آخر تحديث:12:55(بيروت)
السبت 07/11/2020
share

أسرار مقبرة سقارة: تمصير المصريات

شادي لويس | السبت 07/11/2020
شارك المقال :
أسرار مقبرة سقارة: تمصير المصريات يتحول غريب، العامل اليدوي، مشهداً بعد آخر، إلى أحد أبطال الفيلم
في المشهد الأول، يكتشف غريب-أحد عمال التنقيب- تمثالاً صغيراً أثناء الحفر، ويستدعي ذلك تدخل الأستاذ حمادة، مفتش الآثار، والذي يهبط إلى مكان الاكتشاف، ليمسك بالتمثال بين يديه متهللاً، بخليط من العامية ومحاولة الحديث بالفصحى بمسحة ريفية: "الله الله، دي حاجة محصلتش قبل كده، دي الإلهة أنثى الأسد يا غريب".

منذ اللحظات الأولى للفيلم التسجيلي "أسرار مقبرة سقارة" يتضح إننا أمام عمل مختلف عما اعتدناه من أفلام الاستكشافات الأركيولوجية والوثائقيات الفرعونية. فالفيلم الذي بدأ عرضه في "نتفليكس" منذ نحو أسبوع، لا يقدم لنا البطل المعتاد، الخبير الغربي في علم المصريات، أو نسخته المحلية بقبعة أنديانا جونز الشهيرة. بدلاً من هذا، يتتبع الفيلم فريقاً اركيولوجياً مصرياً بالكامل، أثناء أعمال التنقيب في منطقة سقارة الأثرية، غربي القاهرة، في العام 2018.

تتبع الكاميرا مفتش الآثار، حمادة، قادماً إلى العمل على دراجته البخارية، وهو يتوقف في منتصف الطريق ليأخذ مديره خلفه إلى موقع الحفر. ويتحول غريب العامل اليدوي، مشهداً بعد آخر، إلى أحد أبطال الفيلم، وهو يشرح نوع الحساسية التي اكتسبها بالخبرة الطويلة. فضربة غير موفقة، بقوة أكثر من اللازم أو في غير موضعها، يمكن أن تحطم كنزاً أثرياً. مثله مثل بقية العمال، يرث غريب مهنته عن أجداده ويورثها أيضاً لابنه، الولد الذي ربما لا يتجاوز العاشرة، يحضر بصحبة والده إلى الموقع ليكتسب خبرة ويصبح مؤهلاً للعمل نفسه في المستقبل. عملية التوارث يحكمها مشرف العمال أو بالأحرى مقاول الأنفار، الذي يرث سلطته بشكل عائلي أيضاً، مع حقول نخيل. تتسع الكاميرا، فلا تقتصر تغطيتها على موقع التنقيب، بل تشمل العمران المحيط به أيضاً، علاقة سكانه بالآثار، الأنشطة الاقتصادية والمهن المرتبطة بالتنقيب وتوارثها، والعلاقات الطبقية ودخول الإدارة الحكومية كطرف فيها.

ينجح المخرج الإنكليزي، جيمس توفيل، في إضفاء الكثير من الإثارة على مغامرة فك ألغاز مقبرة الكاهن الفرعوني"واحتي"، فالفريق يواجه تحدياً ضد الزمن، في محاولة لتحقيق كشف كبير قبل حلول شهر رمضان وانتهاء موسم الحفريات. التمويل الحكومي أيضاً يوشك على النفاد، واكتشاف استثنائي واحد كفيل بتجديده. يشعر أفراد فريق التنقيب بحضور الكاميرا، وبالأهمية المضاعفة لما يمكن أن يحدث بسبب وجودها، أحد الخبراء يتحدث عن مؤامرة وغموض يلف شخصية "واحتي" وملكية المقبرة. الخبيرة الطبية تجد في عظام المقبرة دليلاً على مرض وبائي قتل العديد من أفراد العائلة في الوقت نفسه. حيوان محنط بأبعاد غير معتادة، يستخدم الخبراء الأشعة للكشف عن نوعه، ليجدوا مفاجأة غير مسبوقة، وفي واحدة من تلك الاكتشافات يطلب أحد العمال ببعض الحياء مكأفاة (أو هدية) من مديره أمام الكاميرا. هكذا، تتكثف مشاعر الإثارة والترقب والفرحة الغامرة، ببعض المبالغة أحياناً، لكن من دون ادعاء. الاكتشافات تبدو ذات قيمة استثنائية، كمّاً ونوعاً، لكن ما يقدمه الفيلم أبعد من هذا بكثير.

يبدو "أسرار مقبرة سقارة" وكأنه سعي إلى تأكيد امتلاك المصريين لتراثهم. ليسوا أصحاب المقتنيات الأثرية فقط، بل يمتلكون أيضاً المعرفة والتقنية اللازمة لاكتشافها وحفظها. تمصير علم المصريات، كان قد بدأ على يد علي بك بهجت، منذ عشرينيات القرن الماضي بالفعل، وللمفارقة بدأت نتائج عملية التمصير تتأكد مع اكتشاف هوارد كارتر لمقبرة توت غنخ آمون. ومع هذا فإن صورة كارتر، المكتشف الإنكليزي، ظلت إيقونة عِلم المصريات ومرتبطة به دائماً.


ربما من دون أن يقصد، يكشف لنا الفيلم، المسارات التي اتخذتها المؤسسات البيروقراطية الموروثة من العصر الاستعماري ومعارفها، كيفية توطينها وامتلاكها كمصدر للفخر الوطني. الإمكانات تبدو بسيطة جداً، الحفر بمعدات يدوية، أكثرها تقدماً فرشة للطلاء في الحقيقة، المكتشفات تُنقل يدوياً في صناديق بلاستيكية مثل تلك المستخدمة في محلات البقالة، موظفون يحمل بعضهم لقب الدكتور(ة)، لكن يبدو على معظهم المستوى المادي المتواضع. الموقع مليء بالرجال بالطبع، لكن النساء لا يغبن. خبيرة ترتدي الحجاب، تفك شفرة النص الهيروغليفي المنقوش على الحوائط، وتنقلها يدوياً في كراسة، وزميلها يسخر منها ممازحاً، إن كانت ستستطيع قراءة خطها (السيء ربما). خبيرة أخرى، محجبة أيضاً، تقرأ ما تخبرها العظام به، وتتعرف على أصحابها الموتى، وتقول بإنكليزية ذات لكنة بريطانية قوية وبشاعرية غير مصطنعة إنهم يتحدثون إليها عن حياتهم وسعادتهم وأحزانهم، وتشعر بالقرب منهم، أي بتلك الصلة مع الأجداد.

رغم الإمكانات المتواضعة، والقفشات خفيفة الظل التي يتبادلها جميع العاملين، باختلاف مستوياتهم الإدارية، الانكليزية المكسرة في أحيان كثيرة، والخليط من العامية التي تحاول ادعاء الوقار واستخدام الفصحى بطريقة يبدو وقعها مضحكاً، فإن ما يبدو أكيداً هو تمكن الجميع من عملهم، من معارفهم، كفاءة نظام بيروقراطي يعمل بثقة في نفسه وإخلاص أيضاً وبكثير من الدفء.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها