آخر تحديث:17:11(بيروت)
الجمعة 02/10/2020
share

ثقافة الهيمنة الجديدة

رشا الأطرش | الجمعة 02/10/2020
شارك المقال :
ثقافة الهيمنة الجديدة الرئيس بري قبيل مؤتمره الصحافي لإعلان اتفاق الإطار لمفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان والكيان الإسرائيلي (علي علوش)
إذا كانت لحظات التحوّل، حينما يقع تغيُّر مهم أو حتى عُطل، هي اللحظات الأصفى والأوضح للاستدلال إلى طريقة عمل النظام، فإنها أيضاً اللحظات التي تتيح التأكيد على هوية المُسيطر على هذا النظام والمُسيِّر له، أو، في حال الانقلاب، تفسح المجال للتعرف على الناظِم الجديد. وكما في أنظمة المعلوماتية والانترنت، حينما يتلقى المستخدم رسالة تقول، مثلاً، إن أحد حساباته الاجتماعية تم الدخول إليه من جهاز غير معرّف سابقاً، وتطلُب منه تغيير كلمة المرور إن لم يكن هو الذي نفّذ هذا الدخول، أو تجاهل هذه الرسالة إن كان هو الذي نفّذه.. بدا المؤتمر الصحافي الأخير لرئيس مجلس النواب، نبيه بري، وهو الوجه السياسي والدولتي "للثنائي الشيعي"، أشبه بتنبيه للرأي العام اللبناني: حصل تغيّر لافت في خطاب علاقة لبنان بالكيان الإسرائيلي، ولا داعي لأن يقوم اللبنانيون بأي خطوة تصحيحية لأن مصدر هذا التغيّر هو المتحكّم في هذه العلاقة وفي السيستم اللبناني وما زال المتحكّم هو نفسه، وما زال هو المهيمن الأول الذي يملك فرض "الثقافة المهيمنة" والتعديلات عليها.

يفترض أنها ثقافة "أمريكا الشيطان الأكبر"، والاتهام الزجريّ بالتطبيع والخيانة والعمالة لكل خطوة تتعلق بالكيان الإسرائيلي ولا تمرّ عبر "المقاومة"، إضافة إلى الوساطة الأميركية "غير النزيهة" باعتبارها "محامي إسرائيل"، بحسب خطاب سابق لحسن نصرالله، فيما "حزب الله" هو القوة الأبرز في الدفاع عن مصلحة لبنان، وهو الذي تعهد ذات مرة بجلب شركة للتنقيب عن النفط متحدياً الإسرائيليين (المفترض أنهم مردوعون بما يسمى توازن الرعب) إن تعرضوا لها.

ثم جاء التعديل على هذه الثقافة، بجعل الأميركيين مشرفين معتمدين و"موثوقين" لمفاوضات مباشرة مع الإسرائيليين حول ترسيم الحدود وملفّي الغاز والنفط. وحتى على مستوى اللغة، رُصد تعديل بِذِكر "إسرائيل" هكذا حاف، بلا كلمات المعتادة من قبيل العدو أو الاحتلال أو الكيان. 

هكذا، إثر مرور لبنان بمراحل من خلط أوراق الثقافة المهيمنة عليه، قبل اتفاق الطائف، وبعده، والآن ما بعد بعد الطائف، يُعاد التأكيد على هوية القادرين اليوم على فرض الهيمنة، في الثقافة والمُسلّمات العامة، كما في السياسة والميدان. فالهيمنة في السياسة من قبل طرف غير الدولة، هي حينما يحكم صاحب القوة (الاستعمارية)، أراضي (أو مناطق أو فئات)، من خلال التهديد باستخدام التدخل العسكري أو الضغط الاقتصادي، وإن لم يستخدمهما بالفعل. وتحضر في أذهان اللبنانيين هنا، إيران، وذراعها "حزب الله" وسلاحه وذكرى 7 أيار2008 وغارات الدراجات النارية. أما الهيمنة بالثقافة، فهي قُدرة القادر، الفئة الحاكمة فعلياً، على جعل منظورها للعالم هو العُرف والمقبول، هو الطبيعي والصحيح، المُنصف والشرعي، ولصالح الجميع، لكل الطبقات (والفئات والطوائف.. أي الوطن برمّته إن كان لبنان لا يزال وطناً كاملاً وجامعاً ونهائياً لأبنائه كافة). في حين أن المنظور هذا يفيد المهيمنين، لا سيما في المجتمعات التعددية.

طوال عقود، تسيّدت صُور "المارونية السياسية" عن لبنان واللبنانيين، ثم ألبوم الحرب الأهلية المنوّع، ثم تصدير لوحة إعادة الإعمار والمقاومة مع النهوض الاقتصادي والثقافي في ظل "وجود سوري ضروري وشرعي ومؤقت"، مروراً بلبنان الشباب المتظاهر في الساحات لأنه "يحب الحياة"، ووصولاً إلى لبنان المؤدّب من قبل آبائه وسيّاده. والمهيمنون اليوم لا يُختزلون في "حزب الله" أو "الشيعية السياسية"، بل يُشاركهم الحكام الماليون والاقتصاديون، ومجمل المسؤولين المتعاقبين على سُدد الدولة. فالنفط والغاز، إن تبيّنت منهما كمية تجارية كما يُزعَم، ربما يُسعفان في تثبيت السلطة اللبنانية بأركانها المتوافقة مع المهيمنين، وتمويل مَنهَبتها التي أسست للأزمة الاقتصادية الراهنة وفاقمتها إلى حدود غير مسبوقة. وإيران و"حزب الله"، على وقع التصعيد الأميركي واشتداد قبضة الحصار والعقوبات، يريدان زاوية تفاوضية جديدة مع الولايات المتحدة. والحال إن الثقافة الجديدة تُقدّم على أنها نصر لبناني.

لم يتمكن "حزب الله" من فرض إيديولوجيته الدينية الغيبية والاجتماعية، وتخلى عن "دولته الإسلامية" في لبنان بعدما فشل في جعلها ثقافة مهيمنة. لكنه نجح وينجح في نواحٍ كثيرة أخرى لا تقل أهمية وجذرية. 

كان أنطونيو غرامشي مَن تحدث عن دور "البداهة" (الأفكار السائدة عن المجتمع وموقعنا فيه)، لإنتاج الهيمنة الثقافية. مثلاً، فكرة أن الفرد يمكنه أن يحقق نجاحاً اقتصادياً ويرتقي طبقياً، إن بذل الجهد الكافي. هي "بداهة" ازدهرت في كنف الرأسمالية، وينتج عنها تبرير "السيستم" برمّته. فإن اقتنع واحدنا أن الشرط الوحيد للنجاح هو الاجتهاد في العمل والتفاني فيه، فهذا يفضي إلى أن سيستم الرأسمالية والهيكلية الاجتماعية المنظّمة حوله، عادلان وصحيحان، وأن الناجحين اقتصادياً فعلوا ذلك بكدّهم الشخصي بالضرورة، وأولئك الذين يكافحون أوضاعاً اقتصادية واجتماعية صعبة يستحقون ما جلبه عليهم كسلهم.

والبداهة اللبنانية الجديدة الآن أن الثنائي الشيعي هو ثنائي "وطني"، تمكّن من تحقيق خرق في ملفات ترسيم الحدود والنفط والغاز لمصلحة البلد وأهله جميعاً، وسِلمياً، من دون إتاحة الفرصة لدموية إسرائيل وعنفها. فيُكرس "سيستم" المقاومة وانتصاراتها الدائمة، و"الحمدلله أننا دائماً على حق"، و"أشرف الناس" الذين لا يُمكن ولا يُعقل أن يضعوا في مهبّ أي شكل من أشكال التطبيع الذي لطالما هُدّد وسُجن وضُرب وقُتل ناس بسبب تُهمته. هذه أحدث المُسلّمات، فخذوا عِلماً أيها اللبنانيين وابتلعوها مع كأس كبيرة من الماء. فلا خلل هنا. لا شيء سوى أن مالك الحساب أراد تغيير كلمة المرور، وفعل، في الزمان والمكان المناسبَين. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

رشا الأطرش

رشا الأطرش

مديرة التحرير

مقالات أخرى للكاتب

حقيبة سارة الثلاثاء 20/10/2020
الثورة الفاشلة الجمعة 16/10/2020
شيعة كافكا الثلاثاء 13/10/2020
الأمل الجمعة 09/10/2020
المزيد