آخر تحديث:17:19(بيروت)
الثلاثاء 06/10/2020
share

رشا رزق إن أحبّت اللاجئين

رشا الأطرش | الثلاثاء 06/10/2020
شارك المقال :
رشا رزق إن أحبّت اللاجئين في مخيم للنازحين في ادلب (غيتي)
يبدو منشور المغنية السورية، رشا رزق، في صفحتها في "فايسبوك"، حيث تطالب المنظمات الإنسانية بإرسال حبوب منع الحمل والواقيات الذَكَرية إلى مخيمات اللجوء السوري كي لا "يُحرم الأطفال من التعليم والطبابة وأساسيات الحياة" معتبرةً أن "كل من يُنجب طفلاً في المخيمات هو بحكم المجرم"، يبدو من النوع الذي يتلقاه المرء أول ما يتلقاه بأفكار ومشاعر ملتبسة، وهو بالضبط ما عبّرت عنه ضجة التعليقات في مواقع التواصل الاجتماعي بين مؤيّدين وشاجِبين.


فمن جهة، من الواضح أن رزق، المحسوبة على المعارضة، متعاطفة مع اللاجئين الذين يعيشون في ظروف مزرية، وبالأخص مع الأطفال. كما أنه، ورغم الإدانة الواجبة سلفاً (وهو ما غفلت عنه صاحبة المنشور) للأطراف التي تسبّبت أساساً في حالة اللجوء هذه الخادشة للشروط الإنسانية، وتسببت في أحوال مخيماتهم المحرومة من مقومات العيش، وعلى رأسهم نظام بشار الأسد وحلفائه، فلعل بعضاً من واقعية اللحظة في النظر إلى الأمر الواقع المفروض على اللاجئين ومحيطهم، يحيل المتعاطف إلى التفكير في ما يمكن للاجئين أنفسهم فعلَه لأنفسهم ولتخفيف وطأة ما يعيشونه وما يعيشه أطفالهم مضاعفاً.

لكن، من جهة ثانية، سرعان ما ينجلي منشور رزق عن عقلية معتورة، ضيقة، وبدائية. عقلية استسهال لوم الضحايا، ولو جزئياً، على ما هم فيه، طالما أن الجلاد بعيد المنال وبطّاش، يصعب تحميله المسؤولية بخطاب عالي الصوت والسقف، خصوصاً في الداخل السوري، ناهيك عن محاسبته أو حتى الحؤول دون استمرار نهجه في قتل السوريين وتهجيرهم، إضافة إلى تحميل الدول المضيفة مسؤولياتها، كما في لبنان مثلاً حيث يحصل أن تُنهب مساعدات المجتمع الدولي والميزانيات الداعمة المخصصة للاجئين والمنظمات العاملة في المجال. هكذا، يبدو اللاجئون أقرب إلى مرمى أيدي الغاضبين بسبب هذا الظلم.. فيصفعون المظلومين بالتوبيخ والاتهامات. ويصل الأمر بالخطاب "المتعاطِف" إلى اكتناز نبرة وصائية، ليس فقط على ما يُعتقد أنها التراكيب النفسية والثقافية والطبقية لهؤلاء الناس، بل أيضاً، وبالمباشر، على أجسادهم وأجساد أولادهم، بحجّة الخوف عليهم من الأمراض والجهل وحتى الموت.

والحال إن المعارضين لنظام الأسد، الذين يعبّر عنهم منشور رشا رزق ويؤيدونه (وقد يتشاركون الخطاب نفسه مع الشبيحة)، يضيّعون المطلب المحوري والأهم: المطالبة والعمل على تحقيق دعم أفضل وأشمل في الغذاء والصحة، وفي التعليم والتمكين الاقتصادي. ييأسون من جدوى المطلَب المحق، فيذهبون إلى المُجحِف لكنه ممكن وفي المتناول لمجرد أن المُطالَبين به هم الأضعف والأكثر هشاشة، ليس فقط بسبب حالة لجوئهم الراهنة، بل من قبلها، بأثر من فقرهم القديم وغياب معالم التنمية والخدمات بالمستوى البشري اللائق في سوريا الأسد، كأن تُعاب القذارة على تجمّع بشري ما وهو الذي لا يحصل على مياه نظيفة حتى للشرب.

وحتى إن ذهب التفكير إلى ما بعد هذه المُطالبات "المستحيلة" حالياً، في ما يمكن فعله ضمن مخيمات اللجوء كمساحة متاحة للعمل وإنجاز نتائج أسرع وملموسة، فإن منطق رزق احتفظ بالتعالي، بل بشيء من النهج الأسدي في الفرض، أن "أعطوهم وسائل منع الحمل"، بمعنى اجعلوهم يستعملونها (من دون القول: أمّنوا لهم مستلزمات الصحة الإنجابية، سواء حملت النساء أم لا). لم يقل هذا المنطق شيئاً عن التوعية التي لها أساليب وتجارب معتمدة في البلدان النامية مثلاً، أو المناطق الأكثر فقراً، والتي في الوقت نفسه لا تصادر قدرة الناس على اتخاذ القرار، بل تؤكد أنه قرار يُتخذ ولا يترك للصدفة، تؤمَّن أدوات الخيارات المختلفة، والأهم أنها تسعى لجعل النساء شريكات في القرار، رفضاً أو قبولاً، في حين تفرّد الرجال بتلك الحظوة في أوقات كثيرة. ولم يستطع هذا المنطق استبدال لهجة مَن ينشد التحكّم في الجسد اللاجئ ورغباته وثقافته وتربيته، وتطويع ما دُرّب أو لم يدرّب عليه، بلهجة مَن يريد جعل الأفراد اللاجئين، لا سيما النساء، أكثر اتصالاً بأجسادهم/ن، وأكثر قدرة على اختيارات "سيادية" ومستقلة بشأنها وبالتالي بشأن العائلة ككل.

وهذا ما يعيد إلى المشكلة الأولى، فقرارات جسدية-عائلية-اجتماعية من النوع هذا، لتكون "طبيعية"، يفترض أن تأتي بعد أن ينال المواطن حقوقه الأساسية ولا يعود هناك ما يُطلب من السلطة. وهذا ما يجعل خطاب رشا رزق، التي لا تتفرد به (ويذكّر بالنسق "الكفرناحومي" للمخرجة نادين لبكي)، غير طبيعي في ألطف توصيف، وصولاً إلى ما قد يُعتبر استبداداً بيولوجياً، ولو فقط بالأفكار واللغة (في التطبيق، تخطر في البال "الدولة الأم" في الصين)، ودائماً تحت شعار "أحبكم يا فقراء بلادي ولاجئيه.. وأحب أولادكم أكثر منكم".

المسألة ليست في "الصواب السياسي" الذي لا يوفّق، في الكثير من الأحيان، بالصواب أو حتى البداهة. بل المسألة في ما بات من البرمجيات المدمجة في العقول وطرق التفكير، حتى حينما يثور الأشخاص على المُبرمِج القائد.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

رشا الأطرش

رشا الأطرش

مديرة التحرير

مقالات أخرى للكاتب

حقيبة سارة الثلاثاء 20/10/2020
الثورة الفاشلة الجمعة 16/10/2020
شيعة كافكا الثلاثاء 13/10/2020
الأمل الجمعة 09/10/2020
المزيد