للنص السينمائي، ولصناعته أيضاً، فموازنة الفيلم تأتي من إنتاج فلسطيني- فرنسي- ألماني- برتغالي- قطري مشترك. ترتبط غزة بهيروشيما، كما أنها وعلى الرغم من الحصار الطويل، يربطها شيء ما بكل تلك الأماكن، القريب منها والبعيد، ويتقاطع حاضرها مع العديد من الأزمنة المتعايشة معاً. تلك الألفة المهجنة مقصودة بالطبع من صناع الفيلم، ومفروضة عليهم أيضاً بلا شك. الفيلم عن غزة، لكنه صُوّر بين الأردن والبرتغال، فالدخول إلى القطاع والعمل داخله يكاد أن يكون مستحيلاً. التصميمات الخارجية التي أشرف عليها مخرجا الفيلم، عرب وطرزان ناصر، تحاكي شوارع مخيم الشاطئ، لكن تظل إمكانية عرض الفيلم في القطاع غير واردة، فلا توجد قاعات للسينما في غزة. ولطالما أشار صناع الأفلام من القطاع إلى هذه الحقيقة/المفارقة، بل وإلى أن بعضهم لم تتح له فرصة حضور عرض في قاعة سينما حقيقية على الإطلاق.
يتقاطع في "غزة مونامور" خطان للأحداث، الأول قصة حب الصياد الستيني عيسى، لجارته في السوق، سهام، المرأة الستينية أيضاً والتي تعمل في محل تفصيل ملابس. فيما يتتبع الخط الثاني، اكتشاف تمثال آثري للأله أبولو غارقاً قبالة شاطئ غزة. يتفادى الفيلم الخطابات النضالية، بقدر بعده عن السرديات البؤسوية والبيانات السياسية المباشرة. يخدم الخط الأول أنسنة الوضع في غزة، بمزيج من كوميديا خفيفة وذكية، ويبدو خيار قصة حب الستينية مناسبة تماماً لأجل ذلك الغرض. فالتشبع بصورة الفلسطيني الضحية، كما أسبغت على الفلسطينيين إنسانية ناقصة ومبتورة، فهي أيضا من فرط تكرارها فقدت تأثيرها المحرض على التعاطف، بل ربما اكتسبت أثراً عكسيا منفراً، أو لامبالياً في أفضل الأحوال. يركز الخط الثاني على نقد الوضع الفلسطيني الداخلي، وبالأخص سلطة حماس في غزة، فالمفارقات التي يثيرها اكتشاف التمثال العاري وقضيبه المنتصب- وهي قصة حقيقية وقعت في العام 2014- يكشف عن التوتر داخل القطاع، الشد والجذب بين الضابط واختصاصي المتحف، والاحتكاك الخشن بين الأمن والمواطن، والعلاقة المتنافرة بين تفسيرات بعينها للإسلام وتواريخ وهويات فلسطينية أقدم، وكذا المقارنة الضمنية بين صواريخ وبروباغندا حماس وقضيب التمثال المكسور. 

الكوميديا الاجتماعية الخفيفة لأبطال سن المعاش، التي يعود الفضل في توسع قاعدة جماهيريتها إلى هوليوود، بالإضافة إلى تيمات نقد الإسلام الأصولي، والتابوه الجنسي المكبوت، مع السخرية من السلطوية السياسية. يبدو تيماته خليطاً جذاباً ومناسباً للمهرجانات الدولية ولجمهور السينما الفنية في الغرب، ويوافق التوقعات من فيلم بإنتاج مشترك من المنطقة أو عنها. لكن تلك الجاذبية، مع قدرتها على  تقديم الفلسطيني في صورة الإنسان ثلاثي الأبعاد، لا البطل ولا الضحية، فإنها أغفلت جوانب جوهرية من السياق، لأسباب يمكن تفهمها بالطبع، لكنه تنتهي إلى طرح تصور مسطح بل وربما مضلل أيضاً.

يبدو أثر الحصار واضحاً معظم الوقت، الظلام الطويل بسبب وتيرة انقطاع التيار الكهربائي، الصعوبات الاقتصادية، حركة البيع والشراء البطيئة والأجور المتدنية، لكن كل تلك الصعوبات يمكن تصورها في أماكن أخرى، ولا تعبّر بالضرورة عن خصوصية الوضع في غزة، أو بالأحرى استثنائية. الإشارات إلى إسرائيل تظل قائمة لكن ضمنية معظم الوقت، طائرة صغيرة محلقة من بعيد في الأعلى بلا صوت، قصف وحيد نسمع انفجاراته ونرى ضوءاً في الأفق للحظة، حدود الحصار البحرية التي لا يمكن تعديها. يقع أثر هذا كله في الفيلم وكأنه صوت خافت ومتقطع لضوضاء خلفية للأحداث يمكن تجاهلها.. غزة كمدينة نمطية في دولة من دول الجنوب، يعاني سكانها الخليط المعتاد من فساد سياسي وأوضاع اقتصادية غير مواتية، مع فلاشات انفجارات نادرة تبرق أحياناً عن بعد، وقصص حب لطيفة يتخللها الكثير من الكوميديا لتخفيف أي شعور بعدم الراحة، وخاتمة سعيدة، يشعر تجاهها الجمهور بخليط من الدفء والرضا عن النفس.  

الفيلم الذي يحمل اسم غزة، يظل فيلماً عنها، بالقدر الذي سمح به التوازن الهش والصعب لأحمال سياسية ثقيلة، بين أنسنة الفلسطيني وبين السعي لئلا يتحول كل فيلم عن القطاع إلى نشرة أخبار حربية مقبضة. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها