آخر تحديث:13:24(بيروت)
السبت 21/11/2020
share

محمد خضير.. بازوزو

المدن - ثقافة | السبت 21/11/2020
شارك المقال :
محمد خضير.. بازوزو
"أنا، بازوزو، ابن الإله حنبا، أنا ملك الشياطين الشريرة ليلو. أتسلق الجبال الشامخة والغاضبة. أجبرت الرياح التي أركبها وأتنقل في قلبها، على التوجه نحو الغرب. واجهت كلاً منها وكسرت أجنحتها".
 
يتمتع الشيطان الآشوري بازوزو (الألف الأول قبل الميلاد) بقوة خارقة على سوق الرياح، حينما كانت الرياح حصانَ الأوبئة، ينقل شرَّها بين المدن الجبلية. إلا أنّ الخيال الشعبي وظّف الخِلقة البشعة للشيطان الجامح في صُنع تعويذاتٍ تدفع الشرور وفي مقدمتها الحروب وصدّ الأعداء. ومن خلال هذا المعنى المزدوج لاسم بازوزو دخل الفنُّ النحتي البارز لتوظيف القوة الإلهية للشيطان في تسوير بوابات أبنية العبادة الجبلية، وخاصة ما يعود منها للفرق الدينية المهددة دوماً بالغزو والتدمير، كالفِرقة الإيزيدية.

أمّا المعنى المعاصر لاقتباس الروح الشريرة في إنجاز أعمال فنية، فيعبّر عن كوابيس اللاوعي الباطن، ويطمئن الروحَ المغتربة، المصلوبة على بوابات المنفى السياسي والفني. ومن هذا المدخل نفسه، تروّض الفنانة، ذكاء طارق، قوةَ الرياح الكامنة في تماثيل بازوزو المتخيّلة، لصنع تميمةٍ تضيفها إلى أعمالها عن كائنات العالم السفلي، في وقتٍ تشيع أنواع الجوائح والشرور العِرقية والمذهبية، التي تمنع الروحَ المحاصرة في معتزلها البعيد من العيش بسلام مع كائنات الطبيعة، ومجتمعات المنفى الحاضنة.

استخدمت الفنّانة، ذكاء طارق، ألواناً شفافة، لتمويه الصورة المنقولة عن الخيال الآشوري القديم، لإله الرياح والأوبئة. فالظهور الكامل لتقاطيع التمثال/التعويذة سيغزو الشعورَ الباطن بتصوراتٍ مخيفة عن الشكل الشيطاني المجنح، المتأهب لغرز مخالبه وإطلاق عدواه المميتة في مَن يختارهم ويهواهم من الأعداء. ولا حدود لتعريف العدوّ الذي يستهدفه الشيطان المبعوث من قبره تحت الجليد. فقد يكون العدوّ هو الفنّان نفسه، هذا الذي تجرأ على إعادته للحياة، بشكله المرعب. لكن الماهيّة التصورّية واللونيّة التي رسمَت بها الفنانة مخلوقَها، قد خُفّفت ورُقِّقت إلى درجة كبيرة من التحوير والتشكيل الطباعي المتدرج على شبكة الحرير. فنحن نلاحظ في لوحتها عن بازوزو شكلاً يبتعد نحو الأفق البعيد ويتصاغر حتى يكاد يتلاشى. وكانت تقنيتها هذه في شطر الكائن الأصلي وتمويه صفاته الشيطانية، الذكوريّة خاصة، سبيلها للسيطرة على القوى السرّية للكائن الجامح. ثم تأتي الألوان المائية لتأخذ الآثارَ الجانبية لتصوّر الشكلِ الشيطاني وتُلقيها في واد سحيق، فلا يبقى من الأثر سوى كُريّات زُرق/ فُقاعاتٍ سرعان ما تختفي في ضباب القسم الأسفل من اللوحة وسرابها الشفيف.

أليس في اختيار موضوع اللوحة جرأةٌ تقرُب من اقتحام منطقةٍ محرّمة في خيال الفن؟ بلا شك، فالشيطان بازوزو كائنٌ عراقيّ مُختفٍ خلف منعطفات التاريخ ومساراته الخطرة. إنّها جرأة تتعدّى حدودَ التصوّر الفنّي إلى ملامسة الهاجسِ الشيطاني الذي يسكن أعماق فنّانينا المغتربين، ومحاولتهم طرده أو استغلاله في طبعةٍ مضادة للشرّ والخطيئة والظلام. اختارت الفنانة ذكاء طارق أن تذهب إلى الحدّ البعيد، المحرّم والخطِر، لتُثبت حرّيتها وتحقّق سلامها الروحي مع كائنات عائدة من الماضي البعيد..

(*) مدوّنة نشرها القاص العراقي محمد خضير في صفحته الفايسبوكية

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها