آخر تحديث:12:43(بيروت)
الثلاثاء 27/10/2020
share

"1982" لوليد مونس.. ذاكرة الحرب الناقصة

يارا نحلة | الثلاثاء 27/10/2020
شارك المقال :
"1982" لوليد مونس.. ذاكرة الحرب الناقصة يقدّم مونّس سرداً عادياً جداً ليوم استثنائي
في فيلمه الروائي الأوّل "1982"، يعود المخرج اللبناني وليد مونس، بالذاكرة، إلى الاجتياح الاسرائيلي للبنان، مستحضراً يوماً طويلاً في حياة طفلٍ في العاشرة من عمره، هو في الوقت نفسه يوم قرع طبول الحرب في بلاده، ويوم اعترافه بحبه لزميلته في المدرسة. ومن هذه الذكرى الطفولية المنشطرة بين الحب والحرب، يصنع مونس تجربةً سينمائية تتشابه والكثير من مخلفات الأرشيف السينمائي للحرب اللبنانية، من دون أن تقدّم أي إضافة إلى هذا النوع الذي استأثر بالسينما اللبنانية حتى أضحى مستهلكاً بالكامل.

في انطلاقة الفيلم، يُبقي مونس، الحرب، في الخلفية، فيما تتقدّمها قصة الحب التي تشدّ بطل الفيلم وسام، إلى جوانا، زميلته في المدرسة الانجلوفونية الراقية في إحدى ضواحي بيروت. نتبع وسيم في محاولاته المتعثّرة للبوح بحبّه لزميلته، باحثاً عن سبلٍ للقائها بعد المدرسة مع كلّ ما يتطلّبه هذا اللقاء من تجاوز للحواجز والمعابر التي تفصل عالميهما؛ الغربية والشرقية. وفيما يواجه التلامذة قلق إجراء امتحانات نهاية العام المدرسي إلى جانب قلق الخوض في علاقات الحبّ مع الجنس الآخر، يباغتهم هدير الطائرات معلناً اندلاع حرب جديدة؛ الإجتياح الإسرائيلي.


بخطى ثقيلة يمكن سماعها عبر المؤثرات الصوتية التي تزداد وتيرتها مع تقدّم الفيلم، تقترب الحرب أكثر فأكثر من الدائرة الخاصة بالشخصيات التي كانت تعدّ نفسها بمنأى عن هذه الحرب، نظراً إلى الإنقسامات الجمّة بين المواطنين في هذه البقعة الجغرافية الصغيرة. إلا أن المسافة الفاصلة بينهم وبين الحرب تستمرّ في الاضمحلال، فتتسلل إلى حيواتهم الشخصية، موقظةً إياهم من أوهام الأمان والإنفصال عن صراعات "الآخرين"، كما يتمّ تصويرها. هذا التوتر تجسّده شخصية المربية ياسمين (نادين لبكي) حين يقرّر أخاها الانضمام إلى ميليشيا طائفية مسلّحة والاتجاه جنوباً حيث تعصف الحرب. تتوسّل إليه ياسمين ألا "تدخل الحرب إلى بيتنا". في الوقت نفسه، تربط ياسمين بمربٍّ آخر، هو جوزيف (رودريغ سليمان)، علاقة حب يشوبها التوتر بسبب اختلافاتهما السياسية. هو يختار الخط المعادي لخطّ أخيها، وهي تختار الوسط؛ الحياد.

لا يصوّر مونس الحرب من منظور شخصية واحدة، بل نرى الواقع الواحد بعيون مختلفة، ما يردي هذا الواقع مشرذماً وغير مكتمل. ولعلّ أدقّ ما يصف هذا العمل هو النقص الذي يعتريه على كافة المستويات: سيناريو أقل من عادي، نقاش سياسي فيه من التسطيح والميوعة ما يجعله منفصلاً عن السياق التاريخي لتلك الحقبة، حبكة مشتتة، أداء تمثيلي غير مؤثر، وبناء غير مقنع للشخصيات، سيّما الأطفال منها.

بمعزل عن جمالية الصورة، يقدّم مونّس سرداً عادياً جداً ليوم استثنائي. يحاول التعويض عن ذلك بنهايةٍ غير واقعية، تختلط فيها مخيلة الطفل بواقعه المشؤوم. بخياله الجامح، يهرب وسام من الأفق المسموم بالدخان المنبعث عن التفجيرات إلى سماء مطلية بألوان زاهية ومشرقة.  يبتدع شخصيات بطولية من نسق "السوبر هيروز"، يحتمي بها من المواجهة المباشرة لتجربة الحرب الصدامية. إلا أن النهاية تأتي ناقصة أيضاً، إذ يتعذّر فهم مغزاها الدرامي في السياق العام للفيلم. تتركنا هذه الخاتمة مع تساؤل حول الهدف الكامن وراء جرعة الأمل التي يطعّم بها المخرج عمله. هل يرسم هذا المشهد الفانتازي الأخير، نهاية سعيدة، بالرغم من كل الواقعية السوداوية التي سبقته؟ هل يريدنا أن نخرج بعبرة لطيفة مفادها أن مخيلة الطفل تنتصر على التجارب المريرة؟ لا يهيّء المخرج الإطار المناسب لهذا المشهد الختامي، بل إنه يربك المشاهد ويحدث إلتباساً في النوع، إذ يُخرج الفيلم من دائرة النقد الاجتماعي والسياسي الجاد ويزجّه في خانة دراما الأطفال. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها