آخر تحديث:13:01(بيروت)
الخميس 29/10/2020
share

الشعبويون والوباء.. سلطة بلا مسؤولية

محمد صبحي | الخميس 29/10/2020
شارك المقال :
الشعبويون والوباء.. سلطة بلا مسؤولية شبح كورونا
في حين يُفترض بالرجال الاستبداديين "الأقوياء" تسجيل حضور قوي في أزمة كورونا، نرى بدلاً من ذلك، هروباً للأمام وتعمية للعيون والآذان. كيف ذلك؟ يعتقد عالم السياسة البلغاري إيفان كراستيف في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز أن رجالاً مثل ترامب أو بوتين أو بولسونارو أو لوكاشينكو "يستمتعون فقط بالأزمات التي خلقوها بأنفسهم". فهم من نوع القادة الذين بحاجة إلى أعداء لهزيمتهم، وليس الحلول للمشاكل. الحرية التي يقدرها هؤلاء القادة الاستبداديون هي الحرية في اختيار الأزمات التي تستحق التدخل. هذا فقط ما يسمح لهم بتدعيم صورتهم كقادة ذوي سلطة شبه إلهية.

في روسيا، كان بوتين قادراً على "حل" أزمة بإطلاق أزمة أخرى. فقلب الانخفاض في شعبيته بعد الحركة الاحتجاجية بين العامين 2011 و2012 بضمّ شبه جزيرة القرم في استعراض عضلات دراماتيكي سجّلته شاشات الميديا حينها. كان ترامب قادراً ذات مرة على الادعاء بأن قوافل المهاجرين من المكسيك تشكِّل أكبر تهديد لبلاده، متجاهلاً التهديد الحضاري الذي يمثّله تغيُّر المناخ. لم يعد هذا ممكناً في عصر كورونا يمكن لأي شخص يحاول صنع قافية سياسية لوباء كورونا أن يتوصل بسرعة إلى استنتاج مفاده أن العديد من البلدان التي تحكمها حالياً أنظمة أوتوقراطية استبدادية تمر بأزمة سيئة في تعاملها مع الوباء. يبرز بشكل خاص رؤساء الدول الصاخبين ممن على استعداد كامل لتجاهل الخبرة العلمية، وإذا جاز التعبير، مواجهة الفيروس بسواعد عارية، حتى إن كانوا أنفسهم، مثل بوريس جونسون وجاير بولسونارو ودونالد ترامب، أصيبوا بالفيروس القاتل.

في الولايات المتحدة الأميركية، تعامل ترامب مبكراً مع الجائحة مثلما يتعامل مع كافة الأزمات التي تواجهه: تجاهل المخاطر والتقليل من خطورتها. فعل ذلك خلال خطاباته التي ألقاها أمام الحشود المناصرة له وخلال المؤتمرات الصحافية للحيلولة دون حدوث حالة "فزع" ولإظهار مدة تمكنه من السيطرة على الأمور، ثم انتقد حكّام الولايات لإصرارهم على إبقاء المدارس مغلقة، واعتمد تسمية "الوباء الصيني" في أغلب تصريحاته حين الحديث عن الجائحة التي أودتب حياة 225 ألف أميركي من بين حوالي 8.7 ملايين أصيبوا بالفيروس حتى لحظة كتابة هذه السطور. في البرازيل حيث بلغت إصابات كورونا 5.39 ملايين شخص، والوفيات 157 ألفاً، يستخدم الرئيس اليميني المتطرف بولسونارو الوضع الكارثي لتفشّي كورونا في بلده لمفاقمة الصراعات الاجتماعية بين طبقات البرازيليين، ولا يزال يحتفي به أنصاره لهزيمته الوباء بشجاعة كما لو كان يمكن هزيمته بشعارات وقحة وحفنة أكاذيب.

في بلدان مثل روسيا وتركيا، يتزايد عدد الحالات، على الرغم من أنه يجب افتراض عدم وجود اختبارات كافية. على أمل أن يتوافد السياح قريباً على سواحل تركيا مرة أخرى بأعداد كبيرة، يبث التلفزيون الرسمي صوراً من مجمعات فندقية كبيرة حيث عمليات التطهير والتعقيم تغيّم الشاشة بضبابٍ كثيف. رؤية الاحتياطات الصحية أكثر أهمية من تأثيرها. في الهند (119 ألف وفاة، 7.9 ملايين إصابة)، تخرج الأمور الاقتصادية كما الصحية عن السيطرة. ومع ذلك فإن أكثر من 80% من الهنود يؤمنون برئيس وزرائهم الهندوسي المتعصب ناريندرا مودي. لماذا؟ لأنه قائد لديه رؤية ويتخلّى عن الراحة المادية والحياة الجنسية، من دون أبناء يورثهم الحكم، ومنفصل عن زوجته بعد فترة وجيزة من الزواج قبل خمسين عاماً، ويحافظ على اتصال متقطع مع والدته المسنّة التي تعيش في ظروف متواضعة بعيداً من دلهي.

تتباين الأمثلة والجغرافيا والسياقات، لكن يبدو أن جاذبية الأساليب السياسية الشعبوية لا تتضاءل. حتى مع ظهور علامات تحمل بصمات مقاومة مدنية لسياسة استبدادية تنظر إلى المواطنين كرهائن لمصالح الاحتفاظ بالسلطة، لا تزال تسود المفارقة المُساء فهمها إلى حد كبير بأن الناخبين يثقون في القادة السياسييين "الأقوياء"، حتى بعدما أثبت هؤلاء منذ فترة طويلة أنهم لا يهتمون كثيراً للمخاوف الاجتماعية للسكان. الظاهرة المتمثلة في اعتقاد دونالد ترامب أنه قادر على إخفاء فشله الصارخ في أزمة كورونا من خلال إلقاء اللوم على الصين ومنظمة الصحة العالمية، لا تزال مذهلة ومدعاة للتأمّل.



في كتابه "ثقافة النرجسية"، المنشور في العام 1979، أدلى المؤرخ الأميركي كريستوفر لاش ببيان نقدي اجتماعي شامل، تضمَّن ملاحظة أن السياسة قد تحولت إلى حدث يتصرَّف فيه الأبطال مثل مضيفي البرامج الحوارية، وأن المجتمعات الرأسمالية أنتجت أفراداً ذوي نزعات نرجسيّة، يهربون من أي علاقة تحتاج إلى الالتزام أو المسؤولية، ويعشقون الشهرة والمتع السريعة. من منظور اليوم، فإن أمثلة لاش، التي يحتل فيها قادة فضائحيون مثل ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر، مكاناً خاصاً، تُقرأ كمساعٍ دؤوبة لإعطاء "النخبة العمياء" (مثلما سمّاها لاش في فصلٍ بعنوان "سلطة بلا مسؤولية") صلاحيات إصدار قوانين تتحكم بمصائر المواطنين.

إذا كان تشخيص النرجسية ما زال دقيقاً، فمن المحتمل أن يكون استدعاء القادة الشعبويين للمسؤولية السياسية والعقل، محض هباء. في أزمة كورونا على وجه الخصوص، أصبح من الواضح أن ترامب وبولسونارو ومَن على شاكلتهم، يرون مخاطر ومشكلات الواقع الاجتماعي في أفضل الأحوال، كتحدٍّ لاستحضار حبّ المرء لذاته. نهمهم لتأكيد سلطتهم لا حدّ له. لكن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي يغذّون، باضطراد، تلك النزعة ويعطونها أبعاداً جديدة. إن جزءاً من المجال الواسع للاضطرابات النرجسية يتمثّل في أن الأشخاص الذين يُظهرون مثل هذه الأعراض لا يريدون فقط الإعجاب بهم، لكنهم يحبون أيضاً لهذا الإعجاب أن يكون بلا حدود.

ليس من قبيل المصادفة أن كل شيء دائماً ما يكون ضخماً وبارزاً مع ترامب. يمكن للحماسة غير المتمايزة التي لاحظها المؤرخ لاش، كظاهرة عامة لعصره، أن تتحول بسرعة إلى ازدراء لا يمكن السيطرة عليه. إذا لم يكن كل شيء خادعاً ومضللاً، فقد أنشئت دائرة قوة مفرغة جديدة هنا، والتي، للمفارقة الساخرة، تلبّي كلا الحاجتين.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها