آخر تحديث:10:18(بيروت)
الأحد 01/11/2020
share

شون كونري.. الذكوري المحبوب والبروليتاري النبيل

محمد صبحي | الأحد 01/11/2020
شارك المقال :
  • شون كونري.. الذكوري المحبوب والبروليتاري النبيل
    افتخر شون كونري بكونه اسكتلندياً قبل كل شيء
  • اسم  الوردة
    اسم الوردة
ربما قيل كل شيء منذ فترة طويلة عن شون كونري. أول وأفضل من جسَّد جيمس بوند على الشاشة الكبيرة. لعب الدور ست مرات بين عامي 1962 ("دكتور نو") و1971 ("الماس للأبد")، ثم مرة سابعة في عام 1983. اعتبر لفترة طويلة المعيار الذهبي للجاسوس في خدمة صاحبة الجلالة ملكة بريطانيا، حتى جاء دانيال كريغ، الذي أخذ سمعته وإرثه أيضاً من تجسيده الدور، لكنه بيَّن أيضاً أن زمن مقارنة نفسه بشون كونري قد ولّى أخيراً بعد ما يقرب من نصف قرن.


لا يمكن لأي حديث عن كونري أن يكتمل من دون استدعاء أدوار بوند التي جسَّدها. لعب روجر مور الدور بطريقة أكثر سخرية ذاتية، مما خفَّف من هراء العصاب الذكوري المعتاد، لكن الشخصية فقدت التوتر الداخلي كنتيجة طبيعية لذلك. في الوقت الحاضر، أضحت الذكورة السامة كلمة طنانة منفوخة. كونري هو الدليل السينمائي على أن ذلك المصطلح أكثر تعقيداً. إنه الذكورة المتجسّدة المتناقضة: تدميرية في خواتيمها، ولكنها، لسوء الحظ أو لحسنه، تتمتع بقبول جنسي على الدوام. لا يبدو بطلاً من منطلق الشعور بالمسؤولية ولا بدافع المغامرة أو التهور. في الواقع إنه ليس بطلاً على الإطلاق. إنه ينقذ العالم بسخرية رقيقة. وبالشمبانيا بالطبع. الشمبانيا نصف المعركة.

بطل البُعد الواحد

كان مخترع بوند، إيان فليمنغ يفضّل أن يرى كاري غرانت في دور العميل السري لصاحب الجلالة، أو أي شخص آخر يعتقد أنه من التميّز والنبل لتأدية الدور. ففي الأخير، كانت الشخصية تهدف أساساً إلى مواساة المملكة المتحدة لفقدان مستعمراتها وانحسار أهميتها الجيوسياسية. لكن كونري أضاف جرعة من الفظاظة البروليتارية إلى كياسة الخبير بشؤون الدنيا والناس. معه، انزوت تراتبية النظام الطبقي البريطاني، فلا يمكن تخيله كأرستقراطي، بل كملك.


أصوله من الطبقة العاملة الاسكتلندية، وهي غالباً ما تكون مرئية. فقط انظر إلى الوشم الذي يزيّن ساعديه: "أمي وأبي" في جانب، "اسكتلندا إلى الأبد" على الذراع الأخرى. مثّلت تلك الخلفية الأساس المجازي لمسيرته المهنية، فعُرف عنه الاقتصاد المادي وصعوبة مفاوضته حين الاتفاق على أجره، لكن شغفه بالغولف كان أسطورياً (كان يشترط في عقود أفلامه وجود مشهد واحد على الأقل تحضر فيه رياضته المحبوبة)؛ والتقى بزوجته الثانية في إحدى البطولات وقدَّرها أكثر لمشاركته شغفه بالغولف. في أوقات فراغه كتب الشِعر.

من ناحية أخرى، تبدو أساطير التمثيل القديمة مثل أصدقاء الطفولة المألوفين الذين يمكنك زيارتهم إلى الأبد. غير متأثرين بالموضة والقيود الأخرى، يظلون على "فيلميتهم" كما كانوا، للأفضل أو للأسوأ. "بوند" شون كونري عنيف وأنيق. لكن كونري الشاب، على الرغم من ذكوريته، كان لديه دائماً شيء من العذوبة والصبيانية، حتى في ملامح وجهه. مع ذلك، فإن تحيزه الجنسي، مثلما اللارحمة الموضوعية التي يقضي بها على أعدائه، يبدو اليوم وحشياً بمعايير العصر. وهكذا فإن الاسكتلندي الواثق، ابن الطبقة العاملة، يذكرنا أيضاً بالشخصيات البطولية من ملاحم القرون الوسطى، والتي لا تزال منيعة أمام النظرة الحديثة، ومذهلة بأبعادها الواحدة تلك تحديداً.

اليوم، أصبحت أفلام بوند المبكرة أفضل ما يمكن أن يحدث لسلسلة الجاسوسية المثيرة. لعب شون كونري دوراً كبيراً في هذا الأمر بما أصبغه على الشخصية من وحشية أنيقة وحسّ ساخر وأيضاً بالمفارقة التي جلبها لصورته الخاصة كرجل يرى فيه الآخرون ما يريدون أن يكونوا عليه. مع آخر فيلم له من أفلام بوند، "أبداً لا تقل أبداً"، تحوَّل إلى تلك الشخصية الرمادية المكتسية بطابع أسطوري وتاريخ ممتد. عندها فقط أصبح شون كونري نجماً حقيقياً. وبعد ذلك، على مرّ عقود، ترسّخت مكانته كأحد العمالقة في تاريخ السينما الشعبية.


غزارة بلا انتقاء

لكن حتى قبل أن يصبح بوند ويطارد الجميلات، كان كونري ممثلاً مشغولاً تطارده الأدوار من دون أن يتأنّى في اختيارها. لعب دور البطولة في عدد هائل من الأفلام التي لا تكاد تستحق التذكر. وفي الأثناء، هناك تلك الأدوار الأيقونية. هل أعلى شون كونري تلك الأفلام بمجرد حضوره فيها؟ على الأقل هذا ما يمكنك رؤيته من مرحلة عمله الثانية بعد بوند، والتي ظهر خلالها في عدد كبير من الاقتباسات الأدبية، من بينها "اسم الوردة" (1986) المأخوذ عن رواية أمبرتو إيكو الشهيرة بالاسم نفسه.

كان سيدني لوميت أحد المخرجين المعروفين الذين أخذوه على محمل الجد، ومع ألفريد هيتشكوك صنع أحد أفضل أفلامه، "مارني" (1964). ولكن في كثير من الأحيان، كما هو الحال في فيلم "الممنوع لمْسهم" (1988) لبريان دي بالما، يتولَّد لدى المرء انطباع بأنه يستطيع فعل أكثر مما يظهر هناك. "عندما تنتهي مناوبتك، تأكد من عودتك إلى المنزل حياً"، لفترة من الوقت تتخذ شخصيته في الفيلم، مالون، هذا شعاراً لها، ويمكنه أن يكون أيضاً شعار الممثل شون كونري الذي حدّث نفسه بأن لا تحاول أخذ أي فرصة والأفضل من ذلك، ابتسامة ساخرة جافة، نظرة جامدة ثابتة، ثم ابتعد عن الطريق. مع ذلك، حصد أوسكاره الوحيدة عن هذا الدور.


اسكتلندي في كل الجنسيات

 افتخر شون كونري بكونه اسكتلندياً قبل كل شيء، وسمح لهذا أن يُسمع في ظهوراته السينمائية، سواء كان أميراً بربرياً أو نبيلاً إسبانياً أو خالداً، وفي كل الأدوار التي لعبها سواء طرّزها التوفيق أو جانبها النجاح، التي احتفظ فيها بلهجته الإسكتلندية. حين سأله المخرج جون بورمان حول السرّ وراء ذلك، أجابه: "إذا لم أتحدث بالطريقة التي أتحدث بها، فلن أعرف من أنا".

يكمن هنا الغموض الكبير، كما كتب بورمان في مذكراته "مغامرات صبي من الضواحي"، "يمكن لنجم سينمائي أن يلعب الأدوار الأكثر تنوعاً، لكنه يظل دائماً هو نفسه، بينما تستحوذ الشخصيات على"ممثل الشخصية" (A character actor)، ويفقد نفسه فيها". بهذا المعنى، سيكون كونري في الواقع مجرد ممثل غير بريطاني جيد، نقيض لأسلوب التخفّي المتعدد والشامل الذي يميز، على سبيل المثال، أليك غينيس أو دانيال داي لويس. من الواضح أنه استمتع بغموض هويته النجمية، حيث سُمح له بالبقاء على حاله في جميع الشخصيات التي لعبها أمام الكاميرا. شعر بالراحة في جلده وجلدها.


والد هاريسون فورد وداستن هوفمان

أخيرا أصبح كونري أباً. أولاً لهاريسون فورد في "إنديانا جونز: الحملة الصليبية الأخيرة"، ثم داستن هوفمان في "شركة عائلية"، وكلاهما من إنتاجات العام 1989، وكان الأمر مذهلاً ومريباً على السواء، لأن فارق السن ليس بهذا الحجم. سُئل هاريسون فورد ذات مرة عن ذلك في برنامج حواري. ما هو شعوره حيال كونه ابن شون كونري؟ في البداية بدا فورد مستاءً من هذا الخلط بين السينما والحياة الحقيقية، وأجاب بفظاظة نسبية: "إنه يكبرني باثنتي عشرة سنة فقط!"، ثم تفكر للحظة وانحنى للخلف مضيفاً بنبرة تآمريةً: "من ناحية أخرى، أنت تعرف شون".

كلنا نعرف شون. لقد جسَّد فكرة معينة وشائعة عن الذكورة في وقتٍ لم يشكك أحد في هذا المفهوم. باستثناء لحظات قليلة فعلها هو نفسه، لأنه كان يعلم أنه لن يمر وقت طويل قبل أن يجد هذا الدور طريقه إلى مستودع الهزليات وإعادات التدوير غير المجدية. لم يدع الأمر يصل إلى هذا الحد. في عام 2006 تقاعد كرجل عرف دائماً أنه قد يجني مئات الملايين في شباك التذاكر، ولكن لديه بالفعل أشياء أفضل للقيام بها. بالطبع، يمكنك القول الآن إن كل هذا حدث منذ وقت طويل جداً. ولا عجب، لأن شون كونري مات بالأمس، بعدما بلغ التسعين قبل شهرين.

 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها