آخر تحديث:19:49(بيروت)
الأحد 08/11/2020
share

وداعا مصطفى صفوان... لاكان العرب

المدن - ثقافة | الأحد 08/11/2020
شارك المقال :
وداعا مصطفى صفوان... لاكان العرب مصطفى صفوان
رحل المحلّل النفسي المصري مصطفى صفوان في باريس عن 99 عاما، وكان أحد أوائل المحلّلين النفسيين الذي التحقوا بمدرسة جاك لاكان وقراءتها التفسيريّة لسيغموند فرويد واكتشافها حقلاً جديداً يجمع بين الطبّ النفسي والفلسفة والرياضيّات والأدب واللغويّات.

‬ولد صفوان عام‮‬1921‮ ‬ ونشأ في الاسكندرية خلال الانتداب البريطاني‮. ‬على الرغم من اعتقال والده في عام‮ ‬1924 ‬بتهمة الشيوعية،‮ ‬مضت طفولته من دون أي مشاكل وفي هدوء‮. ‬درس الفلسفة في الجامعة المصرية ثم التحليل النفسي على يد الدكتور مصطفى زيور‮.

‬يقول في مقابلة اجراها معه الراحل بشير هلال ونشرت في مجلة "كلمن": أمضيت طفولة عادية، بين أبٍ متنوِّر كان يعمل في التدريس وأمّ كرست حياتها لتكون ربة بيت على تقليد تلك الأيام، لكنها لم تكن محجبَّة. وفي المدرسة كنا نتعلم الانكليزية ابتداء من السنة السادسة من العمر والفرنسية من العاشرة والعربية منذ البدء، وكان أساتذتنا في اللغات الأجنبية من جنسيات دولها. كان تعليماً جاداً أهّلني لأتقن عدة لغات.(...) وكانت لوالدي مجموعة من الأصدقاء يمتازون بالظِرف، كانوا يجتمعون كثيراً في بعض مقاهي الاسكندرية وقد حضرت بعض اجتماعاتهم عندما أيفعت. وكان وجود المجموعة التي ضمَّت والدي في الاسكندرية طبيعياً في جوٍ تميّز في البلد كله بنوعٍ من النهضة وبانتشار شيء من إشعاع الأنوار انعكس بنشوء شلل ومجاميع اعتمدت الظِرف طريقة في تناول المسائل التي كان يمكن لإثارتها أن تستدرج أوسع المخاطر لو تمَّت بطريقة أخرى وفي زمنٍ آخر، ومنها القدح والتجديف.(...) ورُبمَّا يعود بعض اهتمامي بكل ما يتعلَّق باللغة إلى تلك الأيام والأجواء وما دفعني إلى اختيار قسم الفلسفة لدى مباشرتي دراستي الجامعية عام 1939. وشاءت الظروف أن يكون بين أساتذتي يوسف كرم، خريج فرنسا في الفلسفة اليونانية وفلسفة العصور الوسطى، وكان مُتأثراً بخاصة بالفيلسوف واللاهوتي (القديس) توما الأكويني الذي كان يَعتبر تفسيره لأرسطو قمة العقل. واحتوت هذه الفلسفة التي لا تزال بالغة التأثير على العقول نظرية اللغة الموجودة من أيام اليونان والتي كان لها دور في نشأة علم النحو عند العرب. إذ هو علمٌ تأثر بالمنطق الارسطاطاليسي الذي يتلخص بأن اللغة موجودة لتقول ما هو موجود. وكان أستاذي الثاني الدكتور مصطفى زِيوَرْ قد قدم من فرنسا غداة انفجار الحرب العالمية الثانية وكان يُدرِّسنا علم النفس، وكان الكتاب الذي يعود إليه دائماً شرحاً وتعليقاً كتاب فرويد "علم الأمراض النفسية في الحياة اليومية"، وكان ميالاً إلى استخراج أمثلة عربية مطابقة للأمثلة الفرويدية. ومن تعليمه ذاك لا زلت أذكر حالة شابة التقت جمعاً من الأصدقاء وكانت عائدة للتو من رحلة شهر العسل، وإذ بها تريد أن تحكي لهم عن إجازتها تلك فلا تجد الكلمة. ثم تبيَّن أنها أمضت الإجازة في البوسنة التي كان رجالها "الترك" مشهورين بجنسانيتهم. وبمعنى آخر فللكلمة معنيان جغرافي وعشقي، ونسيانها كان دليل احتباس وكبت".
وصل صفوان فرنسا في 3 يناير (كانون الثاني) 1946 بُعَيْد الحرب، وكانت قد بدأت تصدر العديد من البحوث في اللغة بعد اكتشافات دو سوسير وعلماء الإناسة الأميركيين والفرنسيين وسيرورتهم نحو البنيوية، وبخاصة منهم كلود ليفي ستراوس. في ربيع العام نفسه،‮ ‬بدأ تحليلاً‮ ‬شخصيا سرعان ما تحول على مدار الأيام الى تحليل تعليمي‮.


 ‬شهد صفوان كلّ‮ ‬الانشقاقات التي اخترقت حركة التّحليل النّفسيّ‮ ‬في فرنسا بما في ذلك حل‮ "‬المدرسة الفرويدية‮". ‬وهو من الأعضاء المؤسسين‮ "‬للجمعية التأسيسية للتحليل النفسي‮"‬،‮ ‬في عام‮ ‬1983،‮ ‬ومن ثم‮ "‬المؤسسة الأوروبية‮" ‬للتحليل النفسيّ‮. ‬وعضو شرفي لجمعيّات تحليل نفسيّة‮.‬
صدر له كتاب‮ "‬لماذا العرب ليسوا أحرارا ؟‮"‬،‮ ‬الذي يتعرض إلى اشكالية قضية تحرير الإنسان العربي من مختلف ألوان الاستبداد السياسي والديني‮.‬ تبرز أهمّية هذا العمل الذي يكشف بنى الاستبداد ويحلّل آلياته التي وطّدت أركانه، ليس سياسياً فقط وإنما اجتماعياً وثقافياً ولغوياً. ومن أبرز مقوّمات بنى الاستبداد التي يعالجها هذا العمل العلاقة ما بين اللغة والكتابة، وسلطات الاستبداد، وكذلك ما يمكن أن نطلق عليه تسمية اللاوعي الثقافي، على غرار اللاوعي الفردي، والذي يرسّخ علاقة الاستبداد ما بين الحاكم والشعب. يتكامل لدى صفوان همّ تحرير الإنسان العربي من الاستبداد مع تحرّره من الاستلاب الذي تمارسه عليه المكبوتات النفسية.

من كتبه‮: "‬الجنسانيّة الأنثويّة‮"‬،‮ ‬"فشل مبدأ اللّذة‮"، و"اللاّشعور وكاتبه‮"‬،‮ ‬و"الطّرح وشوق المحلّل‮"‬،‮ ‬و"دراسات في الأوديب‮"‬،‮ ‬و"الكلام أو الموت‮"، ‬و"ضيق في التّحليل النّفسيّ‮"،‮ ‬و"عشر محاضرات في التّحليل النّفسيّ‮"، ‬و"ندوات جاك لاكان‮"، ‬و"البنيوية في التحليل وقد أغنى الساحة الثقافية بكتاباته وترجماته، وعلى رأسها ترجمته لكتاب فرويد: "تفسير الأحلام"، الذي عدّه كثيرون من الباحثين بأنّه متفوق على الترجمة الفرنسية لكتاب مؤسس التحليل النفسي. كما ارتبط اسمه بترجمة كتاب "العبودية المختارة" لاتين دي لابويسي.

ترجم صفوان مسرحية شكسبير إلى اللغة المصرية العامية، وكان لديه مواقف لافتة تجاه اللغة الفصحى والعامية، يعتبر ان احتقار الشعب للسانه وسيلة السلطة لكسرِہ، ويقول "أعتقد أنه دون تعليم اللغة العامية ستبقى الهوة بين الثقافة والشعب قائمة وستبقى عملية الخلق الادبي شوهاء. إذ اللغة الأدبية مختلفة ولكنها ليست لغة ثانية، فهي خلق لكنْ خلق باللغة التي تعلم الشعب قواعدها".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها