آخر تحديث:12:51(بيروت)
السبت 03/10/2020
share

الحداثة على النيل: إسلام وميكانيكية سحرية

شادي لويس | السبت 03/10/2020
شارك المقال :
الحداثة على النيل: إسلام وميكانيكية سحرية لوحة لمحمود سعيد
تخبرنا أليكس ديكا سيغيرمان، بأنها وصلت إلى نيويورك قبل شهر واحد من 11 سبتمبر 2001، لكن، وبفضل لون بشرتها الأبيض وعينيها الزرقاوين، هي المتحدرة من عائلة ألبانية استقرت في الولايات المتحدة قبل جيلين، لم تشعر بثقل تبعات ما حدث مثل الكثير من المسلمين الأميركيين.

لا تروى سيغيرمان قصة شخصية بالضرورة، بل تسعى لوضع كتابها ""الحداثة على النيل: الفن في مصر بين الإسلامي والمعاصر"(2019) في سياقه. فبحسبها دفعت أحداث 11 سبتمبر إلى إقبال أكاديمي على محاولة فهم العالم العربي والإسلام ودراستهما، بالتوازي مع قيام الوكالات الاستخباراتية "بتوظيف أعداد كبيرة الشباب لدراسة وتوثيق واختراق واحتلال تلك المجتمعات". مع الوقت لحقت أقسام تاريخ الفن في الجامعات الغربية بموجة التوسع في دراسات الشرق الأوسط. ولاحقاً، ساهمت ثورات الربيع العربي وما واكبها من حركات فنية خرجت إلى الشارع، في توجيه المزيد من الاهتمام إلى دراسة المنطقة وفنونها. اهتمام العواصم الخليجية بالفنون العربية في إطار "الدبلوماسية الثقافية"، ودعمها المؤسساتي والمالي للباحثين الغربيين في المجال، كان سبباً آخر لتوسعته. جاء نبذ المركزية الغربية وعولمة تاريخ الفن الحديث، كجزء من ظاهرة التحول نحو المعولم في تأريخ الحداثة وحقل الإنسانيات عموماً.

تُقدم سيغيرمان تلك السياقات الأربعة في إقرار منها بأهمية "أن يتعرف المرء على موقعه من بنية إنتاج المعرفة ودوافعها"، وكذا لتفسير ولو بشكل ضمني ذلك التوتر الذي يسري في فصول كتابها. 

يسعى "الحداثة على النيل" إلى تأطير علاقات وتقاطعات الحديث والإسلامي في الفن المصري، فغالبية السرديات التاريخية المعتمدة للفنون الحديثة في مصر تعاملت معها بوصفها حقلاً علمانياً يتنازعه التأثير الغربي والحس الوطني الصاعد ضد الاستعمار، مع استلهام للفرعونية والتراث الشعبي. ظل الإسلامي وصفاً قاصراً على فنون ما قبل الحداثة. لكن سيغيرمان، التي تنقد تعريف الفن الإسلامي كما وضعه المستشرقون الأوائل، وتصفه بأنه "إشارة فارغة من المعنى"، لا تجد مهمة تعريف الإسلامي أمراً سهلاً بالتأكيد. تلجأ إلى تعريف شهاب أحمد في كتابه "ما هو الإسلام؟"، فالإسلامي هو تلك المسافة الشائعة بين تعاليم الإسلام وتفسيراته المختلفة والكثيرة، وبين التجارب المُعاشة للمسلمين على تنوعها. تعريف يبدو مقنعاً لوهلة في شموليته، لكن سريعاً ما يتضح إنه فضفاض أكثر من اللازم. 

يبدأ الكتاب بثلاث شخصيات لعبت دوراً جوهرياً في خلق جمهور الحداثة الفنية في مصر: الأميرة نازلي فاضل (حفيدة إبراهيم باشا) وصالونها الثقافي الشهير، يعقوب صنوع مع مجلته المصورة الساخرة "أبو نضارة زرقا"، والشيخ محمد عبده ومقاله التأسيسي "الصور والتماثيل وفوائدها وحكمها". يقدم الثلاثة، الأميرة فرانكوفونية الثقافة والتي تنتمي للنخبة التركية الحاكمة مع صنوع، المصري اليهودي من أصول إيطالية، وكذا عبده الأزهري الإصلاحي، تلخيصاً لتعقيد مرجعيات "النهضة". فما الذي يمكن وصفه بالإسلامي هنا؟ وما هو المصري أيضاً في كل هذا؟
 
تخصص سيغيرمان الفصلين اللاحقين لنموذجين من جيل الرواد، تمثل أصولهما الطبقية النموذج الأقصى للتناقض. محمود مختار، الريفي الذي سيُبعث لدراسة الفنون في باريس ويقضي بعدها حياته القصيرة فناناً متفرغاً، ومحمود سعيد الأرستقراطي السكندري، المنتمي للنخبة التركية الحاكمة، والذي سيمارس الفن كهواية إلى جانب منصبه المرموق في المحاكم المختلطة. في ستديو مختار في باريس، تتزين الجدران بعبارة الشهادتين وبعض من أسماء الله الحسنى وأسماء الصحابة، مكتوبة بالطباشير فوق رؤوس تماثيله الغربية والفرعونية الجديدة، والتي كان بعضها عارياً. هنا يقر مختار بهويته كمسلم، لكنه يرفض أن يجعل تلك الهوية محدداً لفنه وجمالياته. أما محمود سعيد، فتقارن الكاتبة بورتريهاته المحافظة فنياً، والمحتشمة التي صُوّرت لمصريات من النخبة التركية، وبين لوحاته العارية التي مثلت المصريات ذوات البشرة السمراء.

الفارق في الجماليات بين الإثنين، يكشف الهيراركية الإثنية في مصر حينها، والقلق الذي لحق بالنخبة الحاكمة مع صعود شعارات "مصر للمصريين" واكتسابها الشعبية. مآذن الجوامع التي تظهر في خلفية لوحات النساء السمراوات العرايا، وحلقات الصوفية والدراويش في ساحات الجوامع في لوحات سعيد، كل هذا يمثل تضميناً ً لعنصر الإسلامي، تضمينا غرائبياً بنكهة استشراقية كما تراه الكاتبة. 

يحظى الفنان عبد الهادي الجزار، المنتمي لجيل الوسط، بالمساحة الأكبر من الكتاب. فهو لم يكن فقط الفنان النموذجي لتمثيل العهد الناصري وعتبة العبور الفنية بين الاستعماري وما بعد الاستعماري. بل وجدت الكاتبة أيضاً في سيرته الفنية، المثال الأنسب لاستعراض نظريتها عن الحداثة الفنية في مصر والمجتمعات غير الغربية عامة. فهي، كما ترفض نموذج المركز والهامش لفهم الحداثة، لا تستسيغ النظريات المعاصرة ذات التأطير المعولم لها، تلك التي تفترض شبكة ممتدة في الاتجاهات كافة، باحتمالات لانهاية من نقاط التماس والتفاعل. ما تراه سيغيرمان هو أن الحداثة الفنية في مصر، تشكلت عبر مجموعة من خطوط التلاقي ونقاط التقاطع المحددة والمحدودة أيضاً. فالجزار السكندري من أصول ريفية، والذي يرتبط بجماعتي "الفن والحرية" و"الفن المعاصر"، يلقى بالجماليات الأكاديمية الغربية وراء ظهره، رافضاً إياها كصورة للهيمنة الغربية. ويتبنى بدلاً منها أساليب الفن البدائي أو الوحشي، تلك التي استعارتها المدارس الأوروبية المتمردة من الشعوب المستعمرة.
 
هكذا يقلب الجزار، الاستعارة الغربية على قدميها، في سعي لخلق جماليات محلية، عبر أسلوب غربي يواجه به أسلوب غربي آخر. فالغربي ليس كلاً واحداً في النهاية. المجاذيب ومجانين الموالد والزار، والموضوعات التراثية والشعبية التي يوظفها الجزار بشكل سوريالي في أعماله، تجدها الكاتبة تعبيراً عن الإسلامي. لكن بعثته للدراسات العليا في إيطاليا بين العامين 1956 و1961 تغير كل شيء، فهو ينتقل من الأساطير وكتل الألوان غير المنتظمة والخطوط البدائية المتعرجة إلى ما تطلق عليه الكاتبة، الميكانيكيا السحرية، سلسلة من الأعمال المشبعة بالتفاصيل الدقيقة شديدة الانتظام، منمنمات هندسية، للسد العالي وروبوتات ومركبات فضاء وقصور مجنحة وماكينات خرافية عملاقة.

لكن هذه النقلة لا تعني تغييراً جذرياً، فالجزار بحسب الكاتبة، يجد في التفاصيل الهندسية الجاذبية السحرية نفسها التي تستلب الناظر إلى أفق صوفي، وهكذا يظل الإسلامي حاضراً ولو بشكل ضمني. 

تهمين معضلة تعريف الإسلامي على الكتاب، لا كمشكلة مفاهمية فحسب، بل، على ما يبدو، كعبء هوياتي لدى الكاتبة، وضغط من أعلى يتعلق بسياق الحقل البحثي. يقع الكتاب في عدد من الأخطاء المدفوعة بذلك الضغط، كتسمية لوحة "المجنون الأخضر" للجزار باسم "الرجل الأخضر" وافتراض إنه يمثل شخصية الخضر من التراث الإسلامي، وكذلك تسمية لوحة "فرح زليخة" للفنان نفسه "قصة زليخة"، وتفسيرها على إنها تستلهم قصة يوسف وزليخة الدينية. تحاشت الكاتبة الاقتراب من تقاطعات الإسلامي والقبطي، ودور الرواد من غير المسلمين وجمالياتهم ذات المرجعيات التراثية والدينية الأخرى. فمقاربة تلك الموضوعات كان سيجعل مهمتها أكثر صعوبة وتشويشاً. ومع ذلك، يظل الكتاب إضافة هامة لتأريخ الفن المصري الحديث، وهو يقدم الكثير من زوايا النظر لتقاطعات الحداثة والإسلام في مصر، ويطرح معها كذلك الكثير من الأسئلة. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري