آخر تحديث:13:03(بيروت)
الخميس 12/11/2020
share

مسلمو فرنسا أقرب للإسلام الأول من سواهم

ناصر كامل | الخميس 12/11/2020
شارك المقال :
مسلمو فرنسا أقرب للإسلام الأول من سواهم الشيخ أحمد الطيب في الفاتيكان (تشرين الثاني 2019 - غيتي)
شيخ  الأزهر، أحمد الطيب، سيكون دليل أول لبحث صحة فرضية أن مسلمي فرنسا الآن هم الأقرب للإسلام الأول من سواهم، وأن دعوى الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون؛ التي طرحها مطلع أكتوبر الماضي، ليست بعيدة من أسئلة مطروحة على وعي المسلمين منذ نحو قرنين، وقد طرحت من جديد خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وجدّدها الطيب نفسه، ومن قبله طرحها الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي؛ وإن بصورة أكثر فجاجة وحدّة.

ففى كلمته الافتتاحية لمؤتمر "أهل السنّة والجماعة"، الذي عقد في غروزني، عاصمة الشيشان، في أغسطس 2016، وصف الطيب العالم المعاصر بصورة صدامية قاتمة، كما وصف حال المسلمين بصورة أشد قتامة. وأوضح أن الغاية من عقده الاتفاق على إجابة على سؤال: من هم أهل السنّة والجماعة؟، ثم؛ وهذه هي النقطة المتصلة بسياق معضلة دعوى ماكرون، البحث "عن تشخيص الداء الذي أضعف جسد هذه الأمة، والعلة التي أنهكتها واستنزفت طاقتها، ومازالت بها حتى جعلت بأسها بين أبنائها.. ثم هو بحث في الدواء والعلاج".

ثم عبّر، الطيب، عن شعوره بالألم "أشد الألم وأعمقه" من أن مفهوم "أهل السنّة والجماعة" الذي- بحسب تقديره الذي تنكره وقائع التاريخ بشدة- كان يدور عليه أمر الأمة الإسلامية قروناً متطاولة "نازعته في الآونة الأخيرة دعاوى وأهواء، لبست عمامته شكلاً، وخرجت عن أصوله وقواعده وسماحته موضوعاً وعملاً، حتى صار مفهوماً مضطرباً، شديد الاضطراب عند عامة المسلمين، بل عند خاصتهم ممن يتصدرون الدعوة إلى الله". ويختم توصيفه لحال المسلمين (الآن) بأنه نتيجة لذلك فقد "تمزق شمل المسلمين بتمزق هذ المفهوم وتشتته في أذهان عامتهم وخاصتهم، ممن  تصدروا أمر الدعوة والتعليم، حتى صار التشدد والتطرف وجرائم القتل وسفك الدماء والاغتصاب، كل ذلك يدعى وصلاً بأهل السنة والجماعة"، وجزم بأن حال الأمة الإسلامية (الآن) متردٍّ، ولم يعد يحتمل المجاملات والإشارات ومراعاة الخواطر، وأن على  المؤتمر "لمّ شمل الأمة". 

هذه هي كلمات الطيب في المؤتمر، وعند وضعها بإزاء كلمات ماكرون: "الإسلام ديانة تعيش في أزمة في أنحاء العالم؛ ليس فقط في فرنسا، وهي أزمة عميقة، مرتبطة بتجاذب بين عدد من الأصوليات، ومشاريع ذات طبيعة سياسية ودينية. وكما شهدنا عبر العالم، هذا النوع من التجاذب يؤدي إلى التشدد؛ بما في ذلك داخل البلدان الإسلامية"، يتبين صواب الاعتماد على الطيب كدليل لإثبات الفرضية.

وفي كلمته أسهب الطيب في عرض المذهب الأشعري، واعتبره "المذهب الوحيد الذي لا يكفّر أحداَ من أهل القِبلة"، وبعد نحو شهر من المؤتمر أشار في حديث تلفزيوني، مجددا، إلى صاحب المذهب أبو الحسن الأشعري وكتابه "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين"، الذي "جمع فيه مذاهب المنتمين للإسلام، وكذلك الاختلافات بين المصلين"، منوهاً بأن كلمة مصلّين مختارة بعناية فهو (الأشعري) يقول "من صلّى إلى قِبلتنا فهو منّا ولا نكفّره".

لكن  المؤتمر الذي عُقد على أمل "لمّ شمل الأمة"، قُوبل بنقد وهجوم، بل بتخوين وتكفير من  كثيرين، أبرزهم طرفان على النقيض من بعضهما (سياسياً)، وهما: "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، الذي كان يرأسه وقتها الشيخ يوسف القرضاوي، و"هيئة كبار العلماء" في المملكة العربية السعودية. فقد اعتبرا المؤتمر ومخرجاته "دعوة لمزيد من الخلاف والفتنة، وإثارة النعرات وإذكاء العصبية بين الفرق الإسلامية".

ونتيجة موجة الهجوم هذه، وبعد نحو ثلاثة أشهر، أعلن الطيب، أنه غير مسؤول عن بيان المؤتمر الختامي الذي استثنى "السلفية" من قائمة المشمولين بصفة "أهل السنّة"، معللا تنصله بأن "الوفد الأزهري الذي شارك في المؤتمر لم يكن على علم بالبيان الختامي، وأنه لم يُعرض عليهم قبل إصداره، بل لم يكن وفد الأزهر الرسمي موجودًا في غروزني حين أعلن، ومن ثَمَّ فإن الأزهر غير مسؤول عن هذا البيان، وما يُسأل عنه فقط هو الكلمة التي ألقاها شيخ الأزهر".

هذا هو إذاً مآل المؤتمر، وحال فريق من المسلمين: فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف يفتتح  مؤتمراً في الشيشان ويغادر مع الوفد الأزهري، ثم بعد هجوم كاسح، يتنصل مما أصدره المؤتمر، ويعلن أنه مسؤول فقط عن كلمته، ما يجعل تلك الكلمة السند الوحيد لفهم الحال والمآل، حيث الاختلاف هو الأساس، وهو ما يحيل مباشرة إلى الفقرة الأولى من كتاب الأشعري الذي يرتكز عليه الطيب في عقيدته وفي تخريج آرائه، لا سيما الكلمات التي يرى الطيب أنها تستحق أن تُكتب بماء الذهب: "اختلف الناس بعد نبيّهم على أشياء كثيرة، ضلّل بعضهم بعضاً، وبرّأ بعضهم من بعض، فصاروا فرقاً متباينين وأحزاباً متشتتين، إلا أن الإسلام يجمعهم ويشتمل عليهم".

ثم إن الأشعري يقطع بأن "أول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد نبيّهم اختلافهم في الإمامة"- أي الخلافة أو الحكم والسياسة بلغة العصر- ثم يورد سرديته حول وقائع ما عرف بحديث سقيفة بني ساعدة، حيث جرى اختيار أبو بكر خليفة أول للنبي؛ الذي لم يكن قد جرى دفنه بعد، وحيث نشأت القاعدة التي تزعم "أن الإمامة لا تكون إلا في قريش"، وهي سردية تخالف سردية الشيعة التي تعتبر "الإمامة" من أصول العقيدة، وأنها منصوص عليها في علي بن أبي طالب وذريته (نصاً). ويكمل الأشعري سرد الاختلافات التالية: "لم يحدث خلاف في حياة أبي بكر وأيام عمر.. إلى أن وُلّي عثمان بن عفان وأنكر قوم عليه في آخر أيامه أفعالاً.. ثم قُتل وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم. ثم بويع علي بن أبي طالب، فاختلف الناس في أمره، فمن بين مُنكِر لإمامته، ومن بين قاعد عنه، ومن بين قائل بإمامته معتقد لخلافته وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم.. ثم حدث الاختلاف في أيام علي، في أمر طلحة والزبير وحربهما إياه (موقعة الجمل)، وفي قتال معاوية إياه، وصار علي ومعاوية إلى صفين (موقعة صفين).. ثم قتل علي وصار اختلافاً إلى اليوم".

سرد وقائع السنوات الأولى من "الخلافة"- الدولة الإسلامية- يبدو وكأنه يُلقي ظلالاً على بذور "أصيلة" تزهر وتختفي بحسب متغيرات تاريخية طوال عمر الإسلام، وحتى لحظة مؤتمر غروزني، حيث يبدو الاختلاف والصراع حول تعريف من هم "أهل السنّة والجماعة" متعلقاً بصراع سياسي مكتوم بين القاهرة والرياض، وصاخب بينهما وبين الدوحة.

ذهب الأشعري، إذاً، إلى حصر مختلف مقالات الإسلاميين، من بداية ظهور الاختلاف، إلى بداية القرن الرابع للهجرة، (حوالى 913- 1010 للميلاد)، وذكر أن المسلمين اختلفوا: "عشرة أصناف: الشيعة والخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية والضرارية والحسينية والبكرية والعامة وأصحاب الحديث والكلابية أصحاب عبدالله بن كُلاّب القطّان". وفي تفصيل الأصناف العشرة، يذكر أن "الشيع ثلاثة أصناف. فمنهم "الغالية" وإنما سُمُّوا الغالية لأنهم غلوا في عليّ وقالوا فيه قولاً عظيماً وهم خمس عشرة فرقة. فالفرقة الأولى منهم "البيانية" أصحاب بيان بن سمعان التميمي، يقولون أن الله عز وجل على صورة الإنسان، وأنه يهلك كله إلا وجهه وادعى بيان أنه يدعو الزهرة فتجيبه وأنه يفعل ذلك بالاسم الأعظم، فقتله خالد بن عبد الله القسري". والقسري هذا، هو والي الكوفة والبصرة في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك.

جملة "فقتله...(فلان)" ترد كثيراً جداً في الكتاب كنهاية للمخالفين، وهي الصورة الواقعية للكلمات التي يقترح الطيب أن تكتب بماء الذهب "الإسلام يجمعهم ويشتمل عليهم"، ومرادفاتها: "من صلّى إلى قِبلتنا فهو منّا ولا نكفّره"، أو ما عبّر عنه الطيب في المؤتمر بحزم: "المذهب الأشعري هو المذهب الوحيد الذي لا يكفّر أحداً من أهل القِبلة". الأشعري لا يكفر بيان بن سمعان التميمي، لكن القسري قتله، كما قتل الآلاف غيره. فابن تيمية يذكر أن القسري جاء ببيان "مع خمسة عشر رجلاً إلى مسجد الكوفة، وعلقهم بأوتاد من قصب، ثم صب عليهم النفط وأحرقهم... وأن بيان بن سمعان لما وصلته النار، فر، ثم لما نظر إلى أصحابه يحترقون وهو لم يحترق دخل معهم". كما يذكر واقعة قتل أخرى، حيث قبض القسري- سنة 120 هجرية (738 ميلادي)- على الجعد بن درهم، لأنه كان يقول: "إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً"، ثم جاء به إلى المسجد صباح عيد الأضحى، وربطه في أصل المنبر، وقام (القسري) خطيباً، ولما انتهى قال: ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضحٍ بـ الجعد بن درهم ، فنزل فذبحه كما تذبح الشاه".

في المذهب لا تكفير؛ بحسب ما يرى الطيب، لكن وقائع التاريخ الإسلامي تتضمن الملايين من الوقائع المشابهة لما حدث لبيان بن سمعان وجعد بن درهم. وقائع ترتكز على كتب أخرى، ذكر بعضها الطيب في كلمته في المؤتمر. ففي كتاب "الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم"، لعبد القاهر البغدادي (ت 429 هـ) سردية تنطلق من إقرار بصحة حديث "افتراق الأمة ثلاثاً وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة (ناجية منصورة)".

هذه بعض ملامح كلمة الطيب في مؤتمر الشيشان، الذي عرفنا مآله وعجزه عن "لم شمل الأمة"، والذي كان في حقيقته محاولة فاشلة لتعريف "الفرقة الناجية" تحت مسمى "أهل السنّة والجماعة"، ذلك الفشل الذي تعاظم قدره بعدما آل جهد الطيب إلى توفيق مع بابا الفاتيكان، البابا فرنسيس، فأصدرا في أبوظبي، في شباط/فبراير 2019، وثيقة "الأخوة الإنسانية"، وإن كان يتضمن إشارة أخرى على مأزق الأزهر المتواصل. فبينما يصر البابا على أنه لا يمثل المسيحيين كلهم، وإنما الكاثوليك فقط، يصر الطيب أنه "حَوْلِه المُسلِمُونَ في مَشارِقِ الأرضِ ومَغارِبِها".

فما علاقة هذا كله بمسلمي فرنسا؟
لنفكر فقط في الصنف الأول من المسلمين بحسب الأشعري: الشيعة، ونرى كيف يطبق الأزهر عقيدته وكلماته التي تستحق، بحسب الطيب، أن تكتب بماء من ذهب: "من صلّى إلى قِبلتنا فهو منّا ولا نكفّره". فالشيعي المصري محروم من الجهر بعقيدته، وممارسة شعائره الدينية، بل إن الأزهر يكفّر الشيعة ويخرجهم من ملّة الإسلام. فقد أعادت مجلة الأزهر، التابعة لمجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر، العام 2013، نشر كتاب صدرت طبعته الأولى قبل نحو ستين عاماً حين كان مطروحا البحث في وسائل التقريب بين المذاهب والفرق الإسلامية، وهو كتاب "الخطوط العريضة لدين الشيعة" لمحب الدين الخطيب- صاحب المكتبة السلفية- وقد وزعته مجلة الأزهر مجاناً كملحق لها، وقدم له محمد عمارة، عضو المجمع وقتها، وعضو هيئة كبار العلماء لاحقاً، معلناً أن "الشيعة ليس مذهباً أو طائفة، إنما دين، تحالف أصحابه مع الصليبيين وهولاكو، والإمبريالية الأميركية، والمسيحية الصهيونية، ضد المسلمين".

هذا حال المسلمين من فشل محاولة التقريب بين المذاهب والفرق إلى الفشل في تعريف فريق واحد. وما على ذلك المسلم الشيعي المصري، الذي يريد أن يجهر بعقيدته، ألا أن يعبر البحر المتوسط ويذهب إلى أي مدينة فرنسية كبرى، حيث سيجد عشرات الجمعيات الشيعية التي يمارس من خلالها الشيعة الفرنسيون شعائرهم الدينية بكل حرية، وسيجد ما يصعب عليه حصره من فرق ومذاهب ومدارس وجمعيات، كلها تصلّي للقِبلة نفسها. فالواقع أنه، في فرنسا، لكل مسلم أن يعبّر عن معتقده بحرية، ويمارس شعائره كيفما شاء علناً. قد يكون هناك من يعتقد بما يعتقده بيان أو جعد، لكن يصعب أن يكون هناك خالد، وإن لم يعدم الأمر وجود من يظن أنه من "الناجية المنصورة".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها