آخر تحديث:13:41(بيروت)
الأحد 15/11/2020
share

الحركة التصحيحية... لافتات وذكريات تخنق الأنفاس

علي سفر | الأحد 15/11/2020
شارك المقال :
  • الحركة التصحيحية... لافتات وذكريات تخنق الأنفاس
    كوميديا شبيحة الاسد
  • الحركة التصحيحية
    الحركة التصحيحية
  • الاسد
    الاسد
لم تُنفذ صديقتي الصحافية الشابة وعدها بإعارتي دفتراً مدرسياً حصلت عليه أو ربما على صورة مستنسخة لصفحاته من ورشة الخطاطين لبابيدي ورياض، الكائنة في عين الكرش على الضفة الغربية لشارع الثورة وسط دمشق!

كانت تعمل آنذاك على تحقيق صحافي عن خطاطي المدينة أبناء السوق، عندما شاهدت لدى هذين الخطاطين سجلهما العجيب للافتات القماشية التي تحتوي الشعارات القومية والوطنية التي كانا يغرقان بها شوارع العاصمة! فطلبتْ استعارته منهما، واعتبرتْ أنها قد حصلت على السجل العلني للشعارات الأسدية طيلة ثلاثة عقود! 

وبينما كنت أنا أسعى للعمل على تحليل سيمولوجي لهذه الشعارات، كانت هي تسعى ربما لبناء مشهدية فيلمية، لتاريخ "اللوغو" السياسي السوري! 

وها نحن معاً وبعد مرور عقدين على نهاية حقبة الأسد الأب، تشتتنا، وبات كل واحد منا في منفى مختلف، لم ينجز أي منا مشروعه، وافترستنا مشاريع أخرى ارتبطت بالحقبة الدموية للأسد الابن، ولكنها لم تنسنا المسامير النفسية التي بقيت عالقة في ذواتنا من عهد الحركة التصحيحية التي أُطلق عليها صفة "المجيدة"!

 يتذكر السوريون الذين اعتادوا أن تضطرب مدنهم، في الأسبوع الثاني من شهر تشرين الثاني منذ عام 1970 كيف أن الشعارات كانت تغطي كل شيء في الشوارع، من الجدران وواجهات المحلات إلى المسافات بين الأرصفة، فتمتد لتختفي السماء وراءها.

كان التركيب المشهدي للافتة يقوم على كتابة الشعارات بخط الرقعة بسماكة عريضة، تُقص فراغات دائرية تحتها في منتصفها وعلى جوانبها كي لا تسقطها الريح، فتقع العبارات المهيبة على الأرض! 

وعلى الزاوية اليمنى كان يُكتب إسم المؤسسة التي تتكفل بدفع تكاليفها، وفي الجهة المقابلة نجد اسم الخطاطين لبابيدي ورياض اللذين صمماه كلوغو، وكانت تتكرر أسماء آخرين غيرهما، عزت، فارس، أسما وجمال، محمد علي. إلخ.

احتفالات الحركة التصحيحية، كانت أهم مناسبة لترزق فناني الخط. صحيح أن سوريا كانت بلداً تزدحم أيامه بأعياد كثيرة، كعيد ثورة الثامن من آذار، وعيد تأسيس الحزب، وعيد الجلاء، وعيد العمال، وعيد الشهداء، وغيرها، إلا أن ذكرى التصحيح كانت هي الاحتفال الأثير لدى "جماهير الشعب العظيم" كما كان يسميهم إعلام النظام. وفي هذه المناسبة يُبذل الغالي والرخيص لإرضاء القائد الذي صنع المعجزة التي أعادت النضال البعثي من سيطرة أولئك الطفوليين اليساريين (جماعة 23 شباط)، إلى مساره الصحيح، ليكون في خدمة الشعب والثورة. ومن أجل هذين الأخيرين، ستصرفُ كل مؤسسة آلاف الليرات في الخيام التي كانت تنصب أمامها، لتستقبل المهنئين والمحتفلين، بينما يُشعل موظفوها الأرض بالدبكات و"النخ"! وأيضاً ستدفع مبالغ غير قليلة على لوحات الترويج التي ستنشرها في كل مكان. 

القطع القماشية المستطيلة 
وبالنسبة لي، لن أصاب بالدهشة عندما سأزور أحد أصدقائي من الفنانين الشباب في دمّر البلد، لأجده قد وزع عشرات القطع القماشية المستطيلة البيضاء على أرض الدار العربية التي يسكنها، ليقوم بتخطيط الشعارات عليها، وهو لن يحتاج أن يوضح لي ما الذي يقوم به، فهذه اللافتات كانت رزقاً موسمياً محرزاً! والمناسبة هي مورد رزق لكثيرين ممن يعملون في مهن أخرى، كان في مقدمتها الإعلام!

عدد غير قليل من الصحافيين والكتاب أنفسهم سيتورطون في الاحتفالية السوداء. فحين يختفي الأفق وراء صورة الديكتاتور، ويصبح الكلام كله همساً، رغم الصوت العالي للأغنيات ذات الكلمات الرديئة والألحان البليدة التي تمجد حافظاً، يمكن للمرء أن يرى نفسه وسط هذا كله، والجميع يراقب الجميع، ويحصي عليه أفعاله، وهكذا ستصبح المشاركة مطلوبة طالما أنها تقي المرء شر المخابرات، والتقارير الأمنية، وكتم الأنفاس هنا وهناك!
وهكذا سأجد نفسي، منذ منتصف تسعينات القرن الماضي، عندما بدأت عملي في التلفزيون السوري، في لجة المناسبات المتعددة، والتي كان مديرو ومعدو ومخرجو الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون يكرسون لها جزءاً كبيراً من وقتهم، ومن موارد المؤسسة! 

فقبيل موعدها بفترة يجتمع المدراء في "المبنى" ليتوزعوا المهام، وتقسيم أوقات البث بين الحفلات المركزية في المحافظات، وبين برامج المنظمات الشعبية، وبين النقل المباشر للمسيرات الشعبية التي كانت تمتد لساعات طويلة، تتكفل عربات النقل الخارجي ببثها على شاشة القناة الأولى/ البرنامج العام، فيصدر الأمر الإداري لتنفيذ ما تم إقراره! 

براغي
ولكن سيحتمل الأمر البحث عن أفكار جديدة، حيث راهن بعض أصحاب القرارات على مجموعتنا القادمة من عالم المسرح والصحافة المكتوبة، فطلبوا أن نقدم لكرنفالهم أفكاراً إبداعية جديدة للاحتفال! سيصاب أغلبنا بالخرس، ولكننا سنرضخ لاحقاً، وسنندمج بين عزقات وبراغي ومسننات الماكينة الصاخبة، وحين تم حشرنا في "خانة اليك" سنمضي بالمزاودة على أولئك الذين وضعونا في رأسهم، أي الموظفين الأقدم منا، الذين كانوا يجولون في أروقة وغرف التلفزيون ومكاتب المديرين معرضين بنا، ويتنمرون علينا بسبب الشعر الطويل وحملنا لحقائب المثقفين، فيهمسون بأننا "شاذين" و"شيوعيين"! 

وهكذا سأكتب من أجل إيجاد فرصة عمل، ودفاعاً عن النفس في مواجهة التقارير الأمنية فكرة فانتازية تقوم على ذهاب الكاميرا لزيارة كل الأمكنة والمنشآت والمؤسسات التي حملت اسم "الأسد" و"تشرين" و"آذار"! لكن المدير الذي وصلته الفكرة سيبتسم بلؤم، وسيرميها في سلة المهملات! وسأغبط ما قام به حين أتذكره، لقد نجوت من أن يظهر اسمي على مادة برامجية تمجد الديكتاتور الأب. لم أسأل عن سبب رفض الفكرة، وقد اعتبرت أنها لم تعجب ذلك المدير، إذ ما الفائدة من أرشفة الأمكنة المسماة على اسم الاب وابنه القتيل، والحزب ومناسباته، أمام مواد برامجية كانت تُبنى على النبر العالي في مديح حافظ الأسد وإنجازاته! 

ايقاع قصر المهاجرين
التقيت ذلك المدير قبل عامين في إسطنبول، حيث غادر سوريا بعد استدعاء أمني سببه الشك في ولائه للنظام في بداية الثورة، ونسيت سؤاله عن الأمر، بعد أن جرفتنا الأحاديث عن سوريا المحطمة والمختنقة بعيداً عن ذلك الوقت الآثم!
فعلياً، ومن دون اختلاق مبررات، كانت ذكرى الحركة التصحيحية عنواناً كبيراً للمعنى السوري العام طيلة ثلاثة عقود حكم فيها الأب، وكانت بذاتها لافتة معدنية رصاصية قاتمة لاقتصاد كامل، سوق حقيقية، يستفيد منه كثيرون، طالما أن البلاد كلها صارت تمشي على إيقاع الرجل القابع في قصر المهاجرين، وتأتمر بتوجيهات وتعليمات رجاله الذين أقطعهم إياها دون حسيب أو رقيب، هؤلاء الذين سيلهثون كل عام ليكونوا حاضرين في الصحف والمجلات وعلى شاشة التلفزيون، يحتفلون بذكرى التصحيح، وفي كل ظنهم أن الرئيس بذاته يشاهدهم، ويسجل الغائبين منهم في السجل الأسود لغير المرضي عنهم! 

لم تختلف سوريا كثيراً بين مرحلتي الأب وابنه، صحيح أن الشعارات القماشية لم تعد متوفرة بذات الكثافة، وأن كساد عمل الخطاطين بات أمراً واقعاً بعد تحول المؤسسات إلى اللوحات المكتوبة عبر برامج التصميم الحاسوبية، تماشياً مع فكرة بشار الأسد ذاته عن التطوير والتحديث وضرورة إدخال المعلوماتية في كل شيء، إلا أن جوهر الأمر لم يختلف: كان مفتاح تدبير الحال، وضمان البقاء، هو كسب الرضا، وطالما أن سلم الرضا ذاته ليس عالياً كما يُعتقد، ستجد تجارة النفاق والتطبيل والتزمير أدواتها، وسيصبح من السهل الحصول على المكاسب المعنوية للطامحين بتسلق السلم والمراتب السلطوية، وأيضاً نهش الجُعالات المادية لغير المهتمين بالمناصب والشاشات والدبكات!  

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها