آخر تحديث:13:20(بيروت)
الأربعاء 28/10/2020
share

ايمانويل ألوا: دفاعاً عن المنظورية

روجيه عوطة | الأربعاء 28/10/2020
شارك المقال :
ايمانويل ألوا: دفاعاً عن المنظورية المنظورية تجعل صفة الحقيقة، وبفعل القاء الضوء على موضوعها، هي الاستمرارية.
من الممكن تطبيق ما كتبه ايمانويل ألوا، في كتابه الجديد عن المنظورية، "تقاسمات المنظور" (فايار)، على كتابه نفسه. ذلك أن قراءته لا تفضي إلى تلقيه على مضمون بعينه، بل على المتنوع والمتداخل منه، وهذا لسبب أساسي، وهو أن ممارستها ترتكز إلى منظورات عديدة.

وقبل الكلام عن منظورات القراءة هذه، لا بد من تحديد المنظور بحسب ألوا، بحيث يجد أن يحصل التطلع من خلاله، هو هذا الـ"من خلال"، الذي ينتج علاقة مع موضوع التطلع. انه تعريف يسير نوعاً ما، لكنه رغم يُسره، لم يمنع ألوا من تأريخه والذهاب من أفلاطون الى سيزان، وبينهما نيتشه وميرلو-بونتي بالتأكيد. فعلياً، ثمة أفكار نحسبها بديهيات، ولأنها كذلك، نعتقد أنها كانت دوماً هكذا، كانت دوماً هنا، اذ برزت في لحظة ومطرح ما، وتأبدت عندهما، وبالتالي، لا مواضي لها، ولا حوادث حولها. لكن سرعان ما يأتي العكس صحيحاً، فتأريخ البديهيات، أو المحسوبة كذلك، ضروري للغاية، وصعب للغاية.

بتعريفه للمنظور بكونه الـ"من خلال" الذي يحصل التطلع منه، يعقد ألوا نيته على مواجهة خطبة راهنة في العالم، تتعلق بالرائج حول "بعد الحقيقة"، أو بالبكائية الممجوجة حول "نهاية الحقيقة". هذه الخطبة تقول الآتي: حقيقة موضوع ما صارت تولد ميتة، بحيث أن أي حديث عنه لا يحرزها، إنما يرتبط بوجهة نظر صاحبه. باختصار، لا يمكن معرفة حقيقة موضوع ما، بل فقط وجهات النظر التي تتناوله، والتي لا تنطوي عليها. ولا تتوقف الخطبة هنا، بل إنها تشير الى أن تعدد وجهات النظر، يزيد من موت الحقيقة نفسها، ويمحو آثارها. وفي النتيجة، تدعو الخطبة نفسها الى انقاذ الحقيقة، عبر الإقلاع عن تلك الوجهات التي تؤدي الى قتلها، وفي الوقت نفسه، مطابقتها مع الوقائعية. ما الوقائعية؟ بكل بساطة هي كون حقيقة الموضوع تتعلق بوقائعه فقط، بحيث أن هذه الوقائع لا يمكن الإنقسام حولها، ولا يمكن تأليف آراء مختلفة حولها. في هذا السياق، ومثلما هو واضح، دعوة الخطبة إياها ترمي الى تخفيف الانقسام بالوقائعية على أساس أن وجود وجهات نظر متنوعة يؤدي اليه، وحينها، قد يتفاقم ليصير تنازعاً. في الخلاصة، الخطبة تطيح بالمنظورية، تستبدلها بالوقائعية، تحفظ الحقيقة بها، وبالحفاظ عليها تخفف الانقسام حولها منعاً لتفاقمه، كما تجعل من التناغم سائداً.

في مقابل هذه الخطبة، ومشروعها، يدافع ألوا عن المنظورية، وهذا، بالانطلاق من رد شبهتي قتل الحقيقة والتقسيم. من الممكن تلخيص فعله بهذا الشكل: أن يحمل أي منا "وجهة النظر" فهذا لا يعني أنه يفرضها على موضوعه، كما لا يعني أنه سيمضي الى الانفصال والانعزال إلخ. بالعكس، بـ"وجهة النظر"، نمد علاقة مع الموضوع، وهذه العلاقة تجدنا وتجده، أي تحقق وجوده ووجودنا. "وجهة النظر"، أو المنظور تحديداً، لا يغتال الموضوع، يوفر له ظرف حياته، كذلك الأمر من قبل الموضوع نفسه نحو صاحب المنظور. لكن، إن كان المنظور يعمد الى تظريف حياة الموضوع، إذا صح التعبير، فهو لا يشكله، أو لا يشكله بالكامل. إذ إن المنظور يقدم على إجراء معين حيال موضوعه، وهذا الإجراء بمثابة كليشيه، إلا أن بين الكليشيهات هناك أشياء مهمة، أو هي أشياء مهمة لكنها فقدت أهميتها بسبب استعمالها كيفما اتفق: يلقي الضوء على جانب منه. إلقاء الضوء على جانب من الموضوع، ماذا يستدعي سوى إضاءة جوانب أخرى. على هذا النحو، المنظور لا يفصل صاحبه عن غيره، هو يجعل صاحبه يتقاسم موضوعه مع غيره، أي يدعوه الى الاتكاء على منظور مغاير لكي يتطلع عبره الى الموضوع ذاته. والاثنان، بهذه الطريقة، ومعهم، كثرة، يتيحون له أن يتشكل، ويعيش!

بهذه الطريقة المختصرة، يطرح ألوا دفاعه عن المنظورية، وفي عقبه، لا يبدو مجرد دفاع، بل هو-وهنا بعض المنظورات التي يمكن قراءة الكتاب على أساسها- كناية، أولياً، عن تحية الى الديموقراطية. فلا بد من توجيه تحية اليها على سبيل "ردكلتها"، بما هي قوام المنظورية، التي تقتضي إحياء الموضوع، لا قتله، ولا اختزاله. ففي هذه الديموقراطية، لا تقاس حقيقة الموضوع بكونها واحدة أو كثيرة، بل بكونها متواصلة البناء. كما لو أن المنظورية تجعل صفة الحقيقة، وبفعل إلقاء الضوء على موضوعها، هي الاستمرارية. في هذه الجهة، يمكن قراءة دفاع ألوا، بالتوازي مع كونه تحية الى الديموقراطية، من منظور فلسفي، يتعلق بالحقيقة نفسها. فيُبنى على هذا الدفاع لجرّ الحقيقة من مندبة موتها الى كون هذا الموت فرصتها لتكون بعده. فبدلاً من الحديث عن "بعد الحقيقة"، يمكن الحديث عن "الحقيقة بعد موتها"، أو يمكن الاستناد الى مقولة "معاودة الأدب"، التي وضعها يوهان فايربر ذات مرة، للحديث عن "معاودة الحقيقة".

المنظور الثالث، هو منظور سوسيولوجي، يتعلق بالتقاسم: التقاسم لا يعني أن موضوعه موجود قبله، وكل شخص يأخذ قسماً منه، بل إن التقاسم يصنع هذا الموضوع، يحييه، وما أن يحييه حتى يجعله مشتركاً، فيجعله علة مجمتعية. وبعد ذلك، يمكن إضافة منظور رابع وخامس وسادس... لكي تحيا المنظورية "من خلالها".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"