آخر تحديث:12:01(بيروت)
الخميس 17/12/2020
share

في قلعة مكاور حيث رقصت سالومي رقصتها القاتلة

محمود الزيباوي | الخميس 17/12/2020
شارك المقال :
  • في قلعة مكاور حيث رقصت سالومي رقصتها القاتلة
    رقصة سالومي، فسيفساء من القرن الثالث عشر، كنيسة يوحنا المعمدان في البندقية.
  • رسم توثيقي لدار هيرودوس.
    رسم توثيقي لدار هيرودوس.
  • الجناح الملكي.
    الجناح الملكي.
  •  تلة قلعة مكاور
    تلة قلعة مكاور
  • هيروديا تتسلّم من ابنتها رأس يوحنا المعمدان، فسيفساء من القرن الثالث عشر، كنيسة يوحنا المعمدان في البندقية.
    هيروديا تتسلّم من ابنتها رأس يوحنا المعمدان، فسيفساء من القرن الثالث عشر، كنيسة يوحنا المعمدان في البندقية.
  • قطع رأس يوحنا المعمدان، فسيفساء من القرن الثالث عشر، كنيسة يوحنا المعمدان في البندقية.
    قطع رأس يوحنا المعمدان، فسيفساء من القرن الثالث عشر، كنيسة يوحنا المعمدان في البندقية.
  •  يوحنا المعمدان وراء القضبان، فسيفساء من القرن الثالث عشر، كنيسة يوحنا المعمدان في البندقية.
    يوحنا المعمدان وراء القضبان، فسيفساء من القرن الثالث عشر، كنيسة يوحنا المعمدان في البندقية.
  •  منمنمة من القرن السادس تصوّر قطع رأس يوحنا المعمدان، المكتبة الوطنية الفرنسية.
    منمنمة من القرن السادس تصوّر قطع رأس يوحنا المعمدان، المكتبة الوطنية الفرنسية.
بعد خمسة عقود من العمل المتواصل في المسح والتنقيب، باتت قلعة مكاور في الأردن مهيّأة لاستقبال الزوار والسياح من أنحاء العالم، وهي، في الذاكرة المسيحية الجامعة، الموقع الذي استشهد فيه يوحنا المعمدان بأمر من الحاكم الروماني هيرودوس تلبية لطلب صبية رقصت في احتفال جرى في قصره، وذلك بحسب رواية الإنجيل التي انتقلت إلى الميراث الإسلامي كما يستدّل من حديث الرسول: "إن من هوان الدنيا على الله أن يحيى بن زكريا قتلته امرأة".
 
في التقليد المسيحي، يُعتبر يوحنا المعمدان مُهيِّئ طريق المسيح، وهو ابن زكريا الشيخ وأليصابيت، وكلاهما من عشيرة كهنوتية تعود إلى نسل هارون، وكانا محرومين من بركة النسل. كان زكريا في الهيكل حين ظهر له الملاك جبرائيل وأعلمه بأن الله استجاب صلاته وصلاة زوجته، وأعلن له أن المولود سيكون عظيمًا أمام الله، وأنه سيكون مهيِّئًا طريق الرب، كما انه سيكون المبشّر بظهور المسيح الموعود. هكذا وُلد يوحنا، وأضحى في رجولته ناسكًا زاهدًا، مبكّتًا الناس على خطاياهم، وداعيًا إياهم إلى التوبة، لأن المسيح قادم، وكان يعمّد التائبين بعد أن يعترفوا بخطاياهم في نهر الأردن. بدأ المسيح مسيرته عند هذا النهر، إذ جاء "من ناصرة الجليل واعتمد من يوحنا في الأردن. وللوقت وهو صاعد من الماء رأى السماوات قد انشقت، والروح مثل حمامة نازلا عليه. وكان صوت من السماوات: أنت ابني الحبيب الذي به سررت" (مرقص 1: 9-11).

حدث ذلك في عهد "هيرودوس رئيس الربع"، كما يقول الإنجيل. والمقصود هيرودوس أنتيباس، ثاني ملوك عائلة هيرودوس الكبير، وقد تقاسم مع أخويه مملكة أبيه، وكانت حصّته حسب هذه القسمة الجليل وشرق الأردن، اي ربع بلاد فلسطين الرومانية، وقد ساكن هيروديا زوجة أخيه فيليبس، فمقته اليهود، ووبّخه يوحنا على فجوره، وقال له: "لا يحل أن تكون لك امرأة أخيك". حنقت هيروديا على يوحنا، "وأرادت أن تقتله ولم تقدر، لأن هيرودوس كان يهاب يوحنا عالما أنه رجل بار وقديس، وكان يحفظه. وإذ سمعه، فعل كثيرا، وسمعه بسرور".

وبعد فترة وجيزة، حلّ عيد ميلاد الحاكم، وأقيمت حفلة عشاء كبيرة في هذه المناسبة حضرها العظماء وقادة الجيش وأسياد الجليل، ورقصت ابنة هيروديا من زوجها الأول في هذا الحفلة، فسرّ بها هيرودوس وضيوفه. "قال الملك للصبية: مهما أردتِ اطلبي مني فأعطيكِ. وأقسم لها: مهما طلبت مني لأعطينك حتى نصف مملكتي. فخرجت وقالت لأمها: ماذا أطلب؟. فقالت: رأس يوحنا المعمدان. فدخلت للوقت بسرعة إلى الملك وطلبت قائلة: أريد أن تعطيني حالاً رأس يوحنا المعمدان على طبق. فحزن الملك جداً. ولأجل الأقسام والمتكئين لم يرد أن يردّها. فللوقت أرسل الملك سيّافاً وأمر أن يؤتى برأسه، فمضى وقطع رأسه في السجن، وأتى برأسه على طبق وأعطاه للصبية، والصبية أعطته لأمّها" (مرقص 6: 18-28). 

تردّد صدى هذه الرواية في الميراث الإسلامي، ونقل أهل الحديث عن الرسول قوله: "إن من هوان الدنيا على الله أن يحيى بن زكريا قتلته امرأة". استعاد ابن منظور في "مختصر تاريخ دمشق" رواية تُنسب إلى علي بن الحسين تختلف في التفاصيل عن رواية الإنجيل، غير أنها تتقاطع بشكل كبير معها، ونصّها: "كان ملك مات، فترك امرأته وابنته، فورث ملكه أخوه، فأراد أن يتزوج امرأة أخيه، فاستشار يحيى بن زكريا، وكانت الملوك في ذلك الزمان يعملون بأمر الأنبياء، فقال له: لا تتزوجها فإنها بغي، فسمعت المرأة وعرفت أنه من قبل يحيى، فقالت: ليقتلن يحيى، أو ليخرجن من ملكه، فعمدت إلى بنتها فصنعتها، وقالت: اذهبي إلى عمك عند الملأ فإنه يدعوك ويجلسك في حجره، ويقول: سليني ما شئت، فإنك لن تسأليني شيئاً إلا أعطيتك، فقولي: لا أسأل شيئاً إلا رأس يحيى بن زكريا، وكانت الملوك إذا تكلم أحدهم بشيء على رؤوس الملأ ثم لم يمض له نُزع من ملكه، ففعلت ذلك، فجعل يأتيه الموت من قتل يحيى، وجعل يأتيه الموت من خروجه من مُلكه، فاختار مُلكه، فقتله، فساخت بأمها الأرض".

لا تذكر الأناجيل اسم الصبية التي رقصت في الحفلة، وهي سالومي بحسب المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس الذي نقل هذه الواقعة وقدّمها في سياقها التاريخي المفصّل، فشاع هذا الاسم في العهد المسيحي المبكر، وتردّد على مدى قرون من الزمن. افتتن الرواة بهذه القصة واستعادوها، كما استعادها أهل الرسم التصويري في عدد لا يُحصى من الأعمال، أقدم ما وصلنا منها منمنمة من القرن السادس محفوظة في المكتبة الوطنية الفرنسية. تكرّرت هذه الصورة بأشكال عديدة في القرون الوسطى في الشرق كما في الغرب، ومن أشهر شواهدها أربع ألواح من الفسيفساء الكنسية التي يحمل اسم القديس يوحنا المعمدان في فلورنسا. تصوّر هذه الألواح تباعا يوحنا المعمدان وراء القضبان، رقصة سالومي، قطع رأس القديس، وحمله على طبق إلى هيروديا. ويغلب على هذه الصور الطابع البيزنطي الذي ساد حتى نهاية القرن الرابع عشر.

من جهة أخرى، أتاحت شهادة يوسيفوف فلافيوس بتحديد موقع قصر هيرودوس أنتيباس والقلعة التي سُجن فيها يوحنا المعمدان، واتضّح في الأزمنة الحديثة أن هذا الموقع هو أطلال القلعة المعروفة باسم مكاور في المملكة الأردنية. تقع هذه القلعة على تلة متوسطة ترتفع 730 مترا عن سطح البحر، على بعد 32 كيلومترا جنوب غرب مدينة مأدبا، وتجاور قرية مكاور الصغيرة، في الجانب الجنوبي الشرقي من حمامات ماعين الشهيرة. بُنيت هذه القلعة في القرن الأول قبل الميلاد في عهد إسكندر جنايوس، ملك السلالة الحشمونية، وهي سلالة يهودية استقلّت عن الأمبراطورية السلوقية في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد. دمّر الرومان هذه القلعة، ثم أعاد الملك هيرودوس الكبير إعمارها، وجعل منها دارا كبيرة ورثها من بعده هيرودوس أنتيباس، فأولاها عناية كبيرة، وصنع منها اعجوبة معمارية تخلب الأنظار بحسب وصف يوسيفسوف فلافيوس. في عام 39، فقد صاحب هذه الدار العظيمة السلطة، وجرّده الأمبراطور كاليغولا من الحكم، وتمّ نفيه إلى جنوب بلاد الغال، وبقيت هيروديا معه هناك حتى وفاته. وفي 71، واجه اليهود السلطة الرومانية، وحاصرتهم في قلعة مكاور، وقضت على انتفاضتهم، وأدى هذا الهجوم إلى خراب القلعة والدار الملكية.

ضاع أثر هذا الموقع على مدى أكثر من سبعة عشر قرنا إلى أن حُدد في 1807، وفي 1968 شرعت بعثة من المعمدانيين الأميركيين بالتنقيب فيه، وتبعتها بعثة ألمانية في 1973. استلمت البعثة الفرنسيسكانية هذه المهمة في 1978، وقامت بحملة أولى استمرّت حتى 1981، وبعد عشر سنين، قامت بحملة ثانية استمرت حتى 1993. في عام 2009، عُهد إلى فرقة هنغارية مهمة مواصلة البحث تحت إشراف الأستاذ غيوزو فوروسد من الأكاديمية الهنغارية للفنون، فانكبت على انجاز هذا العمل حتى الأمس القريب، وكشفت في نهاية المطاف عن المجلس الملكي الذي شهد رقصة سالومي بعد أن نجحت في تحديد موقعه. 

في الخلاصة، مُسِح هذا الموقع الذي يحتل مسافة خمسة آلاف متر مربع خلال خمسة عقود من الزمن، ونشرت تقارير هذا المسح في ثلاثة مجلدات صدرت تباعا، وضمّت أكثر من ألفي صورة. أعاد فريق العمل الهنغاري رسم خريطة الموقع الأصلية، وأنجزوا رسوما توثيقية تصوّر الدار الملكية بأدق تفاصيلها انطلاقا من اللقى التي جمعوها، والتي فاق عددها العشرة آلاف قطعة. بعد هذه المسيرة الطويلة من العمل الدؤوب المتواصل، خرجت مكاور من الظلمة إلى النور، وتطمح السلطات الأردنية اليوم إلى ابرازها لجعلها مركزا سياحيا دينيا يقصده الحجاج المسيحيون من أنحاء العالم.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها