آخر تحديث:13:36(بيروت)
السبت 12/12/2020
share

الثورة السورية بحمولة معانٍ جديدة.. في "Syrien n'est Fait"

علي سفر | السبت 12/12/2020
شارك المقال :
  • الثورة السورية بحمولة معانٍ جديدة.. في "Syrien n'est Fait"
  • عدنان زراعي
    عدنان زراعي
  • غرافيتي
    غرافيتي
  • غرافيتي
    غرافيتي
  • مهرجان "Syrien n'est fait"
    مهرجان "Syrien n'est fait"
  • من عروض "Syrien n'est fait"
    من عروض "Syrien n'est fait"
لم يُرد القائمون على مهرجان "Syrien N'est Fait" الباريسي هذه السنة أن يغيبوا عن جمهوره المعتاد بفعل تأثيرات جائحة كورونا، والتي أغلقت بسببها كل الفعاليات الثقافية في فرنسا، فاختاروا أن يعرضوا خطتهم في هذه الدورة بشكل افتراضي عبر الانترنت. فصنعوا من أجل ذلك، في موقعهم، بناءً حملت جدرانه غرافيتي لعدد من الشخصيات السورية التي مازالت راسخة وحاضرة في المشهد، رغم غيابها بين الموت والاختفاء القسري، وهم: فدوى سليمان وباسل شحادة ونور حاتم زهرة ومي سكاف، وعدنان الزراعي وزكي كورديللو ورزان زيتونة. وضمن استديوهات حملت أسماء هذه الشخصيات، جرى بث الحفلات المباشرة وعروض الأفلام والعروض المسرحية والكوريوغرافية المسجلة، إضافة إلى وقائع الندوات وصور المعارض الفوتوغرافية، وأيضاً صور تجارب الغرافيتي الموزعة في المدن والبلدات السورية!



يمكن التوقف في البداية عند عبارة بهية حملها مُلصق المهرجان وتقول: "هناك أرض الحلم عالية"، لكن شعار "الفن الملتزم" الذي اختار المنظمون أن يدرجوا تحته المحتويات المتعددة التي شاهدها الجمهور طوال ثلاثة أيام، لم يكن فعلياً ليعبّر عن خطاب حاضر كما ينبغي، في ما اشتغل عليه الفنانون السوريون وشركاؤهم. إذ أن هذه الصيغة المحددة، المستقاة من أدبيات نقد أيديولوجي سادَ ومادَ في عقود سابقة، بدت وكأنها تتعارض مع جوهر الثيمات الرئيسية التي اشتغلت عليها المنتجات الثقافية المقدمة، والتي ظهر أنها تعمل وفق خطة غير متفق عليها، لكنها تصب كلها في مسقط واحد هو إعادة إحياء خطاب الثورة السورية ذاته، والذي ظهر في نهضتها الأولى، وكما في خطابات ثورات الربيع العربي كلها، متناقضاً مع أشكال تقليدية فرضتها الأنظمة التي جرت محاولة إطاحتها وحمولتها المكرسة في المجالات كافة، وعلى رأسها الفضاء الثقافي!

وبالتأكيد لا يمكن للشعار أن يبتلع المهرجان، لكنه يؤشر حقيقة إلى رغبة تعلن عن نفسها، تحاول القول: إن ما ينتج حالياً في الفضاء السوري من أعمال إبداعية، يتصل في النهاية بفكرة الالتزام بقضايا المجتمع، وهذا صحيح. إذ إن كل ما جرى تقديمه إنما قد صُنع في سياق البحث عن صورة مفارقة عن السائد السوري، حتى وإن جرى القفز خلفاً سنوات طويلة، كما في الفيلم الوثائقي "ست قصص عادية" لميار الرومي-إنتاج العام 2007. 

لكن التدفق التحريضي الهائل الذي طاف حول الحكايات المقدمة في الأفلام الباقية، والحفلات الموسيقية والغنائية، كما في المسرح والرقص التعبيري، ذهب أبعد بكثير من مجرد التركيز على محدودية التعبير الملتزم!

لقد تمت صياغة حمولة متكاملة من المعنى، عن الثورة وعن السوريين وآلامهم وأحلامهم وخساراتهم، ليراها الجمهور الفرنسي، والتي تصلح لأن تشكل سردية موحدة عما جرى في البلاد التي ستنهي قريباً عقداً كاملاً من المخاضات المدمرة، من دون أفق تتضح فيه النهايات!

الدفاع عن الزمن
قدرة الأفلام الوثائقية التي عُرضت هنا، على جذب الجمهور، كانت ملفتة، لا سيما فيلم "لسه عم تسجل" لسعيد البطل وغياث أيوب، الذي يروي حكاية شباب سوري حلم بالتغيير، فمضى إلى مدينة دوما في ريف دمشق، حيث المظاهرات والثورة السلمية ثم المسلحة، وصولاً إلى الحصار المطبق على الغوطة الشرقية. ورغم احتواء الفيلم الطويل (128 دقيقة) على تفاصيل كثيرة من يوميات المدينة وثوارها ومقاتليها، كان يمكن التعامل معها باقتصاد أكبر وبما يشد من إيقاعه الذي كاد أن يترهل في مواضع كثيرة، إلا أنه يمثل لحظة وثائقية سورية مهمة، تنطلق من عبارة ينطق بها سعيد في بداية الفيلم: "الصورة هي خط الدفاع ضد الزمن"! وبينما تمر التفاصيل كثيفة ومشوقة في مواضع كثيرة ضمن السياق، إلا أن النهايات الصادمة لشخصيات الفيلم تكاد تشبه مصائر كثيرين مروا في يوميات الثورة.

وهنا تحضر هواجس النبش في الماضي، بحثاً عن تفسير لما يجري في الحاضر. وهذا ما يفعله وائل قدّللو في فيلمه "طريق البيت" الذي تتحول فيها التفاصيل العائلية لصانعه إلى نوع من الكشف عن تحولات الشخصية الدمشقية، ضمن مقطع زمني خاص، حيث يتحدث الجميع عما جرى معهم حيال وائل الذي عاش حياة قلقة بين ضفاف الأقارب وبين المرض الذي عاوده في حياته غير مرة، وصولاً إلى لحظة التصادم الكلية مع الفضاء العام، أي لحظة اندلاع الثورة التي سينخرط فيها، بالتوازي مع استغراقه في طموحاته الإبداعية.

كذلك سيقدم جلال الماغوط، عبر فيلم الأنيميشن "سليمى"، مساحة لإحدى الشخصيات النسائية التي ساهمت في العمل الثوري، لأن تبوح بهواجسها بنبرة التحدي والغضب، في مواجهة تقليدية الحياة الاجتماعية، ومحاربة السلطة المكرسة لكل مساعي النساء السوريات باختيار الطريقة التي يجب أن تمضي فيها حيواتهن!

مع هذا المنحى تسير هواجس وائل قدور، ومحمد آل رشي، في عرضهما المسرحي "وقائع مدينة لا نعرفها"، والذي يستند في حكايته إلى واحدة من القصص الواقعية في بداية الثورة، حيث تختلط رغبات الفتيات الثائرات ضد النظام، مع قضايا بدت ومازالت ملحة، كمسألة الهوية الجنسية، وامتلاك أصحاب الهويات المختلفة حق الاختيار. فضمن تركز محارق التفكير على الإحساس الشخصي بالظلم، تصبح الثورة ضد القامعين سبيلاً أو اقتراحاً غير ممنهج للوصول إلى الحرية!

وعلى مسافة غير بعيدة من هذا الطريق، جاء عرض "In motion" لفرقة "نَفَس" للرقص. وأيضاً معرض "غزل في عمق الإبداع" الذي يوثق لمراحل إنجاز مشروع "غزل" بزمالة جور دانسنت، ويقدم مجموعة صور ومقاطع فيديو التُقطت أثناء الإقامة الفنية للفنانين، كذلك مقاطع صوتية لشهادات نساء سوريات قرأها ممثلون وممثلات وممثلين شاركوا في المشروع.

في جانب آخر، شاهد الجمهور في معرض "فن الشارع والثورة السورية" صوراً للأعمال الفنية التي غطت شوارع مدن سورية، والتي وصفها كتيّب المهرجان بأنها أحد أهم تكتيكات العمل السّلمي، ومازالت حاضرة في الذاكرة وفي الصور التي يمكن مشاهدتها عبر كتيب إلكتروني يمكن تحميله من موقع المهرجان من إعداد وإخراج الفنان تمام العمر، بالتعاون مع "كش ملك" و"ربيع ثورة" و"الشعب السوري عارف طريقه"، والفنانين ميلاد أمين وعزيز الأسمر.

السينما والتوثيق
في مساحات الحوارات ضمن المهرجان، حضرت الأفلام السورية في ندوة حملت عنوان "السينما والتوثيق في سوريا"، التي أدارها قتيبة برهمجي، وشاركت فيها سيسيل بويكس المُحاضِرة في المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية في باريس، إضافة إلى المخرج محمد علي الأتاسي.

كما كرست ندوة ثانية للحديث عن "الحركة المسرحية في سوريا"، أدارها الكاتب عمار المأمون، وشارك فيها سيمون دوبوا، الباحث في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى في عمان/ الأردن.

وبالنظر إلى أن المهرجان كرس جزءاً من عمله للبحث في مسألة العدالة، فإن ندوة "العدالة والمسؤولية" التي نظمت من قبل "We exist" إلى جانب "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"، و"النساء الآن من أجل التنمية"، و"المركز السوري للإعلام وحرية التعبير"، أريد لها أن تواكب محاكمات كوبلنز في ألمانيا، وهي المحاكمة الأولى التي تجري وتتعلق بالانتهاكات التي وقعت أثناء الصراع في سوريا، حيث شارك فيها كل من ماريا العبده وأويس الدبش والمعتصم الكيلاني وسيليا بشميز.

قدم المهرجان، وعبر البث المباشر، ثلاث حفلات موسيقية شاركت فيها (THE LAST POSTMAN) وهي فرقة سورية مستقلة تأسست في إسطنبول العام 2015 ومقرها برلين، مؤلفة من محمد باز ولؤي قنواتي وبهيلة حجازي وحكمت القصار ومحمد موصللي، وشارك أيضاً الفنان والمنتج الموسيقي السوري المقيم في برلين أنس مغربي بحفلة خاصة، واختتم المهرجان فعالياته بحفلة موسيقية مباشرة مشتركة بين الرابر الفلسطيني "أسلوب"، والمغني الفلسطيني السوري أبو غابي.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها