آخر تحديث:11:51(بيروت)
الأربعاء 18/11/2020
share

بين بايدن الجمهوري وكاميلا الديموقراطية.. أميركا هي أميركا؟

محمد صبحي | الأربعاء 18/11/2020
شارك المقال :
بين بايدن الجمهوري وكاميلا الديموقراطية.. أميركا هي أميركا؟ ألقى بايدن خطاباً "جمهورياً" بينما جاء خطاب هاريس "ديموقراطياً" (غيتي)
في أول خطاباتهما العامة بعد الفوز بالانتخابات الرئاسية الأميركية، بذل جو بايدن وكامالا هاريس جهوداً كبيرة للتحدث بصوت واحد والظهور بصورة الفريق المتحدّ المتممّ للآخر. لكن، رغم ذلك، ألقى بايدن خطاباً "جمهورياً" بينما جاء خطاب هاريس "ديم,قراطياً". استحضر كلاهما أميركا البديلة، أميركا التي لم تسمّم بالكامل بعد من قِبَل الكَلْبيين ورجال العصابات السياسيين والأوليغارشيين. ومرة أخرى، انجلي الاختلاف، فبالنسبة لبايدن هي أرض "الفرص"، بينما بالنسبة لهاريس أرض "الاحتمالات". الانقسام الذي يضرب البلاد يأخذ مجراه الطبيعي في قمة هرم القيادة الجديدة المنوط بها توحيدها ومعالجة ندوبها.

قد يبدو التمييز دقيقاً للوهلة الأولى، لكنه مهم، في السياسة كما في غيرها من المجالات. فالفرصة، أي فرصة، هي دعوة مواتية، أو على الأقل دعوة لا ينبغي تفويتها؛ إذ لا تمنح نفسها، بل يُستولى عليها، باعتبارها شيئاً لا يمكنك إنتاجه بنفسك، لكن يمكنك فقط انتهازها حين التعثر بها وإدارة دفّتها، بشرط وجود الرياح المواتية بدرجة كافية لدفع سفينتك المنشودة إلى الميناء (إذا كان موجوداً بالأساس). لذا في نهاية المطاف، فالدعوة النيو-ليبرالية لاستغلال كل موقف ناهض بشكل فردي تماماً لمصلحة المرء، من دون اعتبار للأضرار الجانبية التي تلحق بالآخرين، هي في جوهرها التعبير الأمثل عن افتقار الانتهازيين للمبادئ.

والحال أن هذا الموقف تحديداً يتناقض مع روح التشاركية التي أثيرت مراراً وتكراراً خلال خطاب بايدن وحديثه حول "العمل معاً لجعل أميركا قوية". فغياب التكافؤ عن توزيع الفرص لا يعزز الشعور بالانتماء للمجتمع، بل الحسد والاستياء وحرب الجميع ضد الجميع. أبرز وأفدح مثال على ذلك، تقبُّل لاتينيي أميركا لدعايات ترامب المناهضة للهجرة، وحتى انضواء بعض أبناء الجيل الثاني للمهاجرين اللاتينيين في الدفاع بحماس عن ترامب وما يمثّله.
"تفكير الفرصة" البايدني هذا يتناقض بالقدر نفسه مع "الاحتمالات" الأميركية التي تروّج لها كامالا هاريس. فعلى عكس الفرص، ينبغي للاحتمالات مقاربة حسّاسة خلال السعي خلفها وقصدية واضحة في تطويرها. غالباً ما يترافق إدراك الاحتمالات وتحصيلها مع مقاومة وتحديات، في حين تُغتنم الفرص فحسب عبر عملية تكيّف تفاعلي مع لعبة العرض والطلب في سوق العمل. لا يتعلّق الأمر بصنع شيء "ذاتي"، أو إدراك الإمكانات من أجل الحفاظ على المستقبل مفتوحاً، فالفرص تتعلق، قبل كل شيء، بالانتظار. في الوقت نفسه، تدعو الانتهازية المتأهبة لإنسان-ماكينة دائم التيقظ ومستعد لإفناء طاقته حتى لا تفوته لحظة بزوغ الفرصة، والتي بدورها لا تترك مساحة أو اهتماماً لتجربة الاحتمالات.

بالطبع، يمكن تصوُّر مواقف مقوّضة لهذا التجاور، حيث تتحول الفرص، على سبيل المثال، إلى احتمالات؛ لكن هذا يفترض مسبقاً أُطر وقوانين رفضها الجمهوريون دائماً رفضاً صارماً، وفقاً لقانون غير مكتوب مفاده أن التوزيع التعسفي والظالم "للفرص" الذي منحه الله لا يجب أن تعوّضه أي دولة بطريقة أبوية.

في الجانب الآخر، تتجنّب كامالا هاريس "اللامحدود" الفائق، المرتبط بشكل سيئ بـ"احتمالات" أميركية معينة. ترامب احتمال أميركي، وهي تعلم جيداً أنه منذ وصوله إلى سدة الحكم، على الأقل، ارتبط هذا المزيج في جميع أنحاء العالم بالجشع غير المحدود وشخصنة المناصب وإرادة التلاعب والعجرفة المتسلّطة والتمركز حول الذات. إنها ترغب، فقط، في استبدال عهد البلوتقراطية (طبقة الأثرياء الحاكمة) مرة أخرى بجدارة النخبة المتوافقة تقليدياً مع ما عرفته أميركا سابقاً في كلّ حكّامها باستناء دونالد ترامب، لأن أداءها الصارم والمرتكز على أسس تربوية ("الأحلام الطموحة" لنائبة الرئيس ذات الأصول الإفريقية والهند-أسيوية)، لا يثبت سوى كونها قوة دافعة إضافية لديناميكية النمو المدمر، وبالتالي إحباط أي محاولة لإعادة توجيه السياسة بيئياً واجتماعياً.

ربما يكون من المبالغة أن نطلب من شخص يبلغ من العمر 77 عاماً أن يناشد باسم "الاحتمالات" شيئاً تركه وراءه طوال حياته. لكن كيف يمكن لأميركا الاحتمالات "الديموقراطية" أن تتحقق بطريقة ذاتية الفعالية مع أميركا "الجمهورية" ذات الفرص المغتنمة قدرياً؟ كيف للتآزر بين الوضعية والانتهازية في ما وراء كل الخنادق الأيديولوجية الواضحة أن يعيد بناء "الرابطة الاجتماعية" (ألكسي دي توكفيل) الممزقة للولايات المتحدة؟.. أمرٌ لا يمكن تصوّره حالياً. على الأقل ليس من دون إصلاح دستوري جذري، يمكن للجمهوريين والديموقراطيين المحافظين منعه إن طُرح على الطاولة. على الأقل هم يتفقون على ذلك.

من أصل 330 مليون أميركي يحق لهم التصويت، سجّل الثلثان فقط للتصويت، وثلثا هؤلاء فقط أدلوا بأصواتهم في الانتخابات الأخيرة. لذلك نحن لا نعلم شيئاً عن حوالى 110 ملايين ناخب محتمل. ربما هؤلاء، الذين احتقروا استخدامهم كأداة لإرجاء ألعاب القوة والسياسة، هم الحاكم الحقيقي؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها