آخر تحديث:14:09(بيروت)
الجمعة 20/11/2020
share

جيمس جويس مرشحاً ديموقراطياً في الانتخابات الأميركية

محمد حجيري | الجمعة 20/11/2020
شارك المقال :
جيمس جويس مرشحاً ديموقراطياً في الانتخابات الأميركية والت ويتمان في حضرة مارلين
خلال الانتخابات الأميركية، كثر استخدام الأدوات الميديائية في الحملات، بدءاً من المزايدة في الإيمان وحب المسيح على الطريقة الأميركية، وصولاً الى المزايدة في اختيار الأقوال الأدبية والشعرية، سواء المقتبسة من الشاعر البريطاني-الإيرلندي شيماس هايني أو مواطنه الروائي جيمس جويس. والحال أن ثلاثة من الديموقراطيين الأميركيين، جو بايدن وبيتر بوتيجيج وبيتو أورورك، اختاروا أن ترافقهم رواية "عوليس" في مشوارهم  التنافسي، للظفر بترشيح أحدهم في الانتخابات الرئاسية. و"عوليس" رواية قيل إنها كتبت "كي لا تُقرأ". بعضهم اعتبرها طويلة ومضجرة، وبعضهم عدّها "أضخم عمل روائي عرفه الأدب العالمي".

جو بايدن كان مبكراً في إظهار اهتمامه بالرواية الشهيرة (مُنعت في أميركا عند صدورها)، حتى قبل ترشّحه للرئاسة. ففي العام 2016، وحينما شاهد بعض مخطوطات جويس في كلية في دبلن (مدينة أجداده) قال عن جويس إنه "أحد كتّابي المفضلين". ويؤشر الصحافيون إلى اهتمام بايدن باقتباس عبارات من الرواية وتكرارها خلال مناسبات مختلفة، كقوله أمام حشد في فيلادفيا: "عندما أموت ستجدون ديلاوير مطبوعة على قلبي"، وديلاوير هي مدينة بايدن، فيما العبارة مقتبسة بتحوير من قول جويس "إذا متّ فستجدون دبلن مكتوبة في قلبي"، بمعنى من المعاني يلعب بايدن على ثنائية المدينتين، مدينة الأجداد ومدينة الإقامة.

المرشح الديموقراطي الآخر، بيتو أورورك، افتخر في حديث إذاعي أن ولده البكر اسمه أوليسيس(عوليس)، بطل أوديسة هوميروس، مؤكداً على الصلة الوثيقة بين الأوديسة ورواية جويس بتسميتها الإغريقية. أيضاً ابنة أورورك اسمها مولي، وهو الاسم ذاته لزوجة بطل الرواية ليوبولد بلوم. ابنه الآخر، هنري، ويحيل إلى هنري فلاور- الاسم الذي يختبئ خلفه بلوم في الرواية. لكن المرشح الديموقراطي الثالث، بيت بوتجيج، وخلافاً لزميليه، بدا أكثر مباشرة في الدافع السياسي لتأكيده على يوليسيس، فقد أعلن في رد على أحد متابعيه في "تويتر" أنّ رواية جويس هي كتابه المفضّل. وأوضح: "ينظر الناس إلى هذا (الكتاب) على أنه غامض ومعقّد.. لكنه كتاب ديموقراطي للغاية، عن شاب يمر بالحياة بعمق ومعنى لا يصدَّق أن يكونا حاضرين في الحياة اليومية".


هل قرأ هؤلاء رواية "عوليس" فعلاً؟ أم يبحثون في محرك البحث "غوغل" عن أقوال جويس ويتحدثون عنها أو من خلالها في مهرجاناتهم؟ هذا السؤال كثيراً ما يتكرر، تتفاوت الإجابات عليه، وتأتي متناقضة واستعراضية. وهو حاضر في الوسط الأدبي، فكيف الحال اذ رأينا سياسيين أميركيين يحملون الرواية خلال جولاتهم الانتخابية؟! ربما يقرأ أقطاب الحزب الديموقراطي الأميركي، عوليس، وربما تكون علاقتهم به تماماً كما كتب الايطالي الفذ أمبرتو إيكو "عن الكتب التي لا يقرأها"، متطرقاً الى كتاب "كيف تتحدث عن كتاب لم تقرأه" للمحلل النفسي بيار بايار، قائلاً إن الكتاب لا يتناول كيف تستطيع ألا تقرأ كتاباً، بل عن كيفية تمكّنك من الكلام ببساطة عن كتاب لم تقرأه، حتى أمام تلاميذك، وحتى ولو كان كتاباً ذا أهمية استثنائية. النقدي هو النقطة الحاسمة عند بايار. فهو يعلن، من دون خجل، أنه لم يقرأ قط "عوليس"، لكنه مع ذلك قادر على الكلام عنها بالإشارة إلى حقيقة أنها إعادة حكي للأوديسة ـ التي يعترف أنه لم يقرأها بالكامل ـ وأنها قائمة على مونولوغ داخلي، وأن الحدث يجري في دبلن على مدار يوم واحد، وما إلى ذلك. "ونتيجة لذلك"، حسبما يكتب، "غالباً ما أجد نفسي أشير إلى جويس بلا أدنى قدر من القلق". فغالباً ما تعني معرفة علاقة كتاب بغيره من الكتب، أنك تعرف عنه أكثر مما يمكن أن تعرف من خلال قراءته الفعلية. ويبيِّن بايار كيف أنك تدرك حينما تقرأ بعض الكتب المهملة، أنك على دراية بمحتوياتها، لأن آخرين قرأوها وتكلموا عنها واستشهدوا بفقرات منها، أو نقلوا أفكارها. مع التذكير بأن إيكو كان قد اعترف اكثر من مرة بأنه جويسي النزعة، فهو في رواياته التي كتبها لم يستطع الإفلات من التأثير الخارق لجويس في فنه الإبداعي.

وقبل بايدن ورهطه، كان السؤال عن الشقراء مارلين مونرو وعلاقتها بعوليس، والسؤال مصدره واحدة من أشهر صورها حيث تظهر ممسكةً بالرواية تقرأها. فهل كانت الصورة مجرد عراضة ميديائية، تجمع أشهر نجمة اغراء في القرن العشرين مع أشهر أيقونة روائية؟ تضاربت التأويلات والتفسيرات. نُقل عن مارلين أنها تقرأها دائماً بـ"صوت مرتفع". وزمن الصورة، منتصف الخمسينات في متنزه قرب شاطئ في نيوإنغلاند، وقد أخرجت مارلين من سيارتها نسخة من رواية كانت تقرأ فيها، والتقط الصورة إيف أرنولد، وكان يُراد بذلك القول أولاً إنها ليست شقراء ضحلة ،وثانياً أن "يوليسيس" رواية ليست للمتخصصين والأكاديميين فقط، بل هي كتاب لكل من يقرأ. وقيل إن الصورة كانت تمثل تحدياً كبيراً لمونرو، إذ تمكنت من كسب ثقة الكاتب ريتشارد براون الذي نشر مقالاً بعنوان "مارلين مونرو تقرأ يوليسيس" جاء فيه أن مونرو احتفظت بـ"يوليسيس" في سيارتها، وكانت تقرأها بين وقت وآخر، وأنها أحبته لكنها وجدت صعوبة في قراءته، وبالتالي لم تستطع أن تكمل القراءة. في السنوات الأخيرة، نُشر كتاب يتضمن مجموعة من الشذرات لمارلين، ومن بين مَن ورد ذكرهم في "الشذرات" آرثر ميلر وصموئيل بيكيت وجيمس جويس. قال ناشر كتاب مارلين، برنارد كومان: "تتحدث مارلين في كتاباتها الخاصة هذه عن جيمس جويس الذي اكتشفته في السادسة والعشرين من عمرها، حين كانت تؤدي أدواراً تمثيلية فردية، وحين كانت تتردد على استديو الممثلين في نيويورك. كذلك، كانت معجبة بصموئيل بيكيت، والمدهش أكثر كان ولعها بالشاعر الملحمي والت ويتمان، مؤسس الشعر الأميركي الحديث". وللحديث صلة..

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"