آخر تحديث:13:37(بيروت)
الأربعاء 07/10/2020
share

الدولار يطيح معرض بيروت للكتاب

محمد حجيري | الأربعاء 07/10/2020
شارك المقال :
الدولار يطيح معرض بيروت للكتاب بيروت بلا معرض.. وشارع الحمرا بلا أكشاك ولا مكتبات
قبل أيام، مررتُ في شارع مصرف لبنان لغرض ما، تأملت بقايا "حرب الشعارات" التي خاضتها انتفاضة 17 تشرين، ما زالت كلماتها على الجدران والزجاج هنا وهناك... تعابير ومواقف غاضبة و"ثورية" وشتائم بكل الألوان والأشكال والتوقيعات... تحولات كثيرة طرأت على المكان، أسلاك شائكة على السور الخرساني امام المصرف المركزي، خزائن المال (أو المصارف) باتت خلف ألواح الصفيح، انتهى الزمن البراق والشفاف في الشارع البيروتي...

عند وزارة السياحة، إثر انفجار مرفأ بيروت، ما زالت على الملأ، الصالة الزجاجية بلا زجاج... من باب الفضول، وقفتُ أمام مكتبة "النهار"، شعور مسبق عنها أنها تعيش مرحلة الكهولة أو باقية من زمن "النوستالجيا". دار "النهار" شبه مقفلة، غابت مع غياب صاحبها غسان تويني. تأملت بعض العناوين جيداً، منها "نهاية لبنان المسيحي" و"لبنان الكبير" و"حكيم الثورة" و"ضمير لبنان" و"سيدة القصر"... قلت سأشتري هذا وذاك، عناوين جذابة لكن الأسعار فتاكة... في هذه المرحلة شراء الكتب أشبه بالترف المحض! لمرتين متتاليتين أمشي، أتأمل العناوين، ثم أمشي، أفكر أن أدخل المكتبة، أن أسأل الموظف عن الأسعار، أتردد... لم يكن هذا التردد حاضراً في حياتي، حتى في زمن القلّة كنت أشتري الكتاب، لكن في زمن ارتفاع الدولار، يبدو أن وتيرة الغلاء أحدثت صاعقة وفوبيا من كل شيء، فحتى لو توافر معي ثمن الكتب، لا أفكر بشرائها... "هناك أمور أهم في الحياة" أقول، لم أعتد أن أدفع ثمن الكتاب الذي كنت اشتريه بـ20 ألف ليرة، أي بـ15 دولار، الآن بـ120 ألف ليرة...

الصدمة مؤلمة... لم أشتر الكتب، ومشيت إلى كشك محمود السيد عند مفرق الكبوشية قبالة غرافيتي الفنانة صباح. المنشورات تقلّصت بشكل كبير، حتى أكشاك الصحف أقفلتْ، وبعضها تحوّل إلى اللوتو أو الـDVD. ورغم أني أهوى الكتب العتيقة، لم أنجذب الى أي من العناوين المتوافرة لدى محمود. سألته عن المنشورات الكويتية، "عالم المعرفة" و"عالم الإبداع" إن كانت وصلت، فقال إنها منذ بدء الكورونا لم تعد تُوزع... كل القراء من محدودي الدخل كانوا ينتظرونها، وهي في الواقع المنشورات الأرخص التي يمكن أن يدفع القارئ ثمنها ولا يشعر بغصة أو بحسرة. أكملت السير. أريد أن أختبر ما إذا كانت الحمرا تحافظ على روادها القدامى. أنتبه إلى أن المعلم كسبار الشيوعي الأرمني، ما زال يكتب في المقهى، كنت أراه في المودكا وقد أقفلت، ثم في الويمبي... فكرت ان أمرّ على مكتبة أحد الأصدقاء، نزلت الدرج فوجدت المحل معتماً وفارغاً... حسبما علمت إن غلاء الإيجار وارتفاع الدولار أطاحا المكتبة، وصاحبها قلص المدفوعات، وعلمت أن بعض المكتبات أو ما تبقى ما مكتبات في رأس بيروت، لم تعد تشتري الكتب كما في السابق، فالزبون عليه التوصية على الكتاب ودفع ثمنه مسبقاً للحصول عليه، هذه الوتيرة تجعل توزيع الكتب في موت سريري، الكل يخاف من تقلّب الدولار، من الكاتب الى الناشر والمكتبة والقارئ.

بعد الظهر، بعد مشوار الحمرا العابر والباهت، سألت احد الناشرين عن مصير معرض بيروت للكتاب(العريق)، فقال: "لقد ألغي، والسبب غلاء الدولار، لا الكورنا"، وهذه هي المرة الثانية التي يلغى المعرض بعد تأجيلة السنة الفائتة بسبب انتفاضة 17 تشرين. لم أستغرب الإلغاء، فالافتتاح مغامرة فاشلة مسبقاً ومعروفة النتائج. لا يمكن لمواطن لبناني أن يشتري الكتب على إيقاع الدولار المرتفع. معظم أصحاب الودائع بالعملات الصعبة، أصبحت ودائعهم في دائرة الاعتقال والأسر المصرفي، أما الذين يتقاضون رواتبهم بالعملة اللبنانية، فيدركون أنها لا تكفي ثمن قوتهم اليومي...

أن يُلغى معرض بيروت للكتاب بسبب غلاء الدولار، فهذا يدل على المأزق الكبير الذي تعيشه العاصمة ولبنان. ففي خضم الحرب الأهلية، بقي المعرض ناشطاً في أروقة المدينة، "يتحدى" لغة الحرب، يستقبل زواره المحليين والعرب، ويقيم نشاطاته. أما اليوم، في زمن "العهد القوى"، بات موعد المعرض في السراب الجهنمي، والمدينة تفرغ من مضمونها ومعالمها وناسها ووجوهها.

يُلغى معرض بيروت وتعيش دور النشر اللبنانية مأزقها الكبير مثل غيرها من المؤسسات. فبحسب المعلومات التي حصلنا عليها، تراجعت نسبة طباعة الكتب في بيروت نحو 60%، وتغيّرت طريقة تعامل أصحاب المطابع مع الناشرين، إذ لم تعد تُطبع الكتب إلا بالدولار الكاش... هكذا باتت فكرة بيروت عاصمة للنشر في الثلاجة، بانتظار الحلول التي تبدو بعيدة حتى الآن، في وقت بدأت معارض عربية، في الشارقة وبغداد والدوحة وأبوظبي، تعود إلى الحياة، اذ حددت مواعيد لافتتاحها في ظل التكيّف مع موجات كورونا...

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"