آخر تحديث:12:34(بيروت)
الأحد 20/12/2020
share

رسائل 2020... لنتخيل ماذا سيحدث لو توقفت الحروب(1-2)

مازن عرفة | الأحد 20/12/2020
شارك المقال :
رسائل 2020... لنتخيل ماذا سيحدث لو توقفت الحروب(1-2) الرسام البولندي باول كوتشينسكي،
(*) هنا رسالة الروائي السوري المقيم في المانيا مازن عرفة، وهي من سلسلة رسائل يوجهها الشعراء والكتّاب مع نهاية العام 2020، باقتراح وطلب من "المدن".
كتب لي صديق يمثل موقعاً إلكترونياً عربياً "أعمل على استبيان مع نهاية العام، وهو عبارة عن رسالة يوجهها الكاتب لأحد يهمه، أو شيء يهمه، أتمنى منك المشاركة"... كم هو سهل هذا السؤال وبسيط في الظاهر، لكنه معقد ومتشابك في العمق!

ماذا تعني لي، ولكثير من الناس، نهاية العام، أو بدايته، أو منتصفه، في هذا الزمن، الذي نعيشه الآن، سوى المزيد من الخراب والدمار، المادي والاجتماعي والنفسي والروحي، الذي يصيب عالمنا، وخاصة في منطقة "شرق المتوسط".

لم نعد نشعر بالزمن البليد، الذي يرافقنا إلا بما يحمل لنا من انهيارات جديدة، ومزيداً من التشظي. هل هي إرهاصات نفسية وفكرية، بفعل الضغوط اليومية، وانسداد أفق المستقبل، على المستوى الفردي والجمعي، أم أن الانفجارات المجتمعية العميقة ـ تلك التي نسميها "ثورات" ـ تعيش مخاضات طويلة، وتأتي نتائجها متأخرة؟ وما مدى إمكانية التحولات الاجتماعية وعمقها في عالم أضحى مترابطاً إلكترونياً وعولمياً أكثر فأكثر، بحيث يندمج المحلي مع الدولي دون انفكاك؟ ومع ذلك، نكتشف فجأة مدى هشاشة هذه العولمة أمام اجتياح وباء، لا يهدد فقط اقتصاديات العالم، بل ومدى ترابطنا الإنساني والاجتماعي ـ النفسي، حتى غدا تهديداً وجودياً.

... ومع ذلك نبحث عن فسحة أمل فردية، عن لحظة لقاء إنساني أفضل. وهي فرصة لإجراء جردة حساب، لا ترتبط بنهاية عام، وإنما بمرور مرحلة تغيرات عميقة في حياتنا.

بعد الحرب العالمية الأولى، ساد شعور طاغ في الغرب، بين الأوساط الفكرية والأدبية والفنية ـ تعمق بعد الحرب العالمية الثانية ـ بأن كل القيم الحضارية، التي كان يفتخر بها، منذ عصر التنوير، انهارت مع النتائج الكارثية لهاتين الحربين، سواء ما يتعلق بأعداد القتلى، أو بالدمار الشامل للبلدان. وهذا ما انعكس في نشوء تيارات فكرية، في الفلسفة والأدب والفن، ترتكز على الشك والقلق وضياع الإنسان واغترابه، وخاصة في السوريالية والوجودية، وما تفرع منهما تالياً.

اعتبرت دول الحلفاء المنتصرة، في الحرب العالمية الثانية، نفسها "محوراً للخير"، في مواجهة النازية والفاشيات المختلفة المهزومة، التي نظرت إليها " محوراً للشر". لكن دولاً، مثل فرنسا وبريطانيا، كانت هي في الوقت نفسه "شراً"، لما كان يُسمى "دول العالم الثالث"، باستعمارها الوحشي لها واستنزاف ثرواتها. وفي حين استخدمت الولايات المتحدة القنبلة الذرية ضد اليابان، أنتج الاتحاد السوفياتي نظاماً ديكتاتورياً ستالينياً، كمعادل تطبيقي للفلسفة الماركسية الطوباوية، هو الأسوأ بوحشيته في العالم، وسيشكل نموذجاً ملهماً لجميع الديكتاتوريات التالية في العالم، بالتمادي في سفك دماء شعوبها. ومن هنا انتهى عصر "المفاهيم المطلقة"، ليس فقط في العلم والفلسفة، بل في جميع مجالات الحياة الإنسانية، وصولاً إلى تفاصيل الحياة اليومية، لتحل مكانها "المفاهيم النسبية"، المحددة باشتراطاتها التاريخية والثقافية.

وإذا كانت الرأسمالية قد جلبت الرفاه الاقتصادي والاستهلاكي لشعوب الغرب، فهي قد حطمت في الوقت نفسه أنماط الحياة الاجتماعية التقليدية، بتخلخل مؤسسات الزواج التقليدي ومفاهيم العائلة، في وقت وصلت فيه النزعة الفردية إلى ذروتها، وتحول الإنسان إلى آلة مستنزفة في سوق العمل. بالمقابل، فإن دول الشرق لجأت إلى أساطيرها وغيبياتها الدينية، وأحلام العودة إلى ماض "مجيد متوهم"، للتعويض عن تخلفها الحضاري، فلم تزدد إلا تخلفاً، بل وجلبت خراباً تلو خراب حتى هددت قيم الحضارة الإنسانية بفعل تياراتها السياسية الدينية الماضوية.

لا أتحدث عن ماضٍ بعيد، بل أنطلق من أرضية حاضرنا الراهن، الذي يتراكم فيه الخراب الحضاري والإنساني ـ دون نسيان مستجدات فيروس كورونا، الذي أثبت هشاشتنا البيولوجية وضعف أنظمتنا الصحية ـ، بطريقة أصبحنا فيها متشظين، كمجتمعات وكأفراد، في تحولات بما يشبه الانهيار. ولم تعد تنفع مناهج البحث التقليدية وآلياته في فهم هذه التحولات، وأبعادها المستقبلية، لذا أصبحنا بحاجة إلى أدوات منهجية جديدة، والأهم لجيل شاب جديد، بعيداً عن مستحاثات القومية والإسلامية واليسار، للإحاطة بها.

نشأت الديكتاتوريات العربية، منذ منتصف القرن الماضي، بالجمع البنيوي بين النمط الستاليني السوفياتي القمعي، وترييف عسكري عربي عنيف، واستبداد شرقي ذكوري بدوي، إضافة إلى خلفية من التوحش الأصولي الإسلامي، بزيادة أو نقصان من هذا أو ذاك، بالارتباط مع الظروف التاريخية لكل نظام. وقد وصلت هذه الديكتاتوريات إلى نهاية مرحلتها التاريخية، وانتفاء مبررات وجودها، في نهاية القرن الماضي، بعد أن حولت بلادها إلى "مزرعة شخصية"، ممتلكة للعائلة الحاكمة وحاشيتها المافياوية، في إطار من "عبادة الفرد". وأصبحت الظروف الموضوعية الأولية لسقوط هذه الأنظمة جاهزاً بقيام "ثورات الربيع العربي"، في شكل سلمي  من الانتفاضات الشعبية. ورغم إجهاضها باكراً، فقد نجحت هذه "الانتفاضات"، ليس فقط بتحطيم تماثيل "الغرانيق ـ الآلهة" في الشوارع، وإنما أيضاً في العقول، التي كانت تعيش في مستحاثة الرعب من الحاكم الشمولي ـ الإله.

لعب تمويل بعض الخليجيين اللامحدود للتيارات الإسلامية، الإخوانية والأصولية، دوراً أساسياً  في إجهاض "انتفاضات الربيع العربي". وفي حين كانت هذه التيارات لا تتقبل بنيوياً الرؤى الديمقراطية ومفاهيم المجتمع المدني، التي قامت على أساسها "الانتفاضات"، وجدت بعض دول الخليج فيها أداة ليس فقط للسيطرة على هذه التحركات الشعبية، وإنما أيضاً لإيقاف زحفها إلى أنظمتها "البدوية" نفسها. والدول الخليجية عبر تاريخها الحديث لم تكن تمتلك، خارج ثرواتها المالية الهائلة، الهابطة من "النفط"، أي رؤى استراتيجية مستقبلية لتحولات العالم العربي، خارج المخططات الغربية، وشكلت دائماً عاملاً مجهضاً للتحركات الشعبية في "العالم العربي" باسم "الإسلام".

من الصعب على المشروع "الإيراني ـ الشيعي"، المتحكم بالنظام الديكتاتوري السوري ـ إلى جانب الروس ـ، إحداث تغيير ديموغرافي ـ مذهبي في سورية، بسبب عدم وجود أرضية سكانية شيعية، لا تتجاوز 2% من عدد السكان. لذلك، يلجأ إلى التغلغل المجتمعي فيها عبر محاولات التشييع الكثيفة، عبر استغلال الوضع الاقتصادي المأساوي لمن تبقى في سوريا. ويردف ذلك بمحاولات توطين جنسيات شيعية مختلفة فيها؛ عراقية وأفغانية وباكستانية، ضمن دعاوي "حماية المراقد المقدسة".

وبالمقابل، فإن المشروع "التركي ـ الإخواني السني" حوَّل من كان مفترضاً أنهم ينتمون إلى "عسكرة الانتفاضة"، بجمعهم تحت "العباءة الإسلامية"، إلى أداة لقمع للكرد، والتغيير الديموغرافي في مناطقهم، بالارتباط مع المصالح التركية. بل تجاوز ذلك بتحويل هؤلاء "الإسلاميين" إلى "مرتزقة"، حيث تحط المشاريع التركية؛ في ليبيا، أذربيجان، وربما الصومال، ولا ندري أين ستكون مستقبلاً، مستغلاً بذلك أوضاعهم الاقتصادية الصعبة، بعد تهجيرهم من مناطقهم السورية المختلفة.

والمشروعان "الإيراني" و"التركي"، وهما من أسوأ المشاريع في المنطقة، لم يكن ممكناً حضورهما إلا كتبعات غياب أي مشروع عربي، أو حتى رؤى استراتيجية مستقبلية عربية. وإذا كان الإيرانيون يدعمون بشكل مباشر النظام الديكتاتوري في سورية، وزيادة الفوضى فيها، لاستمرار وجودهم وتثبيت تشييعهم، فإن الأتراك تخلوا عن فكرة إسقاط هذا النظام، وهم في طريقهم في النهاية للتفاهم والتطبيع معه عبر ذراعهم "الإخواني"، دون التخلي عن شريطهم المحتل في الشمال السوري ومصالحهم  الخاصة في وجه الطموحات الكردية بالاستقلال.

ووجد الروس في التسلل إلى سوريا واللعب على كل الحبال، التي تبدو متناقضة ظاهرياً؛ الإسرائيلية والإيرانية والتركية، إضافة إلى الخليجية الممتعضة من السياسات الأميركية، فرصة للعودة إلى البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الشرق الأوسط، بعد خسارتهم الأخيرة في ليبيا. وفي التطبيق العملي، ربحت روسيا "الفاشية" حقل تجارب عملي لأسلحتها الجديدة، في أجساد المدنيين السوريين ومدنهم وبلداتهم، بدءاً من أسلحة الدمار الشامل، ومروراً بالمدرعات والطائرات، وصولاً لاستخدام الصواريخ العابرة للقارات. تفتخر روسيا اليوم ليس فقط بارتفاع مبيعات أسلحتها، التي جُربتْ في سوريا، بل وبتدريب جيوشها على المناورات العسكرية المجانية في أجساد السوريين، وقد أصبحت أرضهم مرتعاً خصباً للمرتزقة الروس من مجموعات "فاغنر".

أما "الغرب"، وعلى رأسه الولايات المتحدة، فعبر تاريخه الطويل مع "العالم العربي"، أثبت أنه يفضل التعامل مع "ديكتاتور شمولي" أو "أمير قروسطي" واحد، بغض النظر عن "تخلفه العقلي" و"جرائمه السادية" بحق شعبه، بدلاً من التعامل مع أنظمة منتخبة ديموقراطياً فيها على "الطريقة الغربية". لذلك، لم يجد الرئيس الأميركي الديمقراطي أوباما، الحائز جائزة نوبل للسلام، حرجاً بالسماح للنظام الديكتاتوري في سوريا بتجاوز "الخطوط الحمر"، وغض النظر عن ارتكاب جرائمه الإنسانية عبر استخدام الأسلحة الكيماوية ضد شعبه، دون الحديث عن البراميل المتفجرة والتدمير المنهجي للبلاد. لا بل إن أوباما سمح للمشروع "الإيراني ـ الشيعي" بالتمدد في المنطقة العربية، بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران، الذي يمكن التهرب من تطبيقه بسهولة.

ولم تكن لتنتهي خطط الجمهوري ترامب، بكل قساوتها، بأكثر من محاولة تركيع النظام الإيراني للمتطلبات الأميركية والإسرائيلية، لم تسعفه ولاية ثانية في تحقيقها. وفي أحسن الأحوال، يمكن بالنتيجة تحديد مناطق نفوذ بين الإسرائيليين والإيرانيين، بعيداً عن "كذبة تحرير القدس".

أما أوروبا، العاجزة أمام مشاريع الولايات المتحدة، فقد رحبت بالموجة الأولى بالتهجير السوري إليها، واستوعبتها بدوافع إنسانية تتكفلها دساتيرها، وضمن خططها للاستفادة من المهاجرين في حل مشاكلها السكانية ـ الاقتصادية المستقبلية. إلا أنها لم تكن تتوقع كثافة الهجرة المستمرة إليها، ومدى الاستغلال السياسي والابتزاز التركي المادي لها. ولم تكن دعابة أن أكثر من 80% من السوريين ومن كل الطوائف يرغبون بالهجرة، ليس فقط هرباً من مآسي الحرب، وإنما أيضاً من الأوضاع الاقتصادية المنهارة، والسياسات القمعية في ظل نظام ديكتاتوري مافيوي.

إن أكثر من يلعب دوراً مهماً في تقرير السياسات العالمية في منطقتنا هي احتكارات الأسلحة، "الغربية" والروسية والصينية، مستغلة النزاعات السياسية والدينية والطائفية والعرقية، التي تعج بها. ولنتخيل ماذا سيحدث لهذه الاحتكارات فيما لو توقفت الحروب في منطقتنا، وفي بقاع العالم المختلفة. ويبدو أنه لا حل في الأفق، ينهي مآسي السوريين، وهو ما يزداد طرداً بعمق الخلافات بين دول العالم الفاعلة في السياسة العالمية.

وإذا كان ترامب، الذي يمثل ذروة "الرأسمالية المتوحشة" بوقاحتها العلنية في الاستنزاف المالي للدول، وبالانفلات من القوانين والقيم الإنسانية، قد فشل في نيل دورة ثانية في الانتخابات، فإن الترامبوية لن تموت كتيار سائد الآن في الولايات المتحدة، بدلالة كثافة الناخبين المؤيدين له. أما الديمقراطي بايدن فلا آمال كبيرة تعوّل عليه. في حين يمكن لأوروبا أن تشهد ميولاً شعبوية متزايدة ضد المهاجرين إليها، تنعكس عنصرياً، سواء في الشارع أو في انتخابات برلماناتها.

وقد أثبت جائحة كورونا أن عولمة العالم، أو "أمركته"، هي تنافس اقتصادي، أكثر مما هي تلاقح ثقافي ـ إنساني، فتحولت "القرية الإلكترونية الصغيرة"، إلى "إمارات متنافسة"، تتدبر كل منها أمورها، في ظل هشاشة هذا العالم المتهالك، المغموس بالسوداوية، وبأمراضه الحضارية ـ البيئية. ومع سيطرة الاحتكارات العالمية للأسلحة، والمخدرات، والاتجار بالبشر، تزداد السوداوية، وهي ليست صورة متخيلة، وبعيدة عن الواقع. 


وبعد ما يقارب العشر سنوات من بدء "الانتفاضة" في سوريا، لم يعد هناك في الواقع ما يشير لها كدولة، وكيان سياسي، في وقت ترزح فيه تحت احتلالات مباشرة؛ من روسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا. ويضاف إليها الاحتلال الإسرائيلي غير المباشر، على الأقل للأجواء السورية، دون نسيان الجولان المحتل. وبعيداً عن الصراع الإسرائيلي ـ الإيراني، المحدد ضمن أطر ردود أفعال معينة، فإن هذه الاحتلالات تتناغم في ما بينها، وتتجنب الاصطدام المباشر، دون إلغاء تكالبها على ثروات البلاد، التي يسارع رأس "النظام ـ الدمية" إلى منحها مجاناً للروس والإيرانيين، مقابل البقاء على كرسيه، الجاثم على أكثر من مليون قتيل، وأضعاف ذلك من الجرحى ومشوهي الحرب، وتهجير ثلثي السكان، سواء في الداخل أو إلى الخارج، وخراب ودمار شامل للبلاد. وقد قدم ثروات البلاد استثمارات مجانية طويلة المدى لهما، كدفعات لفواتير مشاركتهم في حروب بقاء نظامه وبقائه شخصياً. 
يتبع
                                         
مازن عرفة.
مواليد قطنا ـ محافظة ريف دمشق ـ سوريا ـ 15 /12 / 1955
إجازة في الآداب ـ قسم اللغة الفرنسية ـ جامعة دمشق ـ 1983.
 ـ دكتوراه في العلوم الإنسانية ـ تخصص علم المكتبات والمعلومات
من جامعة ماري كوري سكودوفسكا في مدينة لوبلين ـ بولونيا 1990.
ـ المؤلفات:
ـ العالم العربي في الكتابات البولونية في القرن التاسع عشر (باللغة البولونية)، لوبلين 1994.
ـ سحر الكتاب وفتنة الصورة: من الثقافة النصية إلى سلطة اللامرئي، سوريا، دمشق،  دار التكوين.
ـ وصايا الغبار (رواية)، سوريا، دمشق، دار التكوين، 2011.
ـ تراجيديا الثقافة العربية، سوريا، دمشق،  2014.
   ـ الغرانيق  (رواية) ـ دار أنطوان هاشيت ـ بيروت ـ 2017، 356ص.
 ـ سرير على الجبهة ( رواية) ـ دار أنطوان هاشيت ـ بيروت ـ 2019.
البريد الإلكتروني: hotmail.com @mazen.arafa

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مازن عرفة

مازن عرفة

روائي سوري مقيم في ألمانيا