آخر تحديث:12:53(بيروت)
السبت 21/11/2020
share

عن "التزويم" في زمن الكورونا

روجيه عوطة | السبت 21/11/2020
شارك المقال :
عن "التزويم" في زمن الكورونا اجتماع الوجوه
ثمة شيء لا بد من التنبه إليه في زمننا الكوروني الجميل، الذي نعيشه حالياً، وهو لمعان برنامج تواصلي، يدعى "زووم". إذ إنه قد اجتاح يوميات الناس فجأةً، الذين استعاضوا به، أو باستخدامه تحديداً، عن اجتماعهم وتجاورهم وتقابلهم جسدياً. فصاروا يلتقون عبره، وعبر شاشته، حيال بعضهم البعض من أجل إتمام عمل، أو التجادل، أو تمضية القليل من الوقت، والترويح عن النفس، كسراً للحجز الصحي.

على أن ما يستدعي التوقف عنده هنا هو اسم البرنامج نفسه، أي "زووم". فبالتوازي مع اشارته الى الشركة التي صنعت البرنامج، هو يربط هذا البرنامج بمعناه الذي يتوزع على أمرين أقله.

الأول، هو مرادفة "زووم" لمعنى التحرك بشكل سريع ومباغت يرافقه أثر صوتي يقترب من كونه جلبة أو أزيزاً أو همهمة قوية. في هذه الجهة، يصير استخدام "زووم" هو الإقدام على ذلك التحرك. بالطبع، سرعته تقترن بالتواصل الذي يتيحه، بحيث أنه تواصل -وبحسب كليشيه من الكليشيهات التعليقية على "عصر الانترنت" خلال الثمانينات- يختصر المسافات بين المستخدمين ليجعلهم افتراضياً في صالة واحدة. لكن، ماذا عن مباغتته، أي لماذا هو تحرك مباغت؟ هذا ما يمكن ربطه بتواصله أيضاً، اذ إنه، وعلى الدوام، يباغت المستخدمين إياهم. فمن الممكن القول، وهو قول تعميمي بلا شك، وربما ليس دقيقاً، أن مطلع لقائهم، وفي الغالب منه، ومهما تكرر، يدور كحديث عن تواصلهم عبر البرنامج. وهذا، قد يكون سببه أن استخدامهم الراهن لـ"زووم" ليس بقديم، إنما هو جديد، وبالتالي، ما زال يدفع الى التباغت به، بالتواصل الذي يسمح به، كعلامة على بدء التعرف عليه. فعلى طريقة أرسطية نوعاً ما، أول عالم "الزووم" هو التباغت، باعتباره مفاجئاً، وباعتباره استعجاباً. يبقى أن مرادَفَة "زووم" للتحرك السريع والمباغت، يحتم إنتاج استخدامه لصوت من قبيل الضجيج على عمومه. وهذا الصوت يصدر عن ذاك التحرك، هو أثره، لكنه، وفي الوقت نفسه، يصدر من فعل التواصل. في النتيجة، الضجيج هو صوت الـ"زووم" بما هو تحرك الى التواصل، كما أنه، وبعد ذلك، صوت احتشاد جمع من المستخدمين في صالة، وشروعهم في التكلم، كما لو أنهم في برجهم، كما لو أنهم في بابِلِهم!

على أن المعنى الثاني لـ"زووم" يستقر، ومثلما هو معلوم، على كونه تركيزاً بالعدسة على موضوع معين، بتقريبها منه أو إبعادها عنه. من هنا، يمكن الإشارة الى الصلة بين هذا المعنى واستخدام البرنامج، او التواصل به. بالطبع، هناك، بدايةً، العدسة، عدسة كاميرات الحواسيب أو الهواتف، التي تركز على موضوعها، اي المستخدمين، وبتركيزها هذا تنقلهم الى بعضهم البعض على الشاشة نفسها. لكن، ولكي يحصل التواصل بينهم، فهو يستدعي أكثر من ذلك التركيز البديهي، انما التقريب والإبعاد. وماذا يعادل التقريب والإبعاد؟ حين تركز العدسة بالتقريب من أحد ما، فهذا يعادل أنه يأخذ نوبة الحديث، أنه يتحدث. وبهذا، العدسة تلك لا تكون عدسة الكاميرا، إنما عيون أغياره التي يوجهونها صوبه. أما، وحين ينتهي من حديثه، فتبتعد هذه العدسة، أي تلك العيون، عنه. لكنها تبقى مركزة عليه، وحينها تعود الى كونها عدسة الكاميرا. على أساس هذا التفسير المركب للتقريب والإبعاد، يمكن القول إن كل المستخدمين مركز عليهم، لكن، وما أن يأخذ أحد منهم نوبة الحديث يتحول التركيز عليه الى تقريب منه. وهذا التقريب فعلياً هو تقريب مما يقوله، بحيث أن المستخدمين، وفي حين حديثه، يدنون مما يقوله، يحملقون فيه. الأمر، الذي يعد، وبشكل من الأشكال، مرعباً، ولذلك، سرعان ما يرد الحديث لهم لكي يبتعدوا بتركيزهم عنه. في النتيجة، يكون التواصل أخذ للحديث ممن أخذه، سحب له ممن سحبه، كما لو أن التواصل تنازع على الحديث، أو نزع له.

فعلياً، في هذه الجهة، وعلى سبيل ما يشبه الخاتمة، قد يصح الربط بين المعنيين لـلـ"زووم"، أو، وبطريقة فكاهية، لـ"التزويم"، أي التواصل عبر "زووم". وهذا على أساس أن الصوت، الذي يصدر عن المعنى الأول، أي عن التحرك السريع والمباغت، هو نفسه صوت المعنى الثاني، أي التقريب والابتعاد بتركيز العدسة. فالضجيج، بما هو صوت التواصل، هو صوت التنازع على الحديث فيه أيضاً.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"