آخر تحديث:12:54(بيروت)
الخميس 26/11/2020
share

يد مارادونا أو مديح المآثر السيئة

محمد حجيري | الخميس 26/11/2020
شارك المقال :
يد مارادونا أو مديح المآثر السيئة يد مارادونا
قبل سنوات، كتب أستاذ الفلسفة، أوليفيه بوريول، مقالة بعنوان "في مديح المآثر السيئة"، عن كرة القدم، ركّز على 6 لحظات كروية ذائعة الصيت في عالم كرة القدم. النماذج هذه، موضوعها حركة ارتكبها لاعب معروف، وما كان ينبغي له أن يرتكبها، ولا يحق له أن يرتكبها، وباتت حدثاً مفصلياً في الذاكرة الكروية والجماهيرية. وأبرزها لمسة يد الأرجنتيني دييغو مارادونا التي أدخلت هدفاً قاتلاً في مرمى انكلترا في مونديال 1986... 
 
والمآثر السلبية لها وقعها "الساحر" والفاضح والقصصي، من خلال التدليس والغش والبلف، يتمرد صاحبها على قواعد اللعبة، تختارها القنوات ووسائل الاعلام كعناوين تراجيدية وشعبوية، فتُبنى عليها الحكايات والتأويلات والأقنعة واللحظة الأيقونية، وهذا ما بدا بعد رحيل مارادونا الآتي من بلاد الأساطير وقارة ماركيز وبورخيس وبوليفار والتانغو والسامبا... كأن أفدح (وأجمل) ما صنعة اللاعب الأسطوري والمارق تسجيله هدفاً بلمسة يده. مارادونا الذي احتفى بغشّه واعتبره عملاً إلهياً، عندما سُئل إن كان قد أحرز الهدف برأسه أم بيده، أجاب "نصفه برأسي ونصفه بيد الله"، تحوّل في رأي بوريول إلى أحد آلهة الأولمب، اعترف مارادونا بأنه تعمّد تسجيل الهدف بيده لأن الحارس الانكليزي بيتر شيلتون كان طويلاً، ولذلك لم يكن في استطاعته ضرب الكرة برأسه. هو احتفى بغشه، وفي 17 آب/أغسطس 2015 ، التقى في تونس بعلي بن ناصر، الحكم الذي أجاز هدف "اليد الإلهيّة"، وتبادل معه الهدايا.

والاحتفال بسيئة مارادونا، مردّه كراهية المنتخب الآخر(الانكليزي) من جهة، وأن مارادونا نفسه استطاع أن يفوز في مونديال 1986 من جهة ثانية، (أي المونديال نفسه الذي سجل خلاله هدفاً بلمسة يده). وهو بطل شعبوي يساروي في آن معاً، سواء في تعاطيه مع كرة القدم أو أي شأن آخر. ساحر في اللعب، فاشل في الإدارة والتدريب، وحتى في مواقفه السياسية وأوشامه ومظهره ومزاجيته، غدا مثل قديس، فعلى ما ينقل الصحافي عبد الكريم الشطي في مجلة "العربي"، أن عليك توخي الحذر قبل التعبير عن رأيك في ثلاث شخصيات عندما تكون في الأرجنتين، مارادونا، وإيفيتا، ومغني التانغو كارلوس كارديل. فغالبية الفئة الغنية (اليمينية) تكره مارادونا وأدواره، في حين أنه مثل قديس عند الطبقات الشعبية التي توصف باليسارية. على أن الكاتب الأرجنتيني خوان خوسيه سيبريلي في كتابه "أساطير صنعتها السذاجة والفضائح: كوميديانات وشهداء" يقول: "أنا أنقد الأساطير، أعتقد أن المجتمع الديموقراطي الذي يؤمن بالمساواة والذي يشعر فيه أفراده بالحرية، لا يصح أن يعيشوا فيه تحت وطأة الأسطورة". وفي هذا الكتاب، وفقاً للمترجم المصري أحمد عبد اللطيف في صحيفة "أخبار الأدب"، يوجه سيبريلي سهامه للشخصيات الأسطورية، فيعتبر أن أسطورة مارادونا صنعتها الفضيحة والفساد".


كان مارادونا في مسيرته، كتلة من التناقضات. في صورة واحدة نجده يدخن السيجار الكوبي ويعتمر قبعة الثوار الخضراء مع النجم الأحمر، ويرتدي تي شيرت ماركة "نايكي" المعولمة، ويعلق صليب المؤمنين المسيحيين، ويضع في إذنه قرط(حلق) المراهقين. وهو الكوكنجي الذي وشم وجه كاسترو في ساقه اليسرى، وتمدد غيفارا على ذراعه اليمنى... يقول إدواردو غاليانو في كتابه "كرة القدم": "صار مارادونا في نابولي، القديس مارادونا، وصارت تباع في الشوارع صورة الإله ذي السروال القصير، مضاءة بتاج السيدة العذراء أو ملفوفة بعباءة القديس الذي ينزف كل ستة شهور". على أن القديس عند عامة الشعب، كان صاحب مزاج وتخبيص في السياسة (بالنسبة إلى البعض ما يفعله ثورة وبطولة)، وله علاقات بالسياسيين. فهو صديق كاسترو وتشافيز، ولم يترك فرصة إلا وهاجم الولايات المتحدة وسياساتها، أيّد إيران في عهد أحمدي نجاد ضد الهيمنة الأميركية، هاجم بابا الفاتيكان وقال جملته "لقد ذهبت إلى الفاتيكان وشاهدت السقف الذهبي، ثم سمعت البابا يتحدث عن اهتمام الكنيسة بالأطفال الفقراء، إذن، بع السقف، إفعل شيئًا يا رجل". وذات يوم صُدم عشاق مارادونا من العرب بصوره له عند حائط المبكى لدى زيارته للقدس العام 1995، مرتدياً القبعة اليهودية، بالإضافة إلى تصريحاته الداعمة لإسرائيل غير مرة. ثم سرعان ما انقلب مؤيداً للقضية الفلسطينية، وقال: "أنا المشجع الأول لقضيتهم العادلة، وأقدم كامل الدعم لهم، ولا أكترث مطلقاً لأي ردّ فعل على كلامي، فليغضب من يغضب". وفي العام 2018، نشر مارادونا صورة في صفحته الرسمية في إنستغرام، تجمعه بالرئيس الفلسطيني، وأرفقها بتعليق: "هذا الرجل يريد السلام لفلسطين دولة وحق".

خلال الأشهر الأخيرة، تعامل مارادونا بسخرية مع فيلم جديد عن حياته، وطالب بمقاطعة مشاهدته... وفي ملصق الترويج للفيلم الوثائقي، كُتب: "دييغو مارادونا.. المتمرد والبطل والمحتال والرب". وكلمة محتال اغضبت النجم الراحل، وقال في مقابلة تلفزيونية: "لعبت كرة القدم وحصلت على المال من الركض خلف الكرة، ولم أكن السبب في الاحتيال على أي شخص. لا أحب هذا العنوان، وإذا لم أحب العنوان فإني لن أذهب إلى الفيلم.. لا تذهبوا وتشاهدوه".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"