آخر تحديث:13:29(بيروت)
الأربعاء 18/11/2020
share

متاهات الحرية... قفص بوحمارة وأقفاصنا المغربيّة

أيوب المزين | الأربعاء 18/11/2020
شارك المقال :
  • متاهات الحرية... قفص بوحمارة وأقفاصنا المغربيّة
    من أفعال السلطة
  • بن بركة والحسن الثاني
    بن بركة والحسن الثاني
إلى عمر الراضي في مَحبسه بسجن عكاشة (كازابلانكا)،
وُلدنا قبيل انهيار الجدار، ولن تحوّطنا أشواكُ العبوديّة.

عندما أطلقت ثلة من المثقفين المغاربة مجلّة "أنفاس" العام 1966، بهدف المساهمة في تدشين حركة إبداعيّة وفكرية وطنية، كان المغرب بالكاد ينفض عن جلبابه المهترئ غبار وأتربة الماضي القريب، وقد حاولت تلك المجموعة من الأدباء والتشكيليين والشعراء والسينمائيين، من جهتها، طرح أنموذج معرفي وجمالي أريد له التحول إلى مشروع مجتمعي، اعتماداً على إيديولوجيات اليسار وتكتيكاته السائدة وقتئذ. من جهته، كان الملك الحسن الثاني قد شرع في نحت صنمه الخاص داخل براديغم جديد للحكم تصير فيه الحياة العامة، بشتى مناحيها السياسية والثقافية والاجتماعية، خاضعة لحالة استثناء شاملة. لقد كان البلد، ونحن نحتفل اليوم بالذكرى 64 لاستقلاله عن فرنسا، قد خرج من مأزق استعمار خارجي إلى أزمة بناء الدولة الوطنية، تناحرت إبّانها كلّ مكونات الحركة الوطنية، إلى جانب القصر، من أجل تحديد المواقع وتوزيع الغنيمة؛ أزمة انتهت بسلسلة اعتقالات واغتيالات طاولت مئات المعارضين، وأعلنت في نهاية المطاف عن ترسيخ ما يمكن تسميته ديموقراطية القمع التي استلهمت تقنياتها من ليبرالية عالمية ناشئة، ومن موروث سياسي محلي سابق على الاستعمار، وشكّلت عقيدتها السيادية ومتنها القانوني والتشريعي من مرجعيات الفقه السلطاني ومن مدونات الحماية الفرنسية نفسها.

قبل توقيع معاهدة الحماية في فاس، العام 1912، كانت الدولة المركزيّة في المغرب ممزقة وهشة، حتى أنها كادت تسقط على يد ثائر هامشي ومجهول عُرف بالروڭي بوحمارة. أما المخيلة الجمعية للمغاربة، وثقافتهم الشعبية بخصوص الاعتقال السياسي، فقد كانت مقتصرة على القصص والخرافات المحكية عن السجن الضخم، المعروف بحبس قارا، الذي بناه السلطان إسماعيل العلوي (1645-1727) في عاصمته مكناس. لكن سطوع نجم بوحمارة (1860-1909)، سيفتح تاريخ المغرب الحديث، وثقافة المغاربة السياسية، على توتر مستجدّ بين مسألة الاستقرار المؤسساتي وسيادة الدولة من ناحية، وبين ثقافة الحرية والحق في الاختلاف من ناحية أخرى. قد يبدو في الرجوع إلى حكاية بوحمارة، للحديث عن مغرب الألفية الثالثة، مبالغة تشبيهية لا مبرّر لها، بيد أنها تجد شرعيتها الاستعاريّة في العَود الأبدي لبطش الظلم باسم القانون، فالاعتقال ليس سيّاسياً بالمعنى القديم فحسب، إنّما هو أيضاً شعور المواطنين بالغم والحيف، إنّه ذاك الوضع النفسي الذي نسمّيه عندنا بالـ"حَڭرة"، أي الاحتقار القاهر والمفروض بأدوات السلطة على جماعات أو أفراد يتطلعون لاسترداد كرامتهم. كيف للدولة إذن أن تتحول إلى غولة تلهتم أبناءها؟ وإلى أين ينحدر بنا هذا المغرب البديع الآخذ في الزوال؟

بين قفص بوحمارة وجسد بن بركة
منذ الاستقلال وحتى اختفاء المهدي بن بركة يوم 29 أكتوبر 1965، بقيت صورة عمر بن دريس الزرهوني، الشهير ببوحمارة، محمّلاً داخل قفص إلى فاس، حاضرة في أذهان المغاربة. لقد روّجت الصحافة الفرنسية وقتها لرسم يجسّد مشهد اقتياد الثائر إلى العاصمة مع تعليق يقول: اعتقال الروڭي وترحيله إلى فاس داخل قفص مثل بهيمة شرسة. كانت مصالح فرنسا تتقاطع مع مصالح السلطان، ومهدّت بالبروباغندا السلطانية للانقضاض على البلد. تدّعي روايات إنّ السلطان عبد الحفيظ بن الحسن (1876-1937) طلب إطعام جثة بوحمارة للأسود بعد رميه بالرصاص. إخفاء الإنسان داخل بطن الحيوان. هكذا بدأت تتشكل منهجية التصفية الجسدية بعد الحبس، فرمزية وضع جسد الثائر داخل القفص، بين القبائل، هو إذلال بدئي له، ولمن يحذو حذوه من خلاله، لكن رميه للوحوش رغبة حاسمة في إخفائه ومسح أثره، أي شكل من أشكال محوه للأبد. لم يكن بوحمارة يحمل قضيّة واضحة، ثورية أو وطنية بالمعنى الحديث، بل إنه استخدم آليات الدولة المخزنية نفسها ليضربها بها: اعتماد النسب الشريف والبركة الربانية، وتعويذات أخرى لا يفهمها غيره، لحشد الجماهير واستغلالها.


أمّا في حالة المهدي بن بركة، فقد كان لشق عصا الطاعة طعم آخر بالنسبة للحسن الثاني: اعتبرها خيانة للصداقة التي جمعته به، وانحيازاً لمشروع قومي، هوياتيّ وسياسيّ، مغاير لما كان بصدد إرسائه. كذلك أضحى بن بركة، الذي ساهم في استقلال المغرب، عدو البلد الأول بمجرد ما اتجه نحو أممية أخرى مَثَّلَهَا تَزَعُّمُهُ لحركة العالم الثالث. لقد اختفى المهدي، من دون أن نرى قفصه ولا سردابه، ثم سمعنا أنه ذاب داخل خزّانٍ مملوءٍ بحمض الهيدروفلوريك. لا عظمة أخرى لكلب القبيلة، كما قال الآخر. كانت خطيئة بن بركة إذن هي الاصطفاف إلى جانب معسكر آخر، تنتمي إليه شقيقتنا اللدود الجزائر. يكتب عبد الكبير الخطيبي: "تبلغ الوطنية المغربية ذروتها من خلال سلطة إلهية واندماجية، وعلى أساس مجتمع مجزأ، تراتبي ومنكمش، تسوده الرأسمالية وعلاقات الزبونية والتبعية، فيما تحاول الوطنية الجزائرية أن توفق بين الاشتراكية والتقنية والإسلام، وهي في الواقع تُشيّد رأسمالية الدولة على أنقاض المجتمع الاستعماري. ونعني برأسمالية الدولة تراتُباً مجتمعياً جديداً تحرّكه طبقة تقنية عسكرية. فالوطنيتان معاً تسعيان إلى استغلال الصراع الإيديولوجي العالمي وتناقضات وطنية بكامل الاستقلال".



التشهير عوض الاخفاء
مع وصول الملك محمد السادس إلى الحكم، انتقل الصراع حول ثقافة وهوية المجتمع والسلطة في المغرب من صراع إيديولوجي إلى نزاع تسويقي، مركّب وملتبس، حول المناصب والامتيازات. فبعدما أبدت الدولة عزمها على "طي صفحة الماضي"، عبر إطلاق هيئة مصالحة تُعِيدُ الاعتبار لمبدأ الاعتراف والاعتذار والصفح، وتَعِدُ رسمياً بالتراجع عن الجريمة السياسية وتُدينها، عادت المؤسسة الملكية لخلط أعرافها الصوريّة بجوهر الحكم، متشبثة ببروتوكولاتها السحيقة، التي هي جزء من سيادتها الرمزية. هكذا قامت بالدفاع عن مصالح المحيطين بها في مواجهة مفتوحة، من خلال القضاء هذه المرة، مع الصحافة المستقلة التي بدأت في الاندثار مع انتهاء العشرية الأولى من سنوات الألفين. على هذا النحو، حوكمت مؤسسات إعلامية واضطرت للإغلاق، وتوبع صحافيون بتهم ذات طابع "أخلاقي" و"مهني"، آخرها قضية الصديق عمر الراضي الذي يتابع، إلى جانب تهم تآمرية ضد النظام، بتهمة اغتصاب زميلة صحافية. الملح فوق الطعام. وفي هذا ما يكفي تدليلاً على تحوّل منهجية الدولة من التصفية الجسدية إلى التصفية المعنوية والأخلاقية، عبر تجريد الفاعلين المدنيين من مصداقيتهم وتقديمهم كخونة وفاسدين، قبل نسج حبكة الجريمة والعقاب.

لا يمكننا الحديث عن رجوع إلى النموذج الحسنيّ في القمع، لكن مجموعة من المؤرخين والملاحظين الثقافيين والسياسيين تتفق على أن المرحلة الأخيرة من حكم الحسن الثاني، أي نهاية تسعينيات القرن الماضي، كانت أكثر إشراقاً من المرحلة التي نعبرها الآن. ومع ذلك فإنّ حالة الاستثناء الشاملة، أي تلك الاستراتيجية التخويفية التي رسّخ لها الحسن الثاني بداية حكمه، والمبنية على الثقافة الأمنية والسجنية، قد عادت في لباس الضرورة الوطنية التي أصبحت الفزّاعة الرسمية، خصوصاً بعد حراك الريف الذي اعتقل على إثره عدد من المحتجين والصحافيين. بيد أن حالة الاستثناء التي نعبرها الآن تبدو أكثر غموضاً من سابقتها. يكتب الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبن: "من بين العناصر التي تزيد من صعوبة تعريف حالة الاستثناء، نجد بلا شك تلك العلاقة الوثيقة التي تربطها بالحرب الأهلية والانتفاضة والمقاومة. ولمّا كانت الحرب الأهلية تُمثّل النقيض لماهية الحالة الاعتيادية الطبيعية، فهي تقع في حيّز ينعدم فيه التمييز بينها وبين حالة الاستثناء التي تلجأ إليها سلطة الدولة كردّ فوردي لمواجهة النزاعات الداخلية الشديدة. ونتيجة لهذا، فقد شهدنا خلال القرن العشرين ظاهر تتّسِمُ بالتناقض، حظيت بتعريف ثاقب بأنها حرب أهليّة قانونية".

عزيزي عمر، اليوم عيد الاستقلال، ولا أعرف على ماذا يمكننا أن نهنئ أنفسنا. على دولة تضع خيرة أبنائها في السجن لصيانة مكتسبات الديموقراطية؟! أم على أُمِّنَا الغولة التي تبلعنا الواحد تلو الآخر داخل أحشائها المظلمة حتى تحمينا من المجهول؟ يا له من منطق عجيب حقاً. كيف لشاب وديع مثلك أن يسجن بتهم عبثية: المس بسلامة الدولة والتخابر مع عملاء دول أجنبية. مع من تتخابر يا عمر؟ لماذا لم تخبرني أنك كنت تُبدّل جلدك في "الدونكيشوت"؟ الآن، أنت هناك، تقضي نهارك وليلك داخل الزنزانة الانفرادية، وتخرج للفسحة ساعة واحدة، ونحن هنا محتجزون، في هذا المرعى الكبير. نقلّب الصور والمواجع، وقد يتهموننا بالخيانة، لكننا ساخطون، ورغم السخط الذي ينخرنا، يوجد دائماً عشق مُضمر وشجن نحمله لهذه الأرض، ومهما يكن اتصالنا بها أو انفصالنا عنها، فإننا نبقى أوفياء لها، في البقاء كما في الرحيل، نتجذر ونذوب فيها، ويريدوننا أن نختفي بلا رجعة إلى حيث قد نتحرّر زمنا من غمّ الواقع، لكننا لا نقدر، ونسافر ثم نعود، وتنتهي صلاحية جواز السفر فنجدّده، ونسافر ثم نعود، لأن المنافي لن تخرجنا البتة من أقفاصنا المجازية والحقيقية، ولأنّ هذا القبر الفسيح سيسعنا جميعاً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها