آخر تحديث:14:02(بيروت)
الأربعاء 07/10/2020
share

الذاكرة، الهجرة، والإختفاء.. ما الذي يشغل الفنانين السوريين؟

علاء رشيدي | الأربعاء 07/10/2020
شارك المقال :
الذاكرة، الهجرة، والإختفاء.. ما الذي يشغل الفنانين السوريين؟ من مشروع ذاكرة النساء، بيسان الشريف
تعرفنا سلسلة "لقاء مع فنان" التي تنتجها مؤسسة "اتجاهات-ثقافة مستقلة" على مجموعة واسعة من الأعمال الفنية السورية الممتدة منذ العام 2014 وحتى اليوم. يختار القائمون على السلسلة بعض المشاريع الفنية الحاصلة على منحة "مختبر الفنون" لتصوير لقاء مع صناعها، حيث يشرحون فكرة المشروع وكيفيات وآليات تنفيذه، كما تعرض فيديوهات للأعمال نفسها. وتتنوع الفنون التي تقدمها هذه السلسلة بين: التشكيلية، المسرح، الأدب، السينما، والموسيقى. 
 

بين الكتاب والتجهيز الفني
يحضر بتواتر في أعمال الفنانة بيسان الشريف، مِحورا المكان والذاكرة. في مشروعها "شام" تعيد تجسيد المكان في الذاكرة عبر تجهيز فني وكتاب أطفال. أعدت الفنانة لقاءات مع مجموعة من الأطفال المقيمين في الداخل والخارج السوري، تسألهم فيها عن ذاكرتهم عن دمشق والأماكن المفضلة لديهم فيها، ومن هذه اللقاءات استلهمت الفنانة فكرة تحقيق كتاب ثلاثي الأبعاد، بالورق المقوى والكرتون، يجسد ذكريات الأماكن. المرحلة الثانية من المشروع كانت تحقيق فضاء تجهيز فني يجسد الرغبة ذاتها عند الفنانة في تشكيل ذاكرة المكان ليدخلها المتلقي-الزائر الذي يمكنه الإستماع إلى أصوات مسجلة من أماكن في دمشق. يحضر محور المكان أيضاً في أعمال فنية أخرى مثل: فيلم "الطريق إلى البيت، وائل قدلو"، فيلم "300 ميل، عروة المقداد". 

في ظل الحرب
تقدم أعمال المسرحي ساري مصطفى، نماذج عن حكايات شخصيات متعددة المستويات في علاقتها بين بعضها البعض، وبين الحدث السياسي والإجتماعي من حولها. تجري وقائع مسرحية "حقن اللعبة" في ليلة واحدة بين ثلاث شخصيات: زوج، زوجة، وعشيق الزوجة. ومن هذه العلاقة الثلاثية ينطلق العرض ليعكس أثر الحدث السياسي والإجتماعي على الأفراد، وتبعاتها النفسية والذهنية. لقد تعرض الزوج إلى قذيفة هاون، ففقد ابنه على إثرها، وتعرض لإصابة تشوه وعجز جنسي. تبدأ المسرحية بينما يمارس الزوج التعذيب بحق زوجته وعشيقها في حالة من الإنتقام. هذه العلاقة بين الشخصيات والحرب، تحضر أيضاً في فيلم "إبراهيم، إلى أجل غير مسمى" حيث تحاول المخرجة لينا العبد تتبع حكاية والدها المختفي منذ الثمانينات، متنقلة في فيلمها لتتبع حكايته بين سوريا، لبنان، مصر، الأردن، وبرلين. كذلك يحضر أثر الحدث السياسي في حياة الأفراد في المجموعة القصصية "نوافذ" للكاتب عدي الزعبي.


ابتكار الموسيقى في الحرب
يقول الموسيقي مهند نصر، عن مشروعه "همسات صاخبة": "هي مقطوعات موسيقية تعكس التناقض الذي يواجهه فنانو المنطقة يوميًا فيما يحاولون رفع أصوات آلاتهم فوق أصوات الحرب". يركز المؤلف على الصعوبات التي يعانيها الموسيقيون في سبيل ابتكار الموسيقى في فترات الحروب، صعوبات التواجد جمعاً للتدريبات في مكان، والتسجيل الصوتي بعيداً من ضوضاء النزاعات المسلحة. عبّر الفنان عن الموضوعة عبر تأليف مقطوعات موسيقية تتناوب في إيقاعاتها بين السريع والبطيء، الحماسي والروتيني. يقول مهند: "الموسيقى للبحث عن الجمال في هذا الواقع، الموسيقى همس في وجه الصخب".


أما أغاني ألبوم "مونولوج" للموسيقي يوسف كيخيا، فهي تعبّر عن التجربة الذاتية للفنان منذ العام 2011، يحاول من خلالها الدمج بين غناء بأسلوب الـ"فولك" وبين الموسيقى الإلكترونية، مع كلمات مكتوبة باللغة العامية. يعبّر المؤلف الموسيقي عن المراحل والتجارب التي يعيشها الفنان السوري في ظل الظروف الحالية، ويصف ألبومه الغنائي بالسوداوي.


تقنيات جديدة في سبيل التعبير
يبتكر آرام حمود، صانع ومحرك الدمى، شخصية الدمية زكريا، الذي يرى أنه وبعد وصول الفكر العربي إلى ذورة مجده آن الأوان لقيام النهضة الجسدية، وهي تعني تحرر الدمية من صانعها ومحركها. فالمحرك والدمية يتشاركان في الجزء السفلي من الجسد، بينما ينفصلان في الجزء العلوي بإشارة إلى الإنفصال أو النزاع الفكري بينهما. هذه الدمية المصنوعة من ورق الجرائد تقدم أمسيات شعرية ليقرأ فيها زكريا من ديوانه "فت حكي". والعروض المسرحية التي يقدمها الفنان آرام حمو تركز على العلاقة الإشكالية بين الدمية وبين محركها. في فيديو اللقاء مع الفنان يقول آرام حمود: "إن زكريا هو رغبة دفينة في داخلي بأن أكون شاعراً". الدمية وصانعها يتفاعلان بحيث تتداخل الهويات، وتصبح الدمية مثالاً لصانعها. في عروضه المسرحية، يناقش الفنان عبر حكاية زكريا موضوعات الإنتماء، النزوح، الهجرة، بأساليب تجمع بين الساخر، الكوميدي، والناقد.


أما المسرحي عمر بقبوق، فيلجأ في عرضه "خيال كورديللو" إلى المزاوجة بين شكلين فنيين، هما مسرح خيال الظل وفيديو السيلفي، للتعبير عن موضوعته. العرض المقدّم كتحية إلى الفنان زكي كورديللو الذي اعتقل مع ابنه مهيار العام 2012، وهو واحد من الأسماء البارزة في مسرح خيال الظل، الشكل المسرحي الموجه للأطفال في الوقت الحاليّ، والذي كان سابقاً واحداً من أبرز أشكال الفرجة والنقد الاجتماعيّ. ولأن العرض يتناول موضوعة العزلة التي يعيشها الإنسان السوري، فقد لجأ المخرج إلى توظيف وسائل التواصل المتعددة لتجاوز الحدود الجغرافية للمكان المسرحي، وهكذا يتابع الجمهور عبر هواتفهم النقالة الحدث المسرحي الذي يجري في مكانين، الأول في بيروت، والثاني في سراقب السورية. كذلك يلجأ المخرج عروة المقداد في فيلمه "300 ميل" إلى تجاوز عقبات المسافات الجغرافية لينجح في تصوير فيلم تجري أحداثه بين حلب، درعا، وبيروت.


الإخفاء القسري
موضوعة الإخفاء القسري واحدة من الموضوعات الأكثر تواتراً في الفن السوري اليوم. في فيلمه "أزهار البلاستيك" يعمل المخرج عامر مطر على تصوير حكاية اختفاء أخيه محمد نور في مدينة الرقة، وأثر هذا الحدث في المحيط العائلي والإجتماعي. ومع الفيلم، نتابع محاولات العائلة في البحث عن ابنها المختفي قسراً، ومن خلال حكاية هذه العائلة ندخل إلى حكاية كامل مدينة الرقة. يكتب المخرج عن فيلمه: "يستخدم أفراد العائلة مجموعة كاميرات أثناء البحث، تصوّر حكاياتهم وقصصهم في مدينة الرقة السوريّة وسجون داعش فيها، وهروبهم إلى تركيا ومن ثم إلى ألمانيا، ثم مواصلة البحث داخل الرقة مجدداً بعد خروجها عن سيطرة داعش".


سيرة مشتركة لبلاد المنطقة
كما كانت الهجرة واحدة من موضوعات الفن اللبناني خلال السنوات السابقة، أصبحت أيضاً موضوعة أساسية في الإنتاج الفني السوري المعاصر... هكذا اجتمع الكاتب والمسرحي وائل علي، مع المسرحية كريستيل خضر، في إنجاز عرض مسرحي باسم "عنوان مؤقت" يبحث في سؤال الهجرة في المشرق منذ العام 1915. يبدأ البحث من مصادفة العثور على رسالة صوتية مسجلة على كاسيت قديم. الرسالة تعود إلى العام 1976، أرسلها شخص هارب من الحرب الأهلية في بيروت إلى من بقي من عائلته هناك. بدءاً من هذا الغرض لا نلبث أن نعثر على خيط موصول من الهجرات، يعبر من بلد إلى آخر ومن حقبة إلى أخرى. يكرر المهاجرون الأسئلة ذاتها والمشاهد ذاتها، فيما تتبدل الأغراض والآثار التي يدوّنون عليها سيرتهم. يكتب الثنائي في تقديم العرض: "يعمل عرض عنوان مؤقت على خلق فضاء لوجهات نظرٍ متقاطعة حول حكاية الهجرة باعتبارها سيرة مشتركة لبلاد المنطقة، حكاية الذين يرون مكان ولادتهم يتلاشى شيئًا فشيئًا ليختفي بهدوء".


حتى الآن، حققت سلسلة "لقاء مع فنان" 22 لقاءاً مصوراً مع فنانين وفنانات من سوريا، تمتد أعمالهم على مدار السنوات الست الماضية بأنواعها المتعددة التي تمكننا من تكوين صورة بانورامية عن أهم موضوعات، أسلوبيات، وتقنيات الفن السوري المعاصر.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها