آخر تحديث:10:34(بيروت)
الأحد 22/11/2020
share

"عاش يا كابتن":بنات يرفعن الحديد ورجال يرقصون كتحية كاريوكا

شادي لويس | الأحد 22/11/2020
شارك المقال :
"عاش يا كابتن":بنات يرفعن الحديد ورجال يرقصون كتحية كاريوكا تصبح التصنيفات الجندرية بلا دلالة، أو بدلالة يتم قلبها عمداً
في العام 2003، فازت المصرية نهلة رمضان ببطولة العالم لرفع الاثقال في بودابست. من هنا يبدأ الفيلم الوثائقي "عاش يا كابتن" (اخراج مي زايد)، تصبح نهلة مصدر إلهام لفتيات الإسكندرية، ويصبح الكابتن رمضان، والدها-وهو مدربها أيضا، أحد رواد اللعبة في مصر. فعلى مدى عقدين، عشرات البطلات الأولمبيات تدربن وتعلّمن على يديه. طوال أربعة أعوام، يتتبع الفيلم "زبيبة"(14 عاماً)، في مسيرتها من البطولات المحلية، إلى بطولة الجمهورية والبطولات الإقليمية. قطعة الأرض الفضاء، التي تبدو كجزيرة ترابية صغيرة بين تدفق هادر من السيارات المسرعة وضوضائها، هي الموقع الرئيس للتصوير. في الظروف العادية، كانت مساحة الأرض على الأغلب، ستتحول إلى مكب للقمامة، لكن الكابتن رمضان يجعل منها بإمكانيات متواضعة وبعض الحديد الخردة، ساحة للتدريب اليومي ومصنعاً للأحلام والبطولات.

زبيبة، المراهقة الخجولة ومتوسطة البنية لا تتكلم كثيراً، ولا نعرف عنها شيئاً بعيداً عن ساحة التدريب، لا تتبعها الكاميرا إلى البيت أو المدرسة، يحبط الفيلم عمداً السردية الفردية المطروقة في أفلام الأبطال الرياضيين، تظل الكاميرا في الجزيرة الترابية معظم الوقت وتنتقل فقط إلى الصالات الرسمية لمتابعة المنافسات. التركيز على زبيبة يبدو عرضياً، أو حلاً إجرائياً للامساك بخيط واحد للقصة شديدة التشعب. حول كابتن رمضان، المرح وسليط اللسان الفخور بنفسه، يتحلق مجتمع كامل من الفتيات والشابات رافعات الأثقال، بعضهن بطلات عالميات بالفعل، مجتمع استثنائي يعيش هناك فقط داخل قفص مفتوح على الشارع وأمام المارة... مجتمع أسبرطي حيث تتعرض الفتيات أحياناً كثرة للقسوة لتخشينهن. مجتمع طوباوي، فالكابتن رمضان يبني سور قطعة الأرض بيده طوبة طوبة، وتشترك الفتيات في جمع المساهمات المالية الصغيرة في ما بينهن لتحويلها إلى بستان. لكن أكثر ما يميز هذا المجتمع هو تلك السيولة المذهلة للخطوط الجندرية، سيولة مشوشة مثيرة للإعجاب وللاضطراب في الوقت نفسه. 

التقاطعات بين الذكورة والأنوثة، وتماهيهما تظهر من اللحظة الأولى، "عاش يا كابتن" العنوان العربي للفيلم، هو التحية الذكورية لصالات التدريب، علامة التضامن الرجالية والاعتراف المتبادل، صيحة الفحولة لتحدي الطبيعة، العضل ضد الحديد وقوانين الجاذبية. لكن الفيلم المعروض حالياً في برنامج مهرجان نيويورك للأفلام الوثائقية، يحمل اسماً إنكليزياً أيضاً، يعني شيئاً آخر، العكس تقريباً، "ارفعي كفتاة". التوتر بين دلالات العنوانين ربما وليد الصدفة، أو وراءه أغراض تسويقية تستهدف جمهورين مختلفين، لكن مع هذا يظل كاشفاً، والأكثر تعبيراً عن الفيلم، حتى ولو دون قصد. 
لا يقدم لنا "عاش يا كابتن" السردية المتوقعة بإلحاح، أي معركة التغلب على القيود المجتمعية والدينية المفروضة على الفتيات وأجسادهن في حي شعبي، بل العكس يصدمنا بالبساطة التي تتم بها الأمور. باستثناء بضعة صبيان مشاغبين على الجانب الآخر من السور، فكل شيء يجري على ما يرام. يحضر رجل ملتحٍ ابنته التي لا تتجاوز الست سنوات إلى التمرين، ويطمئن الكابتن رمضان امرأة منقبة على ابنتها، يسأل ويجيب على نفسه، إن كانت ستصبح مثل الولد، ويكون رده بسؤال آخر عن العلاقة بين النبي والسيدة خديجة، من كان يصرف على من؟! الفتيات الأكثر خبرة يشرفن على تدريب الصبيان.لا يتوقف الأمر هنا، في مشهد فريد، يقف الكابتن رمضان أمام زبيبة ويقول لها بغرض التشجيع: "أنا بنت وأنت راجل"، ويضيف في منولوغ شبه مسرحي أن مدرب تحية كاريوكا على الرقص كان رجلاً، ويبدأ هو نفسه بالرقص بمجون ساخر. هكذا لا تستطيع الفتيات فقط أن يصبحن مثل الرجال، أن يُرفعن إلى مصاف الذكور الصبيان، بل تتبدل الأدوار بالكامل على الجانبين، بنات يرفعن الحديد ورجال يرقصون كتحية كاريوكا، تصبح التصنيفات الجندرية بلا دلالة، أو بدلالة يتم قلبها عمداً. لكن لا يمر هذا دائماً من دون ألم أو مقاومة، فحين يصر مدرب شاب على توجيه الحديث إلى زبيبة بصيغة المذكر، وأحياناً بصيغة المذكر الغائب، ترد هي بالإشارة إلى نفسها بصيغة المؤنث، في مشاهد متتابعة لا تخلو من صور أخرى من العنف المعنوي.


الكاميرا التي تظل حاضرة بشكل متقطع على مدى أربعة أعوام، نشعر وكأنها غير موجودة، ربما بتأثير من الألفة أو الاعتياد لا يراها أبطال الفيلم المنخرطين بالكامل في حياتهم في الساحة، ونكاد لا نلاحظها نحن حتى. كأن تدخل مخرجة العمل، مي زايد، بقي عند الحد الأدنى، أو هكذا توحي لنا بمهارة خادعة، من خلال طبيعية الأحداث، خشونتها الناعمة وبقائها على السطح لرصد الظاهر فقط، الحميم في بساطة والمباشر برهافة استثنائية. وقرب نهاية الفليم، تتولى ضربة القدر المذهلة، التي تثبت دائما أنها الأكثر تراجيدية من الخيال، بتحويل مسار الفيلم إلى أبعد من رفع الأثقال، إلى سؤال وجودنا نفسه. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري