آخر تحديث:11:44(بيروت)
الثلاثاء 10/11/2020
share

"الجنقو" لعبد العزيز ساكن.. بين الرقيب والجوائز

المدن - ثقافة | الثلاثاء 10/11/2020
شارك المقال :
"الجنقو" لعبد العزيز ساكن.. بين الرقيب والجوائز منع الرقيب اعماله في السودان
فاز الكاتب السوداني، عبد العزيز بركة ساكن، بجائزة الأدب العربي للعام 2020، والتي يمنحها معهد العالم العربي في باريس بالتعاون مع مؤسسة جان لوك لاغاردير. الجائزة التي تبلغ قيمتها 10 آلاف يورو، ذهبت في دورتها الثامنة إلى ساكن عن روايته "الجنقو مسامير الأرض" الصادرة باللغة العربية وترجمها إلى الفرنسية إكزافيه لوفان. 

يمكن الثَّناء على جائزة الأدب لأنها غالباً ما تكون مشجعة، وانتقت مروحة من الأسماء الروائية من مختلف البلدان العربية، والآن السوداني ساكن إذ قال: "أعتقد أن هذه الجائزة جاءت في الوقت المناسب تماماً لأن روايتي تتحدث عن التسامح الديني والحب والإنسانية، إذ نعيش الآن في عالم تمزقه صراعات الهوية، ويمر بما يشبه صدام الحضارات". والنافل أن "الجنقو/ مسامير الأرض" حازت جائزة الطيب صالح للرواية العام 2009، ليصدر بعد قليل قرار وزارة الثقافة السودانية في زمن عمر البشير، بحظر الرواية ومنع تداولها، وقبل ذلك صودرت مجموعته "امرأة من كمبو كديس" العام 2005. وفي 2012، منعت السلطات كتبه في معرض الخرطوم الدولي للكتاب، فيما رأى ساكن في تعنُّت الرقابة تضييقًا غير مقبول، مؤكِّدًا على أنه "كاتب حسن النية وأخلاقيٌّ، بل داعية للسِّلْم والحرية، لكن الرقيب لا يقرأني إلا بعكس ذلك".

في أحد حواراته المنشورة في كتابه "ما يتبقى كل ليلة من الليل"، يعبّر بركة ساكن عن ضيقه من هذا الرقيب الذي يتتبع خطواته وكتاباته فيقول: "الرقيب، ذلك الوحش الوفي والقارئ المواظب لأعمالي، ناقدي المَهْوُوس المنحاز دائمًا ضد كتاباتي، المصاب بجنون العظَمة وعُقدة النقص في اللحظة ذاتها، الذي لا يؤمن إلَّا بأفكاره الخاصة عن الدين والأدب، وهو لَمْ يَسْمَع بهما بعد، والذي لديه مَقْدِرة خارقة على وزن الأدب بميزان الدين والأخلاق وقانون النظام العام و"المشروع الحضاري" للسلطة، وكل شيء آخر ما عدا ذائقة الفن. هذه العلاقة الملتبسة سببها سوء فهم لا أكثر".

وتتضارب الآراء حول منع كتب ساكن ومنفاه. يكتب النور عادل في موقع الجزيرة: "كنت أتمنى من فريق إعداد حلقة "الزبون الدائم للرقيب" أن يمر في شوارع الخرطوم ومحلات بيع الكتب، خصوصاً جوار المسجد الكبير في الخرطوم، وقرب كمبوني وسينما كلوزيوم سابقاً، حيث أكثر الكتب رواجاً وعرضاً هي "حصن المسلم" وتعلم الإنكليزية والتنمية البشرية ثم منتجات الروائي ساكن، خصوصاً روايته المعروفة "الجنقو"، حتى في معرض الكتاب في الخرطوم في دورة العام 2017، كانت كتب ومؤلفات ساكن تعرض على مرأى من الرقيب في دور نشر معروفة. كذلك في مسألة النفي، كما أسلفنا، لم يكن العنوان أميناً، بل فيه بُعد من الموضوعية وتحري الدقة، فالنفي نوع من العقوبة الجنائية التي يوقعها القانون على الشخص، وهو ما لم يقع في حالة كاتبنا ساكن، فالرجل غادر وطنه عبر المطار طوعاً وعاد في وقت لاحق وقد تم تكريمه بمنطقته خشم القربة، وكان جزءاً من جماعة تكريم وزارة الثقافة بالمنطقة".

بينما يقول ابراهيم عادل في موقع "حريات": "يكشف بركة ساكن في رواياته ويعرِّي الكثير من ممارسات الحكومات العربية القمعية، سواء كان ذلك في السودان أو غيرها، ولذا فهو يواجه بالسجن والقمع والمصادرة طوال الوقت، لكنه يواجه ذلك بكل بساطة. فحينما تم اعتقاله أول مرة، وطلبوا منه أن يكتب لائحة بكتبه وإصداراته، كتبها لهم بحسن نيّة، ليفاجأ بعد ذلك أن السلطات صادرت كل إصداراته من السودان".

تعكس رواية "الجنقو: مسامير الأرض" الأجواء الغرائبية لحياة "الجنقو"، وهم عمال الزراعة المطرية الموسمية، في المناطق الحدودية بين السودان وإثيوبيا وأرتيريا، وهي تحكي علاقتهم بالأرض والنساء والتجوال، وتقارب التحولات التي حصلت في واقعهم "العمالي" نتيجة إدخال الآلة الزراعية الحديثة. تتحدث هذه الرواية عن الإنسان، بفقره وضعفه وآلامه، بأخطائه وخطاياه، تتحدث عن العمال الموسميين "الجَنْقُو"، الذين تركوا قراهم الفقيرة بحثًا عن لقمة العيش وأملًا في العودة بثروة صغيرة تغير حياتهم، وفي سبيل ذلك يقبلون أن تطحنهم تروس الحياة الخشنة مرات ومرات، في مزارع السكر وحقول السمسم والمصانع ذات الآلات الرثَّة، فتتغير أعمالهم وأسماؤهم خلال شهور السنة. فهم "الجنقو" و"الفَحامين" و"كَاتَاكو"، من دون أن يغيب عنهم الشقاء لحظة، فلا يجدون مهربًا إلا قرية "الحلة"، حيث تُغرَق الآمال والهموم في أقداح الخمور الرخيصة وأدخنة الحشيش السيء التي يتشاركونها في الليالي الطويلة مع نساء بائسات يعرضن أجسادهن لقاء قروش قليلة، وبدلًا من أن يعود "الجنقو" مرة أخرى لأهليهم بعد شهور العمل الشاق، يقررون أن يبقوا في الحلة، فمالهم تبدَّد وكذلك شطر كبير من العمر.

وُلد ساكن العام 1963 في مدينة كسلا، شرقي السودان، في بيئةٍ تزخر بالقصص والأساطير والحكايات الخرافية. وما إن بلغ الثالثة عشرة من عمره، حتى تفتحت موهبته الأدبية، وكتب أول قصة طويلة في حياته. عمل كاتباً في الكثير من الدوريات والمجلات والجرائد العربية والعالمية. تُرجم بعض أعماله إلى الانجليزية والفرنسية والألمانية... له روايات عديدة، منها "مخيلة الخندريس"، و"مسيح دارفور" (الرواية التي قيل إنها كانت مفتاح شهرته في أوروبا)، و"رماد الماء"، و"الطواحين". وهو مقيم حالياً في مدينة مونبلييه، جنوبي فرنسا. 

مقطع من الجنقو:
بَيْتُ الأُمِّ
الْجَنْقُو يتشابهون في كل شيء، يقفزون في مشيهم كغربان هَرِمة ترقص حول فريستها، يلبسون قمصانًا جديدةً، ياقاتها تحْفَلُ بالأوساخ التي عَمِل العَرَق، وعملت الشمس، وريح السَّمُوم، والتُّربة الطينية السوداء على جعلها شاهدًا على صراع مرير مع المكان، والطقس، ولقمة العيش، يفضلون الجينز ذا الجيوب الكبيرة والعلامات التجارية البارزة، المكتوبة بخطوط كبيرة مثل: كونز، وانت، ديوب، لي مان، وِنستون وغيرها، لا يعرفون ماذا تعني، لكنها تعجبهم ويفضلونها على غيرها، ويدفعون لأجل الحصول عليها مالًا سخيًّا، يحيطون خصورهم بأحزمة الجلد الصناعي، فتبدو هيئاتهم كمخلوقات غريبة لا تنتمي للمكان، لكنها تقلد كل شيء فيه بالأخص كُلِّيقَة السمسم المحزومة جيِّدًا، أحذيتهم التي كانت جديدة لامعة وأنيقة في أواخر ديسمبر الماضي، هي الآن ذكرى تلك، مَزْق متسخة ذات أخرام وألوان يصعب تحديدها في الغالب، لا يهتم أحد بتهذيب شعر رأسه، في ما بعد حدثنا وَد أَمُّونة بأن عاناتهم كَثَّة وأنهم يهملونها، يتركون شعر رأسهم الذي يميل للحُمْرَةِ من فعل الشمس كثًّا متشابكًا قصيرًا أو طويلًا في مستعمرات للشرا.
للجنقاوي أو الجنقوجوراي عدة أسماء على مرِّ السنة، وشهورها، وفصولها: فهو كَاتَاكَوْ في الفترة ما بين ديسمبر إلى مارس، حيث يعمل في مزارع السُّكَّر بكنانة، ومصنع سُكر خشم القربة، عسلاية أو الجنيد.
ويُسَمى فَحامِي في الفترة ما بين إبريل إلى مايو، حيث يعمل أم بحتي؛ أي منظفًا للمشروعات الجديدة، أو المهملة من الأشجار، ويصنع من سُوقها وفروعها الفحم النباتي.
ويُسَمى جنقو أو جنقوجورا في الفترة ما بين يونيو وديسمبر، أي منذ هُطول الأمطار إلى نهاية موسم حصاد السمسم، أما خلال السنة كلها فتطلق عليه النساء اسم فَدَّادِي، وبالمقابل يُسمِّي هو النساء اللائي يصنعن المريسة، والعرقي، فدَاديَّات، وعرفنا أيضًا من بعض الجنقو الذين أتوا من الفاشر ونيالا أن اسم الجنقوجورا هو المستخدم عندهم للدلالة على ما نسميه نحن في الشرق اختصارًا جنقو، لا يطلقون لفظ جنقاوي للمفرد كما نفعل، بل جنقوجوراي.
هي ليست المرة الأولى التي نترافق فيها إلى مكان لا نعرفه، ولن تكون الأخيرة، فمنذ أن طُردنا من وظائفنا للصالح العام قبل خمس سنوات تجولنا كثيرًا في شتى بقاع السودان: شماله، جنوبه، غربه، وشرقه، كان هو من أسرة ثرية، ويحتفظ بمال كثير لنفسه، يمكِّنه من أن يتفرغ بقية حياته كلها للجري وراء متعة المشاهدة، كما أطلقنا على ما نقوم به من «تسكع وتلكع» في بلاد الله الشاسعة، أنا فقير لكني عازب، ولا أتحمل مسئولية أحدٍ غير نفسي؛ إخواني، وأخواتي، متزوجون، بعضهم خارج السودان، والبعض الآخر في الداخل، واتخذوا طريقهم المحتوم في الحياة، أمي وأبي متوفيان، هو يساعدني كثيرًا في تحمل مصاريف السفر، ومتعة المشاهدة، وأنا أوفر له الرفقة الطيبة، ويقول الناس عندنا: الرفيق قبل الطريق.
تصرخ رائحة العَرَق المشوي بشمس الدَّرَت الحارقة، شمس سبتمبر، لتملأ الأنوف زَنَخًا لا يُحتمل، دندن في صوت مرح: رجال، رجال، نحن في حلم؟
قلت له: أنا شُفت واحدة قبل شوية.
يبدو أن الشاب العِشريني الذي يجلس قربنا، الوسيم، الذي يحتسي قهوته، لم يكن منشغلًا بموضوعات الحصاد، الربح والخسارة، العنتت والقبور الكعوك، وطيور أم عويدات، وود أبرق، كما هو الحال عند الجميع وبمن فيهم صاحب القهوة البدوي الشاب كثُّ الشعر، أو بما تقدمه له رشفات القهوة من متعة تبدو عظيمة، كانت أذناه تتصيدان ما نهمس به، ربما ما نفكر فيه أيضًا، قال لنا دون مقدمات بحماس عالٍ ساذج: إنتو ما مشيتوا بيت الأم، معقول؟ لازم تمشوا بيت الأم.
قلتُ: بيت الأم؟ أم منو «مَن»؟
قال: نعم، بيت الأم، أُم الناس كلهم.
سأله صديقي: بيت الأم؟
قال: أيوه، بيت الأم.
ثم أضاف بلغة التجِرنة، وكأنما نحن نعرف كل لغات الدنيا: قَذا أَدِّي.
نهض مع آخر رشفة من قهوته، نهضنا خلفه، كان وسيمًا متوسط الطول، له بشرة لامعة صفراء، وشارب كث، شعره منسق، وحديث الحلاقة، يبدو أن اهتمامًا خاصًّا قد صبَّ عليه، تتبعه رائحة طيبة مَيَّزْنَا ماركتها بسهولة، كان شخصًا لا يشبه شخوص المكان: نظيفًا، أنيقًا، به ليونة بادية للعيان، في مِشيته، وطريقة كلامه، ووجهه النظيف.
قال وهو ينظر إليَّ: أنا اسمي وَد أَمُّونة.
ابتسم وهو يضيف: اسمي كمال الدين، لكن ما في زول يعرف كمال، أمي أمونة، وهي تقول لي ود أمونة، الناس لقوا الاسم ساهل، يلَّا وَد أَمُّونة، ود أمنة! الناس يوم القيامة ينادوهم باسم أمهاتهم.
قال له صديقي: ما في مُشكلة، الأم ما في زيها، يا ريت لو نادوني باسم أمي كنت حأكون أسعد زول.
قال له وَد أَمُّونة فجأة: أمك اسمها منو؟
– أمي مريم.
– وإنت؟
قال مخاطبًا إيَّاي: زينب، زينب أبَّكر.
قال: أمي اسمها آمنة، ولكن اسم الدلع أمونة.
وسألته: إذن بيت الأم دا بيت أمك أمونة، مش كدا؟
قال نافيًا بشدة: لا، بيت الأم دا بيت الأم، قرَّبنا نصل.
ثم أضاف: إنتو من وين؟
قلنا معًا بصوت واحد: من القضارف.
صمت صمتًا طويلًا ثم أصدر هواءً من فمه بصوت محسور: سجن القضارف، شفتوا سجن القضارف؟ بالتأكيد تكونوا شفتوه، مش كدا؟ في ديم النور.
رد عليه: بالتأكيد، في زول في القضارف ما شاف السجن؟!
قال وهو يخطو بنا خطوات سريعات في عمق المكان: أنا اتربيت فيه.
سيعرف في ما بعد أن والدينا كانا يعملان في ذات السجن، سحبنا من بين قطاقطي، ورواكيب القَش، في أزقة طويلة لا تنتهي تتلوى كالثعابين، صاعدة هابطة على أرض وعرة، عليها أخاديد صنعتها الوابورات، واللواري، وعربات الترحيل الخفيفة، مثل اللاندروفرات والبربارات، تَعُم المكان رائحة البخور مختلطة بعبق المريسة، وبعض الخمور البلدية، على خلفية من ريح فاترة تهب جنوبًا، دافئة وطيبة، دون أن نطرق بابًا من الزنك على سور من القش والحطب، دخلنا بيت الأم، أو كما يطلقون عليه بالتجِرنَّة: قَذَا أَدِّي.

(*) نوهت لجنة تحكيم الجائزة في باريس، أيضاً، برواية Mauvaises Herbes (أو "نباتات سيئة") للبنانية ديما عبد الله، الصادرة باللغة الفرنسية... ويستضيف معهد العالم العربي كلاً من ساكن وديما في لقاءين أدبيين يومي الخامس من ديسمبر/كانون الأول 2020، و27 فبراير/شباط 2021.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها