آخر تحديث:13:21(بيروت)
السبت 31/10/2020
share

في وداع آلان ري... عاشق اللغة

روجيه عوطة | السبت 31/10/2020
شارك المقال :
في وداع آلان ري... عاشق اللغة الكلمات في قواميسه شاهدة على علاقته بلغته
طوال تجربته، تمكن آلان ري من كسر الصورة الشائعة عن الألسني والمُقَوْمِّس، الذي كانت تظهره على نحو محدد. إذ كان الألسني والمقومس داخل هذه الصورة بمثابة شرطي يسكن مرقبته، حارساً اللغة، وهذا، حفاظاً على طهارتها. فما أن يقع على كلمة دخلت الى لغته، حتى يفحصها إن كانت تتلاءم مع تلك الطهارة، وإن لم تكن كذلك، يقصيها. أما، وحين يجد أن كلمة انصرفت من اللغة اياها، فهو يحاول القبض عليها من جديد، أو إبرازها كأنها على الهامش. كان الألسني والمقومس يسهر، لا على نظافة لغته فحسب، بل، وأيضاً، على جعلها مغلقة، أو بالأحرى خانقة لكلماتها. وبالتالي، تتوقف عن التبدل، مثلما تصير منطوية على خوف شديد، لا يشير سوى الى هزالها.

كان هذا هو الألسني والمقومس بحسب تلك الصورة، أما، عكسه، أو بالأحرى المختلف عنه، فكان آلان ري. فبادئ ذي بدء، لم تكن له مرقبة، يطل منها على المتكلمين باللغة الفرنسية، ويأمرهم بالتحدث على هذا المنوال أو ذاك. على العكس، كان على مقربة منهم، أي يقترب منهم، أكان عبر قواميسه، أو عبر تعليقاته الاذاعية، وهذا، لكي يخبرهم عن الكلمات التي يتلفظون بها، من دون أي إحباط لهذا التلفظ. فعلياً، كان ري يحض على هذا الفعل الأول والأخير، بحيث، وبالنسبة اليه، سبيل الى تغير وتطور الفرنسية، لكي تبقى لغة حية، ولكي تبقى محايثة اذا صح التعبير لمجتمعاتها. لم يكن ري يرمي الى لغة مغرورة، مكتفية بنفسها، وسرعان ما تغدو صلفة، إنما الى لغة متواضعة، مفتوحة على غيرها، ترحب بكل اللكنات، والكلمات الحاضرة في فضائها.

فعلياً، من الممكن تخيل قاموس ري المثالي على أساس كونه، من ناحية، يشرح الكلمات، ومن ناحية ثانية، يتركها على مغايرتها. هو قاموس لا تُدرج فيه الكلمات تلك كأنها تلزم بمعيار آحادي، لكنها تتجاور في صفحاته الى جانب بعضها البعض، لكي تبقى على صلات متنوعة بينها، وعلى رأسها صلات تجعل من أصولها أصولاً متداخلة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، كان ري قد فسر ذات مرة كلمة "هاشتاغ"، موضحاً أنها ليست انكليزية فقط. إذ وجد أنها ترتبط بفعل hacher الفرنسي، وهو فعل كان قد نقله رهط من بارونات النورماندي الى الإنكليزية حين كانوا يعيشون في بريطانيا. بالتالي، "هاشتاغ" هي، ولأنها كلمة انكليزية، تعود، في أصلها، الى الفرنسية، أما، أصلها الفرنسي هذا، فيعود، بدوره، الى أصل ألماني أيضاً. بهذا، يبين ري أن اللغة لا منشأ واحداً لها، بل إن مساقط رأسها كثيرة، ولأنها كذلك، لا يمكن أن تحيا بإقفالها، أو بمحاولة اختزالها بمكان بعينه. اللغة، بحسب ري، هي دوماً متحركة، كما أن كل كلمة فيها على علاقة مع أخرى خارجها، حتى تكاد تنتسب واياها إلى لغة ثالثة.

في الواقع، هذه اللغة الثالثة قد تحوي الكلمتين معا في كلمة. هذه هي حال "khey"، الذي برزت في الفرنسية، وهي متحدرة من العربية، من الجزائرية على وجه الدقة. "خي" هذه، وبالفرنسية، عربية وفرنسية، كما أنها ليست عربية ولا فرنسية، ولأنها، كل ذلك، فهي تنقلهما إلى لغة ثالثة، حيث يختلطان، أو يجريان في بعضهما البعض. الأمر نفسه ينسحب على كلمات المراهقين، على كلمات الشارع، على الـ"آرغو"، الذي كان ري ضليعاً به، والذي كان أول من فتح القاموس لها، تماماً، كما فعل حيال كلمات "bolos" أو "Daron" الخ. وفي نتيجة ذلك، كان بديهياً أن يتحول ري إلى ما يشبه صديق الشبيبة، إذ إنه على دراية بلغتهم، وعلى تقدير لها، لا سيما انه يرى فيها انها الطريق إلى صون حيوية الفرنسية. وهذا ما حمل في العام 2017 كل من ثنائي الراب بيغفلو وأولي، ومعهما إلى اليوتيوبي سكويزي، إلى التعاون مع ري لإنتاج اغنية مشتركة، تتضمن كلمات شبابية من عندياتها، من قبيل "chibouk" و"épectase".

على أن، ومع موت آلان ري، تبقى هذه الكلمات في قواميسه شاهدة على علاقته بلغته، وبمتكلميها على اختلافهم. فقد كان يحبها ويحبهم. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"